الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الوحدة و ما بعدها.. (3/4)

 زيف ادعاءات البعث.. فلم تكن الوحدة هدفهم؛ بل السلطة !


لم يكن المشير «عبد الحكيم عامر» يُدرك أن 28 أيلول/سبتمبر1961 سيكون آخر يوم له في سوريا، وأن انقلاباً عسكرياً خائناً ومجرماً سيطيح به وبجمهورية الوحدة التي شارك بصنعها وبحكمها مع الرئيس جمال عبد الناصر، وتحمل الجزء الأكبر من أوزار فشلها؛ غادر دمشق في الساعة الخامسة والنصف من ذلك المساء، ولم يأخذ معه إلا ممتلكاته الشخصية، تاركاً الكثير من الأوراق والمراسلات والمستندات الرسمية، والتي عُثر لاحقاً على القليل المبعثر منها في منزله بحي المالكي وفي مكتبه في الأركان العامة بساحة الأمويين، وفي القصر الجمهوري في شارع أبو رمانة، المعروف بقصر الضيافة، والذى كان الرئيس عبد الناصر يقيم به عند زيارته سوريا، والذى أعلن من شرفته عن تأسيس الوحدة عام 1958؛ جميع تلك الأمكنة خالية تماماً هذه الأيام من أي وثيقة تاريخية تتعلق بزمن الوحدة، والقائمون عليها لا يعرفون مصير تلك الأوراق.. هل أًتلفت في عتمة الانقلابات العسكرية التي عصفت بسوريا منذ ذلك التاريخ أم انها فُقدت في مستودعات الدولة؟ أو هل تم نقلها إلى مكان آمن، ضاع عنوانه مع مرور الزمن؟..

الكثير من تلك الوثائق حُرقت أو سُرقت في الأيام الأولى للانفصال المشؤوم عام 1961، وتمّ تهريب بعضها إلى مصر مع شخصيات عسكرية سورية قررت عدم البقاء للعيش في دمشق في زمن الانفصال، مثل قائد الجيش الأول الفريق «جمال فيصل» الذى غادر سوريا على متن طائرة المشير، ووزير الرئاسة أيام الوحدة المقدم «جادو عز الدين»، الذي استقر في القاهرة منذ ذلك التاريخ، واللواء «عبد الحميد السراج»، نائب الرئيس عبد الناصر الذى انتقل إلى مصر بعد هروبه من سجن المزة العسكري واستقر فيها؛ جميع الوزراء العسكريين ذهبوا فوراً إلى مصر، المقدم «جمال الصوفي» والمقدم «طعمة العود الله» والمقدم «أحمد حنيدي» والعميد «أكرم الديري»، ومعهم العقيد «محمد الاستنبولي» رئيس شعبة المخابرات الذى رُحل ترحيلاً، ولا يُعرف تماماً ما هي الوثائق والأوراق التي أُخرجت معهم.

صدر يومها قرار رسمي من وزير الإعلام «مصطفى البارودي» بمنع عرض خطابات الرئيس المصري المصورة على شاشات التليفزيون السوري، وبنقل أشرطتها فوراً إلى المستودعات للحفظ، ليتم مسحها بعد أيام قليلة وتسجيل برامج منوعة عليها، بحجة أن الجهات المصرية قطعت عن السوريين أشرطة التسجيل في الساعات الأولى من الانفصال.. مُسحت جميع التسجيلات الصوتية المتعلقة بالوحدة من إذاعة دمشق، وشملَ الإتلاف خطابات وتسجيلات الرئيس السوري «شكري القوتلي»، صانع الوحدة مع عبد الناصر وحامل لقب المواطن  العربي الأول.. ضاع التسجيل الأصلي لوصول عبد الناصر إلى دمشق في 24شباط/فبراير 1958، والذى أظهر الحفاوة الرهيبة التي استُقبل بها «أبو خالد» في عاصمة الأمويين، ولم يبق منه إلا بعض الثواني المسجلة في المؤسسة العامة للسينما، (لكل ذلك قدمنا وصفاً شاملاً لتلك المشاهد والخطب المتعلقة بالوحدة منذ الأول من شباط/فبراير 1958 “كما أورنا أعلاه” كي نرى وندرك حجم الجريمة والحقد على الوحدة وأهلها وقادتها، ليس ممن قام بجريمة الانفصال كأداة فحسب، بل من أسيادهم الدوليين والاقليميين والطغم العربية، وكي ندرك أيضاً الدور الذي لعبه ولازال كل هذا الكم من الخونة والمأجورين منذ ذلك التاريخ حتى الآن) .. وأخيراً تم تمزيق كل الصور وتحطيم التماثيل، واختفت كل الأوراق الرسمية التي تحمل توقيع جمال عبد الناصر، من مراسيم وتعيينات ونقل ضباط وتسريح موظفين.

بعد سنوات قليلة ظهر بعضها للبيع المتفرق في محال «الأنتيكا» خلف الجامع الأموي الكبير في مدينة دمشق القديمة.. في مجلس النواب السوري، حُزمت محاضر الجلسات القديمة، ومنها الجلسة التاريخية لإقرار الوحدة، وتلك الجلسة المشتركة التي تمت بحضور أنور «السادات» عندما كان رئيساً لمجلس الأمة عام 1957.

الموضوع خطير ويستحق المتابعة، ليس فقط فيما يتعلق بالوحدة بل بكل التاريخ المشترك بين سوريا ومصر، أين هي مراسلات السوريين مع «مصطفى النحاس» باشا؟ أين هي مراسلات تأسيس جامعة الدول العربية أو جميع الأوراق والخرائط العسكرية والمراسلات السرية المتعلقة بالعمل المشترك بين الجيشين السوري والمصري خلال حرب فلسطين عام 1948؟ أين محضر لقاء «حسنى الزعيم»، صانع الانقلاب السوري الأول، مع الملك «فاروق» في نيسان/أبريل 1949؟ ماذا عن علاقة حكام سوريا بالضباط الأحرار بعد ثورة 1952؟ ماذا عن المراسلات الأمنية المتعلقة بنشاط الإخوان المسلمين في سوريا ومصر إثر محاولة اغتيال الرئيس عبد الناصر في الإسكندرية أو الكم الهائل من الوثائق المتعلقة بتأميم القناة و العدوان الثلاثي؟.. الجواب، ببساطة “أنها لم تعد موجودة في سوريا.. ضاعت أو أتلفت أو تلفت، غير مهم.. المهم أنها غير موجودة اليوم في دمشق ولا نعرف مصيرها في مصر.. معظمها قد ضاع نتيجة الإهمال والفوضى المترافقة مع الانقلابات العسكرية المتتالية في دمشق”.

فلا ريب أن قيام «الجمهورية العربية المتحدة» قد شكل منعطفاً جذرياً قومياً انعكس مباشرة في العالم العربي من المغرب الأقصى إلى الجبل الاخضر في عُمان، ومن سقوط الملكية في العراق إلى عدن المستعمرة؛ لكن الصدام البعثي مع دولة الوحدة ومع عبدالناصر حول السلطة، وحول تمسك البعث بأولوية موقعه القيادي التوجيهية فيها باعتباره الحزب الذي حسم قيامها، أدى إلى أولى التصدعات باستقالة الوزراء البعثيين من الحكومتين المركزية والاقليمية واستقالة نائب الرئيس «أكرم الحوراني» واستغل «خالد بكداش» ذلك ليطرح في كانون أول/ديسمبر 1958 نقاطه، أو بكلمة، برنامجه الانفصالي تحت شعار إعادة بناء الوحدة على أساس اتحاد فيدرالي؛ كان البعث قد حل تنظيمه السوري وتنظيمه المصري المؤلف من عدة شُعب، إلا أنه حافظ على تنظيمه القومي في الوطن العربي، ومن هنا كان لا يزال قادراً على الحركة على الصعيد القومي؛ وبمقتضى ذلك التصدع مع إعادة بناء الأجهزة الأمنية عبّر «عبدالحميد السراج» وصولاً إلى قيام الجمهورية العربية المتحدة في إطار فلسفة عبدالناصر للتنمية، وتحقيق التراكم بالتأميم الذي ضرب مصالح البورجوازية الصناعية والمالية السورية في الصميم؛ لكن حين صدرت قرارات التأميم في عام 1961، كان الصراع قد بات حاداً ومكشوفاً في الإقليم الشمالي ما بين المشير «عبدالحكيم عامر» واللواء «عبدالحميد السراج»، إلى درجة أن أكثر من طرف كان يترقب صدور انقلاب انفصالي عن جماعة «عبدالحميد السراج»؛ لم يصدر الانقلاب الاجرامي عن جماعة «عبدالحميد السراج» بل صدر بشكل سريع بعد قرارات التأميم، عن ما يسمى كتلة الضباط الشوام في الجيش، التي ظلت في الإقليم الشمالي، ولم يشملها التطهير، بحكم أنها لم تكن من فئة الضباط العقائديين الذين قررت دولة الوحدة إعادتهم الى الثكنات، أو نقلهم الى مواقع إدارية أو هامشية؛ إن الضباط الانفصاليين لم يُصرحوا فوراً بـ «الانفصال»، بل قدموا حركتهم في شكل عصيان مطلبي وتوصلوا مع «المشير» إلى صيغة أو تفاهم حول ذلك تم اعلانه في البيان رقم 8، الذي رفضه الرئيس عبدالناصر، مما أدى الى فشل المفاوضات غير الرسمية التي أدارها «هاني الهندي» عضو القيادة القومية لحركة القوميين العرب مع العقيد «عبد الكريم النحلاوي» قائد الحركة الانفصالية، لإنهاء الحركة وبينما كان الاتفاق أو التفاهم قد أبرم على إنهاء الحركة الاجرامية، كانت إذاعة دمشق تبث النشيد السوري، مما أعتبر إجهازاً على التفاهم، وتصريحاً بجريمة الانفصال؛ فانهار التفاهم.

لقد دلل ذلك أن هناك رؤوساً بين الضباط قامت أساساً بالحركة بهدف الانفصال، ولم يكن «النحلاوي» قائد الحركة في عدادهم؛ بكلامٍ آخر كان هناك على الأقل ضابطان أو أكثر قليلاً، مرتبطين بأطرافٍ إقليمية خارجية تريد من الحركة قطف رأس الجمهورية العربية المتحدة؛ ولا أدل على ذلك من أن «النحلاوي» نفسه تزعم في 28 آذار/مارس 1962- أي بعد حوالي خمسة أشهر على الانفصال – انقلاباً على انقلابه، أعلن فيه اعتقال السياسيين وحل البرلمان والعمل للعودة إلى المتحدة، وتم ذلك بالتنسيق مع القاهرة، وسبق أن أبعد «النحلاوي» ضابطين أساسيين في انقلابه من السلطة واعتقالهما بدعوى تآمرهما مع جهات خارجية للمشاركة في جريمة الانفصال، غير أن القاهرة ولا سيما سفارتها في بيروت حيث كان «محمد نسيم» رئيس غرفة العمليات الخاصة بسوريا، كانت قد دفعت «النحلاوي» لإعلان انقلابه الثاني، بقدر ما كانت تنسف حركة عسكرية ناصرية أولى بقيادة العقيد «جاسم علوان» للاستيلاء على السلطة وإعادة الوحدة، من حلب، حيث عُرفت الحركة الانقلابية التي قام بها باسم “عصيان حلب” و ذلك في 30 آذار/مارس عام 1962- بعد يومين من انقلاب «النحلاوي» الثاني والأخير – وجاءت حركة «جاسم علوان» هذه رداً على جريمة الانفصال، إذ إن العقيد «جاسم علوان» طالب عبر إذاعة حلب بإسقاط حكومة الانفصال وإعادة الوحدة مع مصر، لكن الجيش تدخل ضده وحصلت اشتباكات انتهت بالقضاء على محاولة الانقلاب وتم اعتقال العقيد «جاسم علوان» مع معاونيه؛ وبعد الإفراج عنه بفترة بسيطة لم يتوقف عن سعيه لدحر الانفصال وإعادة الوحدة، إذ عاد ليقوم بانقلاب جديد أو ما دعي بتمرد «جاسم علوان» في الثالث من نيسان/أبريل عام 1962 في حلب أيضاً، و شاركه في هذا التمرد العميد «لؤي الأتاسي»، ونجح في هذه المرة بالسيطرة على مطار النيرب العسكري شرق حلب وعلى القيادة العسكرية في حلب، ومحطة البث الإذاعي في سراقب، وبثت إذاعة حلب النشيد الوطني لـ الجمهورية العربية المتحدة الذي كان زمن الوحدة وهو نشيد الوحدة، وأعلنت الإذاعة أن مطار حلب الدولي مفتوح للطائرات المصرية، وطالب « جاسم علوان» الحكومة والرئيس بالاستقالة فوراً وإعادة الوحدة مع مصر، لكن الانقلاب سرعان ما تم سحقه من قبل الجيش مع وقوع الكثير من الضحايا؛ وأعلن بعدها الرئيس ناظم القدسي في 14 نيسان/أبريل عام 1962 عودة الجيش إلى ثكناته ووضع الميثاق الوطني، والحفاظ على المنجزات الاشتراكية وتشكيل حكومة جديدة برئاسة «بشير العظمة»، الإجراءات التي اعتبرت في حينها ترسيخاً نهائياً للانفصال الجريمة؛ وأدى الصراع ما بين الطرفين العسكريين البعثي والناصري حول هذه الحركة، وحول الأولويات السياسية في البيان الأول، ولا سيما فقرة نص البيان على عودة كافة الضباط المسرحين، إلى فشل الحركة، وسيطرة أطراف أخرى كضباط الانفصال على الوضع، وعقد مؤتمر حمص العسكري الذي تقرر فيه نفي العقيد «النحلاوي» والعقيد «مهيب الهندي» (كان رئيس أركان اللواء الذي حسم السيطرة عشية الانفصال) وعدد آخر من الضباط، فضلاً عن تسريح المئات من الضباط الوحدويين وتصفية الكثير منهم؛ غير أن النظام الانفصالي أخذ بالترنح، إذ أن السوريين لن ينقسموا بعد الانفصال على أساس الموقف من الاشتراكية أو الديمقراطية بل سينقسمون بشكل أساسي حول الموقف من الانفصال، إلى انفصاليين و وحدويين؛ ولقد كان الانفصاليون ضعيفي القوة سياسياً وشعبياً، باستثناء جناح «أكرم الحوراني» الذي كان نافذاً في مدينة حماة وريفها، في حين لم يستطع الحزب الشيوعي السوري الذي رحب بسقوط الوحدة، وانهيار الاستعمار المصري! لسوريا، حسب زعمه، أن يفعل شيئاً بحكم ضعفه الشديد يومئذ؛ لقد أمسكت المنظمات الوحدوية بزمام الهيمنة على السياسة وهي يومئذٍ حركة القوميين العرب، وحزب البعث، والحركة الوحدوية الاشتراكية والجبهة العربية المتحدة؛ كان البعث يناور معلناً معاداة الانفصال ويعد العدة لإسقاطه، وعقد في هذا السياق مؤتمر أيار/مايو 1962 في حمص الذي طرد جناح «الحوراني» نهائياً من الحزب، وتبنى شعار الوحدة المدروسة! كالتفاف على إعادة الوحدة، غير أن المنظمات الثلاث الأخرى (حركة القوميين العرب، والحركة الوحدوية الاشتراكية، والجبهة العربية المتحدة) كانت تطرح العودة الفورية إلى الجمهورية العربية المتحدة، كانت هذه المنظمات تصف نفسها بالوحدوية وهي الاسم الآخر للناصرية؛ لقد أخذت الناصرية تتشكل هنا كحركة أو تيار حقيقي هادر وفاعل في سوريا، بل تكونت تلك المنظمات وتوسعت في قارب الكفاح لعودة الوحدة، فحركة القوميين العرب مثلاً لم يتجاوز عدد أعضائها وفق «بلال الحسن» عضو قيادة الاقليم السوري يومئذ، عشية وقوع الانفصال 79 عضواً كان 60 منهم من الفلسطينيين في حين أصبحت عضويتها في مجرى مقاومة الانفصال تعد بالآلاف، وبات لها تنظيمات طلابية وعمالية نقابية قوية، وبلغ من قوة التيار الوحدوي أن جماعة الإخوان المسلمين في سورية بقيادة «عصام العطار» (وهي بالمناسبة كانت الوحيدة حينها التي رفضت ’’من القوى السياسية السورية‘‘ التوقيع على ميثاق الانفصال) وقفت بحزم ضد سياسة «خالد العظم» وحكومة الانفصال للمشاركة في جبهة سياسية تحول دون عودة الناصرية إلى سوريا.

فقد أراد البعث في سورية والعراق أن يقيم تجربته الخاصة نداً لـ عبد الناصر والتيار الثوري الوحدوي العربي، ليأتي مؤتمر “شتورا” للجامعة العربية من 22 الى 30 آب/أغسطس 1962، بناءً على طلب من حكومة الانفصال لمواجهة عبد الناصر بزعمهم  التدخل بالشؤون السورية من خلال تسمية سورية بالإقليم الشمالي، هذا المؤتمر الذي كان بعد مؤامرة الانفصال، مؤامرة جديدة من مؤامرات قوى الرجعية والعمالة العربية للتحريض ضد عبد الناصر لإسقاطه في مصر؛ كان السوريون قد حشدوا وفداً ضخماً ترأسه شكلاً وزير الخارجية «جمال الفرا» أما رئيسه الفعلي فكان «خليل الكلاس» الشخص الثاني في الحزب الاشتراكي العربي بعد «أكرم الحوراني» ثم السفير «أسعد المحاسني» ومعهم فريق كبير من خبراء وزراء الخارجية والمحامين والصحافيين، أما الوفد المصري فترأسه «أكرم الديري» الوزير السوري في حكومة الوحدة الذي بقي في مصر بعد الانفصال، ومعه زميله «جادو عز الدين» والمحرك الأساسي فيه كان «عبدالحميد غالب» سفير مصر الشهير في العاصمة اللبنانية، كما ترأس الوفد الأردني «وصفي التل» أحد ألد أعداء الناصريين في عمان ليثأر لمليكه «حسين» ابن أبيه؛ ولقد كان هذا المؤتمر لمدة تسعة أيام، وكانت تطول جلساته يومياً لساعات طويلة، ولقد كان من أغرب وأعجب وأسوء المؤتمرات في تاريخ الجامعة العربية، ويصح فيه القول: إنه كان أشبه بمجمع لغوي أثبت فرسان منابره مدى ثراء اللغة العربية وإمكانية تطويعها ونبش ما في قواميسها من عبارات تخوين وإهانات وحملات تجريح وشتائم مقززة، شوهت حقيقة الوحدة وتاريخ الأمة العربية؛ قاد الحملات على عبدالناصر وحكومته بشكل أساسي الوفد السوري يدعمه الوفد الأردني وإلى حد ما وفود العراق والسعودية وتونس، أما سائر الوفود فبقيت مستمعة أكثر منها مشاركة، واشتدت حملات التجريح ضد عبدالناصر عندما وصل إلى “شتورا” المقدم «زغلول عبدالرحمن» الملحق العسكري في السفارة المصرية في بيروت فأدلى بشهادته أمام المؤتمر كعميل للبعث، وطرح أكاذيب وتخرصات على مصر وعبد الناصر، طلب بعدها اللجوء السياسي الى دمشق، وصوله يومها الى “شتورا” من بيروت بسيارة أحد السفراء العرب في لبنان!؛ وكان لهذا الحدث وقع القنبلة في المؤتمر، وزاد أيضاً من توتر أجوائه تعرض «خليل الكلاس» بالإهانة الشخصية لـ عبدالناصر، فبادر الوفد المصري فوراً لإعلان انسحابه من المؤتمر، مهدداً بالانسحاب من الجامعة العربية ما لم يتم حذف كل عبارات التجريح ضد عبدالناصر من محاضر المؤتمر والاعتذار العلني عنها، ولاحقاً رفض الوفد المصري الاجتماع الى الوفود العربية في الأمم المتحدة ما لم يتحقق هذان الشرطان، ولم تنته هذه الأزمة بين مصر والجامعة العربية إلا بعد سقوط حكم الانفصال إثر قيام حركة 8 آذار/مارس 1963 في سورية.
إن اغراءات التجربة الخاصة، واغراءات منافسة قيادة عبد الناصر ومحاولة تجاوزه، لم تُغرِ البعث وحده، بل وأغرت حركات ثورية وتقدمية أخرى؛ وما أعطت هذه الاغراءات إلا الانقسامات، وإلا التصادمات، وأعطت بالنتيجة الهزيمة.

في أواخر عام 1964 وبداية عام 1965، وكانت حركة القوميين العرب لا تزال على تحالفها مع عبدالناصر، زار الدكتور «جورج حبش» القاهرة وأبلغ عبدالناصر أن عدداً من الشباب الفلسطيني المقيم في الكويت يُعد لتأسيس حركة فدائيين تتولى القيام بأعمال مسلحة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وذكر له: ان هذه الحركة تحظى بتشجيع المسؤولين الكويتيين؛ ومعروف أن البدايات التنظيمية لحركة فتح انطلقت من الكويت.

ففي تلك المرحلة نفسها كانت خلافات الدول العربية بعضها مع بعض تتصاعد بشكل خطير، مثلاً علاقات القاهرة كانت في أشد توترها مع كل من عمان  دمشق والرياض والرباط، وعلاقات دمشق متدهورة مع عمان والرياض، بينما العلاقات بين المغرب والجزائر وصلت الى حد الاقتتال بين قواتهما المسلحة.

هذه التطورات كانت موضع دراسة وتنبه في القاهرة، فـ عبدالناصر كان يتحسب مما يعتبره مزايدة البعثيين في سورية عليه في الموضوع الفلسطيني، ويخشى أيضاً من إقدام السوريين على عمل عسكري منفرد ضد اسرائيل، بناء لمعلومات تفيد أن عدداً من أركان الحكم السوري الجديد، ومن خلال ارتباطاته الخارجية، يدفع بهذا الاتجاه. وأقلقت القاهرة أيضاً اخبار السعي لإعلان تنظيم فلسطيني مسلح، خاصة بعد الموافقة على انشاء الكيان الفلسطيني بشكل منظمة التحرير الفلسطينية؛ فقد كانت السياسة المصرية تعارض الأعمال المسلحة المنفردة ضد اسرائيل فلسطينية أو عربية مخافة جر الجيش المصري إلى معركة يكون غير مستعد لها، وبانت هذه المعارضة قبلاً في الوقوف المصري خلال الخمسينات ضد الأعمال الفدائية الفلسطينية في غزة، واستمرت تجاه منظمة “فتح” إلى ما بعد هزيمة 1967.

الوحدة؛ بعضٌ مما لها وما عليها
:
فلقد كانت أول إنجازات الوحدة المصرية السورية في سوريا تأمين المجتمع ضد التدخلات والضغوط الأجنبية وتداعيات تفاقم نزاعات قواه السياسية والعسكرية، وبالمنعة التي حققتها الوحدة توفرت الفرصة التاريخية لحل الإشكالات الاجتماعية التي لم يمتلك الطيف الوطني السوري قدرة على حلها، إذ أصدرت الوزارة الأولى التي شكلت في 8 آذار/مارس 1958 قوانين: الإصلاح الزراعي، وأملاك الدولة، والتعاون، والتأمينات الاجتماعية؛ ولقد اضطرت حكومة الانفصال برئاسة «معروف الدواليبي» الإبقاء على مكاسب العمال والفلاحين، في دلالة توافق إنجازات عهد الوحدة مع مصالح أغلبية مواطني سوريا؛ فلقد بلغ معدل الإنفاق السنوي زمن الوحدة على المشروعات الإنشائية 178 مليون ليرة سورية ما يعادل 825 % عنه في العامين السابقين. وبإقامة وزارات: التخطيط والصناعة والشؤون البلدية والقروية والمصرف الصناعي والهيئة العامة للبترول، وتحققت إنجازات ملموسة في قطاعات الصناعة والسياحة والمشاريع البلدية والقروية والبنوك وغيرها من الأنشطة خاصة الاعلام وانشاء التلفزيون العربي بدمشق و القاهرة بوقت واحد، فضلاً عن تحقق تطور كيفي في التخطيط المركزي، والوعي الاجتماعي.

ولقد نظرت القوى الوطنية و القومية العربية للجمهورية العربية المتحدة على أنها الإقليم القاعدة المسؤول عن دعم حراكها السياسي الاجتماعي مادياً ومعنوياً، ولما انتفضت المعارضة اللبنانية متهمة الحكومة بتدبير اغتيال الصحافي «نسيب المتني» في 8 أيار/مايو 1958، وتطورت انتفاضتها لثورة عارمة، وقفت الجمهورية العربية المتحدة إلى جانب المعارضة في مواجهة الدعم الأمريكي لـ «كميل شمعون» وحكومته، حتى سقط رهان «آيزنهاور» و«دالاس» على الخلافات العربية العربية.

وبتضافر جهود البطريرك الماروني «بولس بطرس المعوشي» مع فعالية عبدالناصر، وبتجاوب اللواء «فؤاد شهاب» مع مطالب المعارضة، نجحت المصالحة اللبنانية، وبدأت القوات الأمريكية بالانسحاب، والتقى «شهاب» و عبدالناصر على حدود الإقليم الشمالي مع لبنان، حيث اتفقا على تطوير علاقات لبنان والجمهورية العربية المتحدة، وتأكيد ارتباط لبنان بعمقه الاستراتيجي العربي.

كما كان قيام الجمهورية العربية المتحدة أحد العوامل الأساسية لتفجر ثورة 14 تموز/يويو 1958 في العراق، فقد كان عبدالناصر قد أكد لـ «عبدالكريم قاسم» و«عبد السلام عارف» الاستعداد لدعم أي تحرك ثوري في العراق، كما كان له ولأركان دولة الوحدة إسهام في تأمين الثورة وتثبيتها بمجرد إذاعة البيان الأول من إذاعة بغداد. إذ أبلغ قادتها بالاستعداد لمساندتهم بكل الوسائل، فيما أعلن وهو يغادر جزيرة «بريونى» في يوغسلافيا إلى موسكو بأن العدوان على الجمهورية العراقية هو عدوان على الجمهورية العربية المتحدة، وذلك في مواجهة نزول القوات الأمريكية في لبنان يوم 15 تموز/يوليو 1958 والبريطانية في الأردن يوم  17 تموز/يوليو 1958. ولوحظ أن عبدالناصر ألقى بثقل الجمهورية العربية المتحدة وراء ثورة العراق قبل وصوله لموسكو، ما يعني أنه تصدى للمعسكر الغربي معتمداً فقط على القوى الذاتية العربية ممثلة بإمكانيات الجمهورية العربية المتحدة، وتيار حركة القومية العربية الصاعد، وشعبيته الكاسحة في العراق، إذ استقبلت بغداد انتصار ’قاسم‘ بوصفه فوزاً لـ عبد الناصر، الذي كان أكثر الزعماء شعبية عند العراقيين؛ وعبر التاريخ لم تُنجز عمليات التوحيد بالاتفاق فقط على توحيد الكيانات السياسية القائمة، وإنما بإنجاز توحيد المؤسسات والأجهزة والأنظمة و القوانين. وكان المتوقع، عربياً وعالمياً، غداة تفجر ثورة العراق تكامله مع الجمهورية العربية المتحدة . وذلك ما نشط مبعوثو بريطانيا والولايات المتحدة في بغداد لتعطيله، فضلاً عن تفجر الصراع القومي القُطري في العراق، وتفاقم حدة الخلاف مع الأحزاب الشيوعية، واستشراء الدعوات اللاقومية المعادية للوحدة . بل ووُجد بين أركان الحكم من أبناء الإقليم السوري من سعوا لتحذير قاسم والمتحلقين حوله من الوحدة مع عبدالناصر، ومن تطلعوا لاتحاد العراق مع الجمهورية المتحدة لكي يشكل مع الإقليم السوري محوراً في مواجهة مصر؛ وكل القوى السياسية والفكرية في المشرق العربي مسؤولة تاريخياً عن هذا الإخفاق القومي .

ودائماً كان إعلان الوحدة، و إشهار الدستور الوحدوي، مجرد إطار، بينما يمثل توحيد المرافق المضمون المعبر عن الوحدة أو الاتحاد، وهذا ما لم يتحقق في الجمهورية العربية المتحدة، بحيث إنها لم تكن في الواقع العملي دولة اندماجية بسيطة، وإنما اقرب لاتحاد فيدرالي بين إقليمين مصري وسوري يشتركان فقط في رئيس الدولة واسمها وعلمها . إذ لم تنجز لجان التوحيد ما كُلفت به حتى وقع الانفصال، بحيث وجد الانفصاليون دولة تمتلك مقومات الدولة، وكان الإخفاق على هذا المحور الأشد تأثيراً في حياة دولة الوحدة، ومستقبل الحركة القومية العربية . وبالتالي فإن درس التوحيد أول دروس التجربة المُجهضة.

وعلى الرغم من أهمية وحدة الفكر السياسي، ومع أن القوى التي أقامت الوحدة كانت تنتمي لحركة القومية العربية، إلا أن وجهات نظر قادتها وكوادرها لم تكن متطابقة في فهم مضامين الشعارات القومية المرفوعة، بحيث فسر الشعار الواحد بأكثر من تفسير، واعتبر كل مفسر نفسه صاحب الرؤية الأكثر توافقاً مع الموقف القومي، ما تسبب في تباين المواقف إلى حد التناقض تجاه ما يجري تنفيذه، خاصة في ما يتصل بالديمقراطية والنظام الاقتصادي، علما بأن الفكر القومي العربي كان قد اغتنى بالتجربة وأجاب من خلال الممارسة العملية عن تساؤلات كثيرة .

وكانت الجماهير قد التفت حول عبدالناصر لتحقيق شعارات الحرية والاشتراكية والوحدة، وكان بمقدور القائد أن يفعل مثل الذي فعله بمصر بعد الانفصال، بأن يفتح باب الحوار لاستقراء الواقع الموضوعي، والاسترشاد بالتجارب الإنسانية المعاصرة، وصياغة الميثاق العربي القومي، الذي يلائم المرحلة. ولو تحقق ذلك في الشهور الأولى للوحدة، لتوفر في الساحة الدليل النظري الموجه للمواقف والضابط للانحرافات، وفضلاً عن ذلك جرى التأخير غير المبرر في تشكيل الاتحاد القومي، الأمر الذي كان عاملاً أساسياً في خسارة التجربة عدداً غير يسير من نشطاء الحراك السياسي السوري وأقربهم للنهج الملتزم به الحكم، ولأمكن الحد من التداعيات الكارثية للنزاع البعثي الناصري .

وفي ظل الجمهورية العربية المتحدة ، حاصرت الأجهزة الدكتور «جمال الأتاسي»، وضيقت الخناق على صحيفته ’’الجماهير‘‘ التي كان يرأس تحريرها فكتب مقالته الشهيرة (الصمت موقف)، و كانت المرة الأولى، والأخيرة في حياته التي يكتفي فيها بالصمت، كموقف، ذلك أنها دولة الوحدة حجر أساس الحُلم، يدعوا إلى تصويب المسار وإلى مزيد من الخطوات الوحدوية، لكن الانفصال جريمة لا يقربها إلا المُجرمون، ثم ما أن وقع انفصال الإقليم الشمالي، حتى انطلق حركياً، وفكرياً، وبكل ما يملك، مناضلاً لإعادة الجمهورية العربية المتحدة.. لقد كتب في تلك الدورية التي كان يكتبها تحت عنوان (في الفكر السياسي) مع لفيف من رفاقه «الياس مرقص»،« ياسين الحافظ»، «عبد الكريم زهور»، يقول: “ إن التحرك الجماهيري الثوري الذي يمتد اليوم من الجزائر إلى بغداد، متجاوزاً الفواصل والحدود، ليوحد القوى الثورية العربية حول شعارات وأهداف واحدة، مبشراً بيوم قريب تلتقي فيه هذه القوى الثورية، في تنظيم موحد وفي مشروع مشترك للعمل والنضال، كان حصيلة معارك وتجارب لم تخل من كثير من العثرات والنكسات فمن خلال النضال الطويل الشاق.. تفتّح وعي كتل جماهيرية واسعة على وحدة مصالحها ووحدة مصائرها وأهدافها، ليتجاوز النضال الشعبي إطاره الوطني الإقليمي، ويأخذ مجراه التاريخي كحركة تحرر كلي تنشد لاستكمال الوجود القومي للأمة العربية وتستهدف التحرر الإنساني الكامل.. إن الاتجاه الثوري العربي استطاع أن يتقدم في وجه جميع أعدائه، وأن يسجل نصره الكبير في إقامة وحدة مصر وسورية، متحدياً مخططات الرجعية والاستعمار، وكان لا بد لهذا النصر ككل انتصار ثوري حقيقي من أن يتجاوز إطاره المحدد، ومن أن يعطي ثماره على صعيد الوطن العربي كله، فقامت ثورة 14 تموز 1958 في العراق، وأخذت ثورة الجزائر تقترب من النصر، وأخذت ريح الثورة تعصف في جميع أرجاء المجتمعات العربية لتزعزع عروش الرجعية وقواعد الاستعمار في كل مكان.. ” (نلاحظ هنا وفي تلك الأجواء كم كانت الأحلام تبدو قريبة)…
فأين كانت المشكلة إذاً، و من أين بدأ الانكسار..؟ يقول الدكتور «جمال»: “ لكن تلك الانتصارات الأولية لم تستطع أن تعزز بقاءها واستمرارها بشكل حاسم فالحركة الشعبية الثورية، تقدمت ولكنها لم تُجّهز على أعدائها، وبخاصة على أولئك الانتهازيين والمتآمرين الذين ظلوا يدبّون في أوصالها، والقيادات السياسية لتلك الحركة كانت في أكثرها، دون مستوى مهماتها فهي لم تستطع أن تُبلور ذلك النضج الثوري للجماهير، في حركة ثورية قائدة، أو في إيديولوجية واضحة تخط أمامها طريقاً واضحة للعمل والنضال، فتعثرت تجربة وحدة مصر وسورية في تناقضات وأخطاء كثيرة، مما أحاط مصيرها وطريقها بكثير من الشكوك.. وأخذت الحركة الثورية في الأقطار العربية تواجه أعدائها منفردة مشتتة القوى .. ”.
لكن الدكتور «جمال الأتاسي» لا يقف عند تحليل ما جرى، وإنما يبث روح المواجهة بعد ضربة الانفصال التي يصفها بأنها كانت أخطر مؤامرة استعمارية رجعية بقوله: “ اليوم وبعد أن تعزز الاتجاه العربي والاشتراكي، ثورة الجزائر، ثورة اليمن، ثورة العراق، نُدرك بعمق أن الحركة الثورية العربية، الحركة الاشتراكية الوحدوية هي الحركة الظافرة في الوطن العربي، وأنها وحدها الحركة المُنسجمة مع مجرى التاريخ؛ إن نضج الوعي الجماهيري، وإن هذا التفاعل المباشر بين القوى الثورية في الوطن العربي هو الذي استطاع أن يتجاوز نكسة الانفصال، ليحقق تلك الانتصارات الرائعة للحركة الثورية العربية؛ والوضع الرسمي الانفصالي القائم في سورية ما هو إلا ستارة واهية، تتحرك وراءها قاعدة شعبية ثورية كبيرة أصبحت تعي طريقها وأهدافها وأخذت توحد قواها واتجاهاتها في ساحة المعركة الدائرة ضد قوى الانفصال، وهي لا بد أن تفرض إرادتها في وقت قريب.. ”.
إن الدكتور «جمال الأتاسي» يعبر بهذا الموقف عن الرأي العام الذي كان يتعاظم كل يوم في تلك الأيام بأن عودة الجمهورية العربية المتحدة يمكن توقّعها في أقرب وقت.
ويضيف: “ .. لقد نُفذت مؤامرة الانفصال التي كان بعض خيوطها مكشوفاً منذ البداية، لكنها باغتت الشعب، ووقف أمامها حائراً وكأنما هو مغلول، فلم يبادر بقواه المنظمة للدفاع عن وحدة كيان الدولة التي أقامها، لتبقى ولتنمو وتتجاوز نفسها نحو وحدة أكبر وأشمل، فأخطاء الحكام وأساليب الأجهزة البوليسية والإدارية لهذا الحكم كانت قد فككت تلك القوى، فقامت تتخبط على غير هدى.. ” ثم يتابع الدكتور «جمال» فيقول: “ .. إذاً، فنحن نستطيع أن نضع بين العوامل الأساسية التي هيأت الجو لمؤامرة الانفصال، أخطاء الحكم أيام الوحدة، ولكننا نخدع أنفسنا ونخدع شعبنا، إذا نحن لم ننظر إلى ضربة الانفصال في مقوماتها الحقيقية وفي عواملها المختلفة، وإذا نحن لم نقرر بشكل صريح وواضح أنها مؤامرة تحالفت فيها القوى الرجعية، والاستعمار لتوجيه ضربة للاتجاه الوحدوي التقدمي في الوطن العربي، عن طريق الإجهاز على كيان أول دولة موحدة أقامها العرب في تاريخهم الحديث؛ إن القوى الرجعية التي أخذت تصرخ بعد الانفصال بشعارات كاذبة عن الديمقراطية، والحرية، ومحاربة الديكتاتورية، والاستبداد، هي ذاتها التي كانت أيام الوحدة تضغط على الحكم، وتُشجعه على التسلط، والاستبداد، وتُغريه بضرب القوى الشعبية التقدمية، ثم ما لبثت أن انقلبت ضد ذلك الحكم، لا لما فيه من قسر واستبداد، بل لما فيه من احتمالات اشتراكية، ولأنه أخذ يُهدد تهديداً صريحاً مصالحها الاستغلالية..”.

وإذا كان موقف القوى الرجعية من الوحدة و الانفصال مفهوماً من لدن الدكتور «جمال الأتاسي»، فإن موقف ما يسمى اليسار كان غريباً، يتساءل الدكتور «جمال» فيقول: “.. يحق لنا، هنا، أن نسأل أولئك الذين يقولون بالبنى الفوقية الملحقة بالبنيان الاقتصادي للمجتمع، الذين يقولون بالمنطق الديالكتيكي والصراع الطبقي، كيف يبررون لأنفسهم التنكر لهذا المنطق عندما يحللون تجربة الوحدة، وعملية الانفصال..؟ لقد ساروا في حملة التهويش وإثارة الانفعالات السطحية التي كانت من مآخذهم الأولى على حكم الوحدة، وهم قد أغرقوا الشعب في متاهات الدعايات والتهويش بدلاً من أن يفتحوا وعيه على طبيعة الصراع العميق القائم في المجتمع، والذين يدّعون اليسارية وتمثيل اليسار، نريد أن نسألهم أين أصبح اليسار خلال عهد الانفصال..؟ وهذه الشعارات التي يرفعها اليوم العمال والفلاحون في غالبيتهم الساحقة، أو ليست دليلاً كافياً على أن الذين يدعون تمثيل اليسار في هذا البلد قد أصبحوا هم أنفسهم من التكوينات الفوقية المعزولة عن الشعب، العاجزة عن التجاوب معه وعن أن تكون القدوة التي يقتدي بها، والوعي الذي يستنير بهديه؟ بل لقد أصبحوا فوق ذلك، أداة تضليلٍ للشعب، تحاول صرفه عن معركته الحقيقية ضد الرجعية والرأسمالية والاستعمار إلى معارك جانبية مصطنعة، وتطلب منه أن يتوحد في صف أعدائه ومستغليه، تحت شعارات مرحلية لا يرى فيها الشعب غير الاصطناع والتلفيق؛ نستطيع أن نجزم أن الانفصال لم يكن معركة كسبتها الديمقراطية ضد الديكتاتورية، ولم يكن معركة كسبتها الحرية ضد الاستبداد، كما تحاول بعض الدعايات تصويرها، بل هي معركة كسبها الانفصال ضد الوحدة.. و ظلت الحرية وعداً، يتآمر عليها الذين ينادون بها، ولكن حادث الانفصال، وما تلاه من أوضاع كان كشفاً ثميناً للشعب، لقد عرفه بشكلٍ تجريبي..، المخاطر الكبرى التي يحملها الحكم الفردي، وكل حكم لا تكون ضمانته الشعب نفسه بقواه الواعية المنظمة.. إن معركة الوحدة والانفصال هي أعمق من القضايا المباشرة التي تدور من حولها هذه المعركة .. ”. إن الدكتور «جمال الأتاسي» كان رمزاً من رموز الوحدة في الإقليم الشمالي، وكان نموذجاً لذلك الجيل العربي المتمرد الذي يُعبر عن موقفه بشجاعة ووضوح، فرغم نزوعه الاشتراكي الواضح إلا أنه لا يقبل الأمور على عواهنها.. فيقول: “ .. نحن نشهد في هذا العصر، رغم كل ذلك الميراث الضخم في التفكير الاشتراكي نظماً استبدادية وفردية بل ونظماً متخلفة، تسمي نفسها اشتراكية، أو تقول بأنها تعمل لنحوٍ من الديمقراطية.. فهل تُسخّر الاشتراكية كما سُخرت الديمقراطية من قبل لتكون أداة ديماغوجية في الدعاية والتضليل..؟! .. ”.

أهمية هذا الكلام هو أن يقوله الدكتور «جمال الأتاسي» في فترة مبكرة مع بداية عقد الستينات، ثم يقدم قراءة مبكرة للاتحاد السوفيتي فيقول: “ .. النظام السوفيتي يستند إلى نظرية تقول بأكبر مشروع عالمي لتحرير الإنسان، ظهر حتى الآن، ورغم استناده إلى حزب وطني كبير كان يقود بالفعل طبقة شعبية، وعمالية واسعة، ورغم اغتنائه من تجارب طويلة في النضال الفكري، والسياسي، والعمالي في روسيا نفسها، وفي أوروبا كلها، فهو لأنه لم يضع حرية الإنسان موضع التكوين والبناء منذ البداية بل جعلها مشروعاَ مؤجلاً، وبرر لنفسه إتباع مختلف الوسائل ليُسيطر بحكم فردي يستند إلى طبقة بيروقراطية وأسلوب استبدادي وبوليسي، وما لبث هذا الحكم أن انخرط في طريق من التطبيق الاشتراكي نسي فيه الهدف الأصلي للاشتراكية، هذا الهدف يرمي إلى خلق الشروط التي تحقق الحرية الكلية للإنسان، وكاد هذا النظام أن يشوه وجه الإنسان.. وأصبح الإنسان بذاته وسيلة، وأصبحت النظرية هي أيضاً وسيلة وأداة، وأصبح تقديس الفرد واستمرار سلطة الفرد هما القضية وهما طابع الحكم.. وقد نجد له اليوم تبريراً في أنه استطاع إنشاء دولة قوية عظيمة، ولكن هل هناك اليوم من حكم استبدادي أو استغلالي إلا ويجد لنفسه التبريرات؟ فأمام التذرع بمخاطر الغزو الاستعماري الرأسمالي يتذرع الجانب الآخر بمخاطر الغزو الشيوعي والإرهاب الشيوعي.. إن الديمقراطية (أي حكم الشعب بالشعب ومن أجل الشعب)، وأن الاشتراكية ( أي تحقق الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج والمشاركة الجماعية في الثروات والعمل ) ليستا وعوداً ومُثلاً، إن للديمقراطية، وللاشتراكية، شروطاً لا بد من أن تتحقق في كل عمل ديمقراطي، واشتراكي، وفي كل حركة ديمقراطية اشتراكية منذ بدايتها، وفي كل خطوة تخطوها.. فالاشتراكية لا يمكن أن تكون إلا ديمقراطية إذا انسجمت مع نفسها ونشأتها وأهدافها.. ”.

إن الدكتور «جمال الأتاسي» لا يكتفي بذلك وإنما ينتقل بعد ذلك للبحث في الضمانات لتحصين التجربة من الأخطاء والخطايا … وإنه لم يكُف عن المحاولة في ظل أحلك الظروف بدءاً من أربعينات القرن المنصرم؛ فقد اقترب من الكتلة الوطنية ثم كان ضمن المجموعة الأساسية التي ضمت «زكي الأرسوزي»، و«ميشيل عفلق»، و«صلاح البيطار»، وآخرين للحوار حول قيام تنظيم قومي وتطوير صيغة (عصبة العمل القومي)، ثم ساهم بتأسيس رابطة للطلاب العرب في جامعة دمشق، ثم ساهم في اللجنة التحضيرية للمؤتمر التأسيسي لحزب البعث العربي الاشتراكي، ثم عضواً في القيادة القطرية للحزب وعضواً في مكتبه السياسي حتى حل الحزب نفسه بقيام الجمهورية العربية المتحدة.. لكنه لم يعد إلى الحزب بعد الانفصال بل سعى لتشكيل تياراً وحدوياً لإعادة الوحدة واستقال من الحكومة التي تشكلت بعد 8 آذار/مارس 1963 بعد تعثر إعادة العربية المتحدة، وأسس الاتحاد الاشتراكي العربي الذي يضم كافة الفصائل الوحدوية وهكذا…

يُذكر، كما نوهنا أعلاه، أن الدكتور «جمال الأتاسي» وفي عام 1954 حدث اجتماع في بيروت ضمه إلى جانب «ميشيل عفلق» و«صلاح البيطار» و«كمال جنبلاط»، وكان اللقاء لتقييم الوضع في مصر بعد إبعاد «محمد نجيب» حيث اقترح كل من «ميشيل عفلق» و«كمال جنبلاط» إرسال برقية مشتركة باسم حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب التقدمي الاشتراكي، إلى جمال عبد الناصر آملين فيها أن ينص دستور مصر الذي يجري إعداده على الانتماء القومي العربي لمصر وعلى الالتزام بقضية الوحدة العربية.. قال الدكتور «جمال»: “ .. لكن جمال عبد الناصر كان سباقاً إلى ذلك فقد خرج الدستور وهو ينص على أن مصر جزء لا يتجزأ من الأمة العربية.. قبل أن تصل البرقية.. ”.
إن «جمال الأتاسي» لم يتردد في كشف ما يراه خطأ.. فنراه يقول: “ .. قد تكون إحدى ثغرات جيلنا والتي كنا نغفلها.. أن العقلية السائدة هي العقلية النخبوية، فهذا القصور يتمثل في التصور الصوري للمسألة: فما دمنا نمتلك الوعي ونُمسك بالحقيقة ونُخلص للقضية فإن الشعب سوف يندفع وراءنا.. ولم ندرك أن الشعب لن يفعل ذلك إلا إذا ارتبطت به الطليعة ارتباطاً عضوياً.. إن الجماهير في الوحدة والانفصال تحركت عضوياً.. بينما القيادات الوحدوية بمعزل عنها كانت أسيرة عقليتها النخبوية.. ”.
ويضيف: “ .. لقد كانت المشكلة بالنسبة لنا منذ البداية هي كيفية صياغة حركة تستوعب التفاعل بين زعامة تاريخية تستقطب الجماهير، وبين عملية تأطيرها واستيعاب وجدانها؛ إن هذه الجماهير كانت عيونُها معلقة على القاهرة ودولة عبد الناصر، وكانت هذه الدولة غير ثورية – صراعات بين الأجهزة، عقلية عسكرية تريد أن تسيطر، قوى قديمة الخ…- وكانت قيادة عبد الناصر الثورية لا يمكنها أن تكشف كل شيء أمام الجماهير إلا في حينه.. ومثلما غاب الوسيط – التنظيم الثوري – بين القائد، وشعبه في مصر.. مثلما كانت المشكلة، أفدح، هنا في سورية.. لغياب هذا الوسيط ولتواجد القيادات، هنا، وهناك التي تركب الموجة، وتدعي الانتماء لفكرة، وثورة عبد الناصر.. أتت النكسة في 1967.. ”.

يتبع.. بـ (تأطير العمل الوحدوي الناصري في سورية بتأسيس حزب الاتحاد الاشتراكي العربي)…