الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

طبول الحرب في البحر الأبيض المتوسط

          

سمير خراط

تحول حوض البحر الأبيض المتوسط إلى ساحة حرب بامتياز منذ فترة وبشكل خاص بعد التفجير الذي حدث في ميناء بيروت، حيث تكاثرت البوارج الحربية التي ترفع العلم التركي واليوناني والإنكليزي وبشكل خاص العلم الفرنسي الذي يرفرف على حاملة الطائرات المروحية الراسية حالياً بميناء بيروت تحت ذريعة الدعم الانساني وفرق الانقاذ والهندسة، معززة بفريق مختص في المسح بالأعماق البحرية والمتفجرات، مما يقودنا لتحليل بسيط للموقف العام وطرح التساؤلات علها توصلنا إلى رؤية صحيحة لما يحدث، هل حقيقة إن فرنسا وما تقوم به هو لأهداف إنسانية بامتياز أم أن هناك أطماع ومصالح أخرى مستترة تحت شعار الإنسانية؟ إذ يتحرك مباشرة رئيس جمهوريتها بعد الانفجار بأربعة وعشرين ساعة من ثم تتوجه وزيرة الدفاع مع حاملة طائرات،  ألم يكن يكفي وضع جسر جوي وبحري ليتم من خلاله نقل الاحتياجات مهما كان نوعها أليس خطابه ونزوله للشارع قبل رجالات السياسة اللبنانية يجعلنا نتساءل عن دوره بالساحة اللبنانية ، هل هناك تخوف على الثروة الموجودة بالمياه الإقليمية وخلط الاوراق خشية أن تضيع منهم تلك الحصة من الكاتو في حال تم وضع لبنان تحت الوصاية الدولية أو دخول دولة أخرى  للساحة فتفقدها عامل السرعة بالتحرك ؟؟، بلا شك كلنا يعرف دور فرنسا بالمنطقة وخاصة لبنان حيث امتداد العلاقة يعود إلى ما قبل معاهدة سايكس بيكو ومتأصل منذ القرون الوسطى وستعمل المستحيل للحفاظ على قدمها بتلك المنطقة التي منها يمكن الانطلاق لمناطق الجوار بكل أريحية في حال احتاج الأمر. البعض يعتقد أنه التخوف من ايران أو روسيا ولكن بالحقيقة النزاع عليها مع انكلترا الذي يعود لأيام نابليون، لذلك ما تخشاه فرنسا أن تسبقها انكلترا بخطوة يكفي حينها أن  يتحول النزاع إلى نزاع صريح وواضح وعلى مرأى من المجتمع الدولي، أما المنافس الثاني فهو التمدد التركي الواضح حيث طيارات الإغاثة التركية كانت الأولى التي حطت في مطار بيروت ثم وصول السياسيين الاتراك للساحة للتضامن مع الشعب والوقوف بجانبه وجانب حكومته مما دعا فرنسا إلى أخذ قرارات سريعة وتواجد دبلوماسي من الدرجة الأولى ودعم ذلك بتواجد وزيرة الدفاع، وكلنا يعلم أن الولايات المتحدة تدعم تركيا كقوة للوقوف ضد أي تحرك من  قبل النظام أو حزب الله بالمنطقة  وتوسع سياسي أكثر من ذلك بالداخل اللبناني وللحد من تطلعات ايران بالمنطقة عبر حزب الله كقوة عسكرية أيضا،  حيث إيران و دورها بالساحة عبر القوة الفاعلة وهي حزب الله الذي يشكل قوة عسكرية ووزنا سياسيا مهيمنا على القرارات بامتياز مما قد يدعو فرنسا لفتح قنوات تفاهمات حفاظاً على حصتها وحماية لتواجدها بالمنطقة حتى لو صار حزب الله من المغضوب عليهم دولياً فالمصالح تعلو على كل شيء،  وفي آخر المطاف نرى اليوم وصول خبراء من ال FBI  الامريكية لتشارك بالتحقيقات وتمد يد العون. أكيد سيطلق عنان التحليلات أيضا إلى هذا التصرف الأمريكي ولن يقف عند حد المواقف الانسانية التي لم يعد يؤمن بها الكثيرون لكثرتها وزخمها رغم هول الحادث ولكن كان يكفي دولة أو دولتين بمساندة من باقي الدول عبر جسور مساعدات إنسانية، ويبدوا أن حقيقة الأمور هي أبعد من مساندة شعب منكوب جراء فساد قياداته الحزبية ومؤسساته القائمة على إدارة شؤون المواطن.

أما باقي الصراعات التي هي بالحقيقة صراعات مصالح بحوض البحر على ما يمتلكه من ثروات كغاز وبترول، فاليوم تركيا تبحث عن توسع لمياهها الإقليمية بحق أو بباطل وتتنافس بذلك مع اليونان رغم أن الصراع بينهما يعود لسنوات قديمة منذ أيام الامبراطورية العثمانية، كان الصراع قديما على بعض الجزر إضافة  إلى قبرص، نضيف إلى هذا الصراع  الثروة المتواجدة بالمياه الإقليمية ورغبة توسع تلك الحدود للمياه أدخلنا بتشابك مع المياه الليبية والمصرية فخلق توترا شديد الحدة بين ليبيا مصر تركيا اليونان ولكل منهم ذرائعه وحججه ولكن هل هذه الخلافات ستقودهم لاصطدامات عسكرية بحرية؟؟ علماً أن اليونان وتركيا وفرنسا هم دول من ضمن حلف الناتو فهل يقدر حلف الناتو على حل هذه الخلافات وهل أمريكا ستترك الأمور دون الحصول على قطعة كاتو؟؟، وفي الأخير أين روسيا من كل ذلك التي تملك قاعدة بحرية بطرطوس وتعلم جيداً أن هذا الصراع قد يشكل خطرا عليها وعلى أطماعها وتواجدها بحوض البحر الذي عملت المستحيل لكي تصل إلى هذه النقطة منه بدعمها الأعمى لنظام الأسد ونتساءل ما الدور الذي ستلعبه هل سيتوقف على دعم النظام الذي بدوره سيدعم حزب الله وهل سترضى أولهم أمريكا واسرائيل؟؟ تساؤلات وتداخلات تحتاج لأكثر من دبلوماسي لحلحلتها ولعب دور الوسيط الحيادي المسالم بينهم وستكون خلالها الحياة والوضع بالبحر الذي سأسميه بحيرة الأبيض المتوسط ونقطة انطلاق لحرب لا نعرف نهايتها كون الكل يملك ما يملك من سلاح وعتاد يصل لحالة التخمة.

الأوراق مخلوطة بالمنطقة بشكل سيصعب فيه إعادة ترتيبها بالشكل الصحيح وكل يوم يظهر علينا حدثا جديدا يخرجنا من دراما ليدخلنا إلى دراما جديدة وآخرها التطبيع الذي أُعلن عنه بين الامارات و الكيان الصهيوني وإن دل هذا على شيء فهو يدل أن لا سياسة واضحة بالمنطقة سوى التوسع الاسرائيلي على حساب حقوق الشعوب العربية والتوسع ليس بالضرورة على الأرض بقدر ما هو بمسك الأوراق قادرة بموجبها اتخاذ القرارات بالمنطقة دون خوف أو ردع وكل ما يحدث لا يصب إلا بمصلحتها بامتياز ونحن غافلون عن ذلك إما عن جهل بخبايا السياسة الدولية وبهلواناتها أو الفساد الذي ينخر في حكامنا ويفقدهم الحس الوطني والقيم التي اتسمنا بها عبر الزمن .


سمير الخراط
كاتب وباحث اقتصادي سوري، مقيم في باريس