الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

مصطلحات لعالم الغد

بيير لوي ريمون *

«مخالطة».. «مناعة القطيع».. «أجسام مضادة».. «تباعد اجتماعي».. «إجراءات احترازية» مصطلحات دخلت عالمنا، بل أكثر، اقتحمته ولا نستبعد أن تدرسها الأجيال تلو الأجيال.

«اختبار المسحة البلعومية» «البحث عن التسلسل الوراثي» «اختبار الأجسام المضادة» «العناية المنزلية». مراحل تقف لنا بالمرصاد جميعا في كل خطوة نخطوها في العالم الجديد. «عزل» «تعقب» «قفل صارم» مراحل تصعيدية تضعنا في قلب ما وصفه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ذات يوم بـ«حرب ضروس» ضد «عدو غير مرئي».

لو كانت هذه الحقائق خيالية، لأمكن لنا أن ننشد من مادتها قصيدة، تحمل مثلا عنوان «ذلك العالم الذي لا نريد أن نراه» أو «لا مرئي نستعيذ من رؤيته» لكن الأمر جاء على النقيض تماما، فصار العالم والرؤية مطابقين لما وددنا لو بقي من نسج الخيال. دخلت المصطلحات الجديدة ودخل معها المنطق الجديد. كما دخلت مراجع، ونواميس، ونماذج، على صورة الفيروس المستجد، الذي دقق البعض في ترجمة اسمه إلى العربية فسماه تاجيا. أكيد، أصبحنا نعيش حالة طوارئ لفظية قصوى، تجعلنا نستحم في بحر لجوج من كلمات ليست كالكلمات. ستجاورنا طويلا معاشرة الوباء ومساعينا الحثيثة لدرء خطره، كما ستجاورنا طويلا منظومة اصطلاحية جديدة، تحتم التكيف معها والتمرس بها. تمرس… ممارسة، لعل الحقبة التي دخلناها مفاجئة، لكن التي أدخلتنا هي في المفاجأة أيضا، جعلت حقا من كلمة «ممارسة» الكلمة المفتاح، في صورة حتمية تنضاف إلى باقي الحتميات، بل تحكمها. أجل، فإما نتحكم في الممارسة، وإما يتحكم الفيروس فينا.

الممارسة الحتمية، عبارة تكاد ترقى إلى مستوى النحت، «النحت اللفظي» كما يسميه اللغويون، لكن أيضا النحت الطبيعي، نحت الناقش على الحجر، الكامن في كل منا، المقضي عليه من الآن فصاعدا بالخروج من قمقمه، كما يروي رواة الحكايات.

صحيح ومؤكد، نحن ناقشون جدد على حجر جديد، في عصر ليس بالحجري، بل عصر الحجر الصحي. فارتداء الكمامة، نقش على حجر، احترام الإجراءات الاحترازية، نقش على حجر، حضور لاختباري المسحة البلعومية ورصد الأجسام المضادة، نقش على حجر أيضا. وماذا عن التسلسل الوراثي؟ ما كان وراثيا حتى الآن كان مبنيا على القدم، ما صار وراثيا من الآن سيبنى على الجديد…وإذا أردنا الدقة، على مستجد تفشي الفيروس المستجد. في عالم المسرح، يحدد الريشة والقناع بوصفهما توأمين ينتميان إلى الكتابة من جهة، وانفصال الممثل عمن يمثله من جهة أخرى. لكن الوضع تغير الآن، فصار القناع جزءا منا، يكاد يصل إلى المماهاة، بل وصلها فعلا طالما الإنسان كائن اجتماعي. أما الريشة فغدت، أكثر من أي وقت مضى، آلة مرشحة لضبط مصطلحات العالم الجديد.

* باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

المصدر: القدس العربي