الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

من يحمي آخر ديكتاتور في أوروبا

محمود الحمزة *

كلما وقع ديكتاتور، في أي مكان في العالم، في أزمة وأصبح في موقف حرج أمام شعبه وبدأ العد التنازلي لسقوطه يسارع الكرملين للدفاع عنه بحجة أنه يدافع عن الشرعية وسيادة الدولة أمام الضغوطات الخارجية التي تريد تغيير النظام بالقوة أو بطرق “الثورات الملونة” عن طريق تهييج الشارع ضد الحاكم. وكأن الأمر حقيقةً هو هكذا! وهكذا فعلت موسكو مع ثورات الربيع العربي حيث كان موقفها بالأساس داعماً لكل الانظمة الشمولية العربية وبرز ذلك بشكل صارخ في سوريا. وهذا موقفها من فنزويلا وإيران وكوريا الشمالية وكوبا.

ولا يوجد في الاستراتيجية الروسية في التعامل مع الدول الاخرى، أي اعتبار لإرادة الشعوب وكفاحها من أجل حقوقها وحرياتها لأن الحرية والديمقراطية والكرامة عند الكرملين تفسر بالعكس تماماً فكل من ينادي بالحرية هو تابع لأجندة غربية مثلما يفعل النظام السوري البعثي الأسدي في تعامله مع المعارضين السلميين ويتهمهم لمجرد النقد والمطالبة بالإصلاح بأنهم يساهمون في وهن الامة واضعاف الشعور القومي والعمالة للأجنبي وغيرها من المصطلحات التي لا يعرف احد كيف يمكن تفسيرها، لكننا نعرف نتائجها وهي اعتقال اصحاب الرأي الآخر وإيداعهم في السجن لفترات طويلة.

أوكرانيا فلتت من أيدي الكرملين ونجح الانقلاب وأصبحت كييف (عاصمة أوكرانيا) مستقلة عن موسكو. واليوم نشهد احداثاً ساخنة في بيلاروسيا (روسيا البيضاء) بطلها الشعب البيلاروسي ضد رئيس قبض على الحكم منذ 26 سنة وهو يريد الاستمرار. وعلى سؤال له ماذا يمكن ان تعمل لو خرجت من الرئاسة أجاب لوكاشينكو: لا أعرف اعمل شيء سوى أن أكون رئيساً. لقد خُلقت لأكون رئيساً!!!

أُجريت الانتخابات الرئاسية في 9 آب/أغسطس الحالي وقبلها قام الرئيس لوكاشينكو كعادته باعتقال أبرز المرشحين من المعارضة ومنهم المرشح الموالي لروسيا فيكتور بابيريكو بحجة الفساد وكذلك وضع المدون المعروف المرشح للرئاسة في السجن وهرب المرشح الآخر فيكتور تسيبكالو إلى خارج بيلاروسيا. وبقيت سفيتلانا تيخانتوفسكايا الشابة زوجة المدون قيد الاعتقال الذي كان مرشحا للرئاسة أيضاً، وتقدمت للترشيح وأصبحت مرشحة المعارضة البيلاروسية.

وهناك توقعات شبه مؤكدة على فوز مرشحة المعارضة بنسبة لا تقل عن 60% ولكن نتائج الانتخابات الرسمية أُعلنت كالآتي: 81 % للرئيس الحالي لوكاشينكو وحوالي 10% لمرشحة المعارضة. ويفيد مراقبون ان بعض المراكز الانتخابية أحصوا عدد المؤيدين للمعارض من خلال ارتدائهم شريط أبيض على أيديهم فكانوا أكثر من الف والبقية يعدون بالمئات وعند إعلان النتائج كانت عدد البطاقات المؤيدة للوكاشينكو أكثر من 1000 ولسفيتلانا مئات الأصوات فقط.

وبدأت مظاهرات حاشدة وصل عددها في يوم واحد إلى أكثر من 200 ألف شخص، وهي تستمر لليوم التاسع على التوالي منادية بإعادة الانتخابات ورحيل لوكاشينكو . وكان رد الشرطة وقوات الأمن الخاصة في المدن الصغيرة عدم التعرض بأذى للمحتجين بينما ركز لوكاشينكو كل قوته في العاصمة مينسك وحشد حوالي 1500 وهم جميع عناصر الوحدات الخاصة في بلد يقترب عدد سكانه من 5 مليون إنسان. وتتهم السلطات البلياروسية ليتوانيا وبولندا وأوكرانيا بأنهم يقفون وراء الاحتجاجات في بيلاروسيا.

والمشكلة في بيلاروسيا أن 80% من الصناعة بيد الدولة وهي تنتج حوالي نصف الناتج المحلي الاجمالي ويعمل في تلك المؤسسات الصناعية نصف سكان البلاد القادرين على العمل. وتصدر إلى روسيا 50% من المنتجات الصناعية.

أي أن الوضع السياسي والاقتصادي في بيلاروسيا يذكرنا بالاتحاد السوفيتي حيث يوجد حد أدنى من مستوى المعيشة ولكن نوعية الحياة ومستواها ضعيف، بالإضافة إلى غياب الحريات المدنية والسياسية. كما أن لوكاشينكو سحق المعارضة ولم يسمح لها بممارسة السياسة. وحسب بعض الاحصائيات فإن ربع السكان يؤيدون لوكاشينكو وربعهم يؤيدون المعارضة أي ضد النظام السياسي القائم، أما 50% من السكان فهم غير مسيسين ويمثلون الشريحة الرمادية.

ونذكر فاليري تسيبكالو الدبلوماسي السابق الذي أسس حديقة التقنيات وأصبح يروج للإبداع التكنولوجي والتقني الحديث. وله قول مهم يميز النظام في بيلاروسيا: لو كان ستيف جوبس في بيلاروسيا لاتهموه بقضية جنائية وأدخلوه السجن على نشاطه العلمي والتكنولوجي.

وقد شهدت بيلاروسيا احتجاجات كبيرة عام 2010 على ضوء الأزمة الاقتصادية في أوروبا وروسيا وانهيار أسعار النفط والتقارب البيلاروسي الأوروبي. واضطر لوكاشينكو للتراجع قليلاً أمام المعارضة، ولكنه سرعان ما سلط كل بطشه ضد المعارضة من جديد. وهذا يذكرنا بربيع دمشق وبشار الأسد.

وتتلقى بيلاروسيا مساعدات وتسهيلات اقتصادية كبيرة في شراء النفط والغاز الروسي وتصدير المنتجات الصناعية والغذائية لروسيا وتحصل على قروض لا تقل عن 10 مليارات دولار.

لوكاشينكو يشبه بشار الأسد في أكثر من موقف. مثلا تعامل مع جائحة كورونا بلا مسؤولية واعتبر أنه لا توجد ضرورة لإجراء العزل الصحي لوقاية الناس بالإضافة إلى أنه أعلن عام 2019 قانون الضريبة على الكسالى (العاطلين عن العمل). فأثار القراران استياءً بين الشباب البيلاروسي.

وقد تركت الكورونا أثرا سلبياً كبيراً على الاقتصاد البيلاروسي لتراجع التصدير وخاصة للأسواق الروسية.

الموقف الروسي والدولي:

اتسمت العلاقات الروسية البيلاروسية بالصعود والهبوط. فمنذ 1996 عقد البلدان اتفاقية تأسيس دولة اتحادية ولكن الرئيس البيلاروسي يماطل ويتهرب من دمج الدولتين لخوفه من ابتلاع روسيا لبيلاروسيا سياساً واقتصادياً وعسكرياً. وبالمناسبة فالعلاقات على مستوى الشعبين عادية جيدة.

ولطالما برزت أزمات تتعلق بالنفط والغاز وآخرها كان منذ اشهر عندما اضطرت موسكو لتعويض مينسك عن خسائرها بسبب الضرائب التي فرضتها موسكو على تصدير النفط. ودائماً يُلوح لوكاشينكو بالتوجه للغرب عندما يريد ابتزاز روسيا وبالفعل بعد أن خضعت مينسك لعقوبات غربية كبيرة وحصار سياسي واقتصادي وصفة لوكاشينكو بأنه آخر ديكتاتور في أوروبا، فإن العلاقات بدأت بالتحسن منذ 2019 ورفعت العقوبات وبدأت الوفود الغربية بما فيها الأمريكية، السياسية والاقتصادية والعسكرية تتالى على مينسك بدأت مخاوف موسكو من خسارة بيلاروسيا. علماً أن هناك مناورات عسكرية دورية بين روسيا وبيلاروسيا تجري في أراضي البلدين. وهناك تصريحات عديدة للوكاشينكو بأن الشعب الروسي هو الأخ الاكبر ولا يمكن أن يسمح بإلحاق ضرر بروسيا عبر بيلاروسيا.

ولكنه لم يعترف مثلاً بضم القرم لروسيا وينتقد سياسات بوتين وتدخل سفرائه في شؤون بيلاروسيا ويشتكي من تدخل الشركات النفطية والمصارف الروسية وضغطها على مينسك لبيع مصرفها المركزي وشركتها النفطية لموسكو.

وفي عام 2014 حذر لوكاشينكو البيلاروسيين من خطر الجار الشرقي (يقصد روسيا) بعد أن تدخلت في أوكرانيا وضمت القرم بقوة السلاح. كما أن لوكاشينكو لم يعترف باستقلال جمهوريتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عن جورجيا حتى اليوم.

وقبيل الانتخابات الأخيرة قامت السلطات البيلاروسية باعتقال 33 شخصا قادمين من روسيا (من أصل 200 لم يقبض إلا على 33 منهم) اتهمهم لوكاشينكو بأنهم قدموا للقيام بعمليات إرهابية وتخريبية وأنهم من مجموعة فاغنر التابعة لطباخ الكريملين (بريغوجين). فاستنفرت موسكو وبعث الرئيس بوتين رسالة من 5 صفحات يوضح فيها الموقف ويطلب إطلاق سراح المعتقلين الروس. كما أن السطات البيلاروسية اعتقلت عدداً من الصحفيين الروس وناشطي المجتمع المدني وتعرض بعضهم للعنف والضرب من قبل أجهزة الأمن والشرطة.

ويقول محللون روس أن مهمة هؤلاء العناصر من الشركات الأمنية الروسية هو حماية نظام لوكاشينكو أما الزحف الشعبي مدعوماً من الخارج والذي قد يُسقط لوكاشينكو وعندها تصبح بيلاروسيا – أوكرانيا رقم2، لأن المعارضة ليست ودية تجاه موسكو وإنما توجهها أوروبي.

ويجدر الذكر أن بومبيو زار مينسك في شهر شباط/فبراير الماضي وقال للرئيس البيلاروسي: “لا تقلق سنساعد بيلاروسيا.. وسنوفر النفط بسعر تنافسي”، أما لوكاشينكو فوصف اللقاء مع بومبيو بأنه كان تبادلاً ودياً للآراء. وحينها أعلن لوكاشينكو “انتهت فترة البرود في العلاقات البيلاروسية الأمريكية”.

وبعد أن اشتدت الضغوطات الدولية الأوروبية والأمريكية والتي لم تعترف بالانتخابات ووصفتها بأنها ليست نزيهة وأن هناك قمع للمواطنين وتقييد حريات، فقد ارتعب لوكاشينكو حيث بدأت أكبر المصانع البيلاروسية، التي يعمل فيها عشرات الآلاف من العمال، بالإضراب ، عندها بدأ العد العكسي لحكم لوكاشينكو. حتى أن قوات الأمن ومنهم مسؤولون أمنيون سابقون صرحوا بأن العنف والقمع ضد المتظاهرين لا مبرر له وأن الدماء قد تسيل وخاصة بعد مقتل أحد المتظاهرين المدنيين السلميين. وهناك عدد من ضباط الأمن والشرطة استقالوا من العمل احتجاجاً على القمع الوحشي للمدنيين. وقد وجه لوكاشينكو اتهامات سمعناها في سوريا وليبيا وغيرها من الدول التي شهدت ثورات ضد الديكتاتورية بأن الذين خرجوا إلى الشارع هم زعران وعاطلين عن العمل ومرتزقة ومدنين ومجرمين علماً أن مئات آلاف الناس خرجوا للشارع. وهذا يذكرنا بتهم الأسد وعصابته للمحتجين السوريين حيث قال مرة أنهم يقبضون ألفي ليرة على المظاهرة وأغلبهم مدمنين وخريجين سجون!!!

وبعد إعلان النتائج كان الرئيسان الروسي والصيني أول المهنئين وانضم إليهم لاحقا بشار الأسد.

والمفارقة أن لوكاشينكو اتصل ببوتين مرتين خلال 15 و16 الشهر الحالي وأدلى بتصريحات تظهر أن بوتين وعده بالدفاع عنه ضد أي تدخل او ضغوطات خارجية، وقالها بوتين بنفسه سوف نحل كل المشاكل في بيلاروسيا وأعلن الكرملين أن الجانب الروسي أبدى في الاتصال استعداده للإسهام على نحو ملزم في تسوية المشاكل القائمة في بيلاروسا بناءً على أسس مبادئ اتفاقية إنشاء دولة الاتحاد وعند الضرورة ضمن إطار منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تضم عدداً من جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقاً. وبالنتيجة تم الاتفاق على رد الدولتين بشكل مشترك على أي تصعيد متعلق بتهديدات خارجية.

أما لوكاشينكو فصرح أنه لن يسمح بعزل روسيا واستطاع تجميع حشد من المتظاهرين لأول مرة في بيلاروسيا بعد أكثر من أسبوع من إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية واستمرار التظاهرات المناوئة له، وألقى فيهم كلمة قال: إنني مستعد أن أركع أمامكم وشكراً لدعمكم!

ولا بد أن نذكر أن الديكتاتور لوكاشينكو كانت له علاقات ودية مع نظام الأسد المجرم وسبق أن قدم له مساعدات، وتبادل الزيارات كبار المسؤولين ومنهم وزراء الخارجية في البلدين. ويُعتقد أن بيلاروسيا استقبلت افراداً من عائلة مخلوف ولديهم استثمارات ومصالح اقتصادية وتجارية فيها.

* كاتب وناشط سياسي وأكاديمي سوري مقيم في موسكو

المصدر: الحوار المتمدن