الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

خريف ساخن ينتظر روسيا

محمود الحمزة *

 

ماذا يجري في أقصى الشرق الروسي:

منذ 3 أسابيع لم تهدأ التظاهرات الشعبية في أقصى الشرق الروسي في مقاطعة خاباروفسك، وفي مدن أخرى كبيرة مثل فلاديفوستوك وكومسمولسك نا امور وبيرم وغيرها، إذ شارك في خاباروفسك وحدها ما يقارب 50 ألف متظاهر (عدد سكان خاباروفسك 700 ألف إنسان)، ويقول خبير روسي: لو كانت هذه التظاهرات في موسكو بالنسبة نفسها لوصل عدد المتظاهرين إلى 700 ألف شخص على أقل تقدير. أي إن عدد المتظاهرين كبير جدًا، لدرجة لم يسبق لها مثيل في روسيا. وقد اعتُقل عشرات الناشطين، ولكن أقل الاعتقالات كانت في خاباروفسك، وقد يعود ذلك لحذر السلطة من استفزاز المواطنين المتحمسين جدًا للمحافظ المعتقل، وقد أطلقوا شعارات “أنا ونحن – سيرغي فورغال”، علمًا أن التظاهرات غير مرخصة، ونشرت السلطات الأمنية أوراقًا كُتب عليها أن التظاهرات غير مرخصة وسوف يتعرض المتظاهرون للعقوبات الإدارية والجنائية. وكذلك نشرت أوراقًا تقول إن السلطات تنصح المواطنين بعدم التظاهر، خوفًا من فيروس كورونا. وتسربت في وسائل التواصل الاجتماعي أخبار تؤكد أن قوات الحرس الوطني تمركزت في مؤسسات الحكومة في المدينة، وكانت قد حضرت ليلًا إلى المدينة.

ويتساءل مراقبون: هل تكمن المشكلة حقًا في أن السكان انتخبوا محافظ خاباروفسك سيرغي فورغال عام 2018 وحصل على نسبة 70 %، مقابل 28 % لممثل حزب السلطة الحاكم “حزب روسيا الموحدة” فيتشيسلاف شبورت، الذي دعمه بوتين شخصيًا، وهُزم هزيمة مؤلمة أمام ممثل المعارضة الروسي فورغال (من الحزب الليبرالي الديمقراطي الذي يترأسه فلاديمير جيرونوفسكي).

– أقال الرئيس الروسي رسميًا سيرغي فورغال، وعين بدلًا منه ميخائيل ديغتيروف، في 20 يوليو، محافظًا مؤقتًا لخاباروفسك (عمره أقل من 40 سنة) من الحزب الليبرالي الديمقراطي (رئيسه جيرونوفسكي).

– قامت تظاهرات في عدد من المدن الروسية في الشرق الأقصى وفي خاباروفسك تطالب بالحرية لفورغال وترفض ديغتيروف.

أبعاد الاحتجاجات الشعبية:

يرى مراقبون أن سبب هزيمة ممثل حزب السلطة ليس استياء الناس من الفساد وسوء الإدارة والنهب الذي يمارسه المحسوبون على السلطة فحسب، بل هناك أسباب أخرى أعمق وأكبر.

– يرى خبراء روس أن المواطنين الروس بدؤوا في الفترة الأخيرة يتحدثون عن الأوضاع السياسية والاجتماعية إضافة إلى حديثهم عن مشكلاتهم الاقتصادية والمعيشية. وتزداد القناعة لدى المواطنين الروس بأن حل مشكلاتهم الاقتصادية والمعيشية يكمن في التغييرات السياسية.

– تتدهور مداخيل الناس (انخفضت فعليًا بمقدار 8%، بينما البيانات الرسمية تفيد أنها بنسبة 3.7%) وقدراتهم الشرائية، وتتوسع ظاهرة الفقر (نسبة الفقر رسميًا تصل إلى 13% في روسيا، ولكنها فعليًا قد تصل إلى 20% حسب توقعات غير رسمية) والبطالة في روسيا، وخصوصًا بعد جائحة كورونا، حيث يُقدر أن يصل عدد العاطلين عن العمل في روسيا إلى 11 مليونًا حتى نهاية هذا العام (الإحصائيات الرسمية تقول إن هناك 3 ملايين عاطل عن العمل، وهذه أكبر بثلاث مرات، مقارنة بالعام الماضي).

– تراجعت الأوضاع المالية والاقتصادية لـ 70% من الروس نتيجة جائحة كورونا. ولكن نسبة 90% من السكان (العاملين منهم والعاطلين عن العمل) قلقون من تأثير جائحة كورونا في أوضاعهم المعيشية ومداخيلهم المالية.

– تزداد في روسيا نسبة المواطنين الذين يشتكون من إجراءات السلطات حول التضييق على الحريات وانتهاك القانون (اعتقال صحفيين وناشطين، وسجنهم سنوات لأسباب غير مقنعة، فالصحفي غولونوف اتُهم بتجارة المخدرات، ثم تبيّن أن الشرطة نفسها وضعت له مخدرات في السيارة، ويقال إن مثله كثيرون يقبعون في السجن بتهم ملفقة).

–  الاحتجاجات في الشرق الروسي وفي مدن أخرى، ومن ضمنها موسكو، تشير إلى كل الظواهر المحتقنة والمتراكمة، الاقتصادية والسياسية.

– يرى خبراء روس أن هناك مطالب شعبية لتحقيق العدالة وإزالة الظلم عن الناس (لحوالي 60% من الناس، بحسب استبانة مركز ليفادا). ويُقصد بذلك سلوك المحاكم غير المنصف، وانتهاك الشرطة وأجهزة الأمن والموظفين لحقوق المواطنين وحرياتهم.

– النائب في المجلس الفيدرالي الروسي لودميلا ناروسوفا قالت إن العدالة في روسيا من أهم المواضيع.

– أما رئيس حزب “روسيا العادلة” سيرغي ميرونوف كتب مقالة في 20 آذار/ مارس 2019 بعنوان “لا يمكن التقدم للأمام من دون تحقيق العدالة”.

– هناك مستوى عال من الفساد والرشوة والنهب للمال العام. وهناك، إلى اليوم، مافيات تعمل تحت غطاءات مختلفة.

– تعاقب السلطات شابًا مستقلًا متظاهرًا بالسجن سنوات، لأسباب تافهة، مثل رمي قارورة بلاستيك فارغة باتجاه رجل الشرطة، بينما يبقى أشخاص من السلطة سنوات من دون عقاب، علمًا أنهم سرقوا مليارات الدولارات.

– وقّع حوالي 50 عضوًا من أكاديمية العلوم وكبار العلماء في روسيا على وثيقة تطالب بإيقاف الملاحقات والضغط على الناس من قبل المحاكم غير العادلة، وبخاصة بحق المتظاهرين السلميين. ووقع عريضة مشابهة في موسكو عام 2019 حوالي 200 ألف شخص.

التطورات المحلية في مقاطعة خاباروفسك:

– في أيلول/ سبتمبر 2018، دعم الرئيس بوتين ترشيح فيتشيسلاف شبورت من حزب روسيا الموحدة، لمنصب محافظ خاباروفسك، لكن سيرغي فورغال المعارض لحزب السلطة حصل على 70% من الأصوات، وفشل مرشح روسيا الموحدة شبورت بسبب حصوله على 28%. وبعدها أصبح فورغال عدوًا للسلطة المركزية. ولاحقًا جرت انتخابات لبرلمان خاباروفسك فلم يحصل حزب السلطة على أي مقعد، لأن الانتخابات جرت تحت إدارة فورغال وكانت نزيهة. وحينها بدأت الضغوط على فورغال.

– أوضح دميتري تروتنيف سبب السخط على فورغال، بأن فورغال تزداد شعبيته في خاباروفسك، بينما تتراجع شعبية الرئيس بوتين.

– قام فورغال بتغيير أغلب الموظفين التابعين للحزب الحاكم وهم فاسدون، فازدادت شعبيته.

– جاء التصويت على التعديلات الدستورية في 1 تموز/ يوليو 2020 ليزيد الطين بلة، إذ بلغت نسبة المشاركة في خاباراوفسك 44%، بينما توقعت السلطات أن النسبة لن تقل عن 70%.

– قامت السلطات باعتقال السيد ميستريكوف، وهو مساعد فورغال وشريكه في البزنس، على الرغم من مرضه وحاجته إلى العلاج، ودام اعتقاله 6 أشهر، وتعرض للتعذيب لكي يعترف ضد فورغال، ويتهمه بالمسؤولية عن جريمة قتل حدثت عام 2004-2005. وفعلًا قام ميسريكوف بالشهادة ضد فورغال.

دور الممثل الخاص للرئيس الروسي في الشرق الأقصى:

– يوري تروتنيف كان نائب رئيس الحكومة، وهو المفوض الشخصي للرئيس في الشرق الأقصى منذ 7 سنوات، وعمل 8 سنوات وزيرًا للثروات الطبيعية في روسيا، وهو عضو القيادة العليا السياسية للحزب الحاكم

– تروتنيف يعدّ العمل في خاباروفسك سيئًا، وهو مقتنع بأن الشرطة والأمن لديهم أدلة 100% ضد فورغال.

– مصادر غير رسمية تتهم ترونتيف، الذي يزور الشرق الأقصى مرة واحدة في السنة، بأنه يحصل على دخل سنوي يقدر بــ 500 مليون روبل. ولديه قصور وشقق وسيارات فخمة تقدر بملايين الدولارات، وهي ليست مسجلة باسمه أو اسم عائلته، إنما باسم روسيا الاتحادية، وأولاده يشتغلون بتجارة النفط، وهناك مافيا حقيقية يترأسها تروتنيف تدرّ عليه دخلًا يُقدر بنصف مليار روبل بالسنة.

– يتوقع خبراء أنه جمع أمواله في مرحلة التسعينيات حين سيطرت المافيات، وما زال لديه دخل شهري مرتفع.

– هناك تسريبات تزعم أن تروتنيف مهدد بالخطر من قبل أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية.

استنتاجات:

– تتأكد أكثر فأكثر ظاهرة التراجع في مستوى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية في روسيا

– تتوسع دائرة انتهاك الحريات وغياب العدالة في التعامل مع الناس، ويصنف ذلك ضمن التذمر السياسي الذي يقوى بسبب التضخم وازدياد البطالة والفقر وتراجع مداخيل الناس.

– ما جرى في خاباروفسك من اعتقال محافظ معارض للسلطة وله تأييد شعبي، وخروج عشرات الآلاف من المتظاهرين في مدينة يقيم فيها نحو مليون إنسان، هو ظاهرة مهمة، ومؤشر على احتمال اتساع دائرة الاحتجاجات الشعبية مستقبلًا.

* كاتب وناشط سياسي وأكاديمي سوري مقيم في موسكو

المصدر: مركز حرمون