الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

“الياطر” وعيون البحر

أحمد مظهر سعدو

لم تكن رواية ” الياطر ” لـ (حنا مينه) سوى عملاً أدبيًا يستغرق جل وقته في يمٍ لا قرارةَ له، لكنها كانت الرواية الأدبية الأولى التي أقرأها للكاتب والروائي السوري المشهور ” حنا مينه ” حيث لم أشأ أن أكتفي بالكتابة عنه قبل القراءة له، ودون أن ألامس عملاً أدبيًا روائيًا معروفًا لهذا الكاتب وهو الرجل الذي يعرفه الإعلام أكثر مما يعرفه عامة الناس أو مُلاقحي الثقافة في سورية .
الحقيقة فإن سبب ابتعادي عن قراءته، كان قد ارتبط بحجم الشهرة التعويمية المصطنعة التي اشتغل عليها الإعلام في نظام البعث الأسدي عبر سنين طويلة، وذلك على حساب الكثير من الروائيين والأدباء السوريين أمثال ” فواز حداد ” أو “عبد الرحيم الملوحي” رحمه الله، وغيرهم الكثير من أدباء وقاصين نُجلهم ونحترمهم ونفتخر بأعمالهم الأدبية والقصصية: مثل ” ابراهيم صموئيل ” و” أسامة الحويج العمر ” وآخرين كثر . لم تكن لهم تلك الحظوة لأنهم لم يكونوا مقربين أو مدجَّنين من هذا النظام الفاجر والهادر للإنسان ولكل شيء، والآن أما وأنني قد قرأت ” الياطر ” فأود أن أقول: لا شك أنها تعتبر من الأعمال الأدبية الجيدة، لكنها ليست الأفضل، وليست في مستوى الشهرة التي واكبت صعود ” حنا مينه كروائي سوري  “.
إنها رواية شعبية لا ترتقي أبدًا إلى مصاف وأعمال “عبد الرحمن منيف”، ولا إلى أعمال “نجيب محفوظ” . بل هي عمل أقرب إلى الصنعة الدرامية المسلسلاتية، لكنها تعج بالبذاءة والمجون، بسبب أو بغير سبب، هي عمل مليء بالألفاظ النابية، ومستغرقة بإسهاب في العلاقة الجنسية والغرامية الماجنة في بعض الأحيان بين بطل الرواية ” زكريا المرسنلي ” وعشيقته ” شكيبة ” وكان بالإمكان جر الحكاية إلى ما تريده دون هذا الاستغراق التفصيلي في الجنس، وبالعملية الجنسية بين البطلين، أو لعل ذلك كان بسبب الهدف الترويجي، ليبيع في السوق أكثر على اعتبار أن بعض القراء العرب يميلون إلى مثل ذلك .
وكان من الضرورة بمكان أن يجري السرد الحكائي عن أمور كثيرة في المجتمع هي أهم من الذي طرح، ولعله – أي الكاتب – قد تجنب ذلك وهو الذي أكده على لسان بطله في الرواية حيث قال: ” لا لن أتحدث عن عريي، سأدعه سرًا، لن أقول أنني دببت كجرذ على أربع، وأن الخوف جعلني أتخلى عن ثيابي وأظل معلقًا مثل ( الشمندورة ) بين السطح والقاع، ثم أخرج من البحر عاريًا أستر عورتي بكفي ” .
لعله أيضًا: الخوف والسر والدبيب كجرذ جعله كذلك، والله أعلم .  ناهيك عن الكثير من العبارات الواردة في الرواية والتي لا تحترم المسائل “الإيمانية اللاهوتية” لدى مجمل الأديان، علاوة على أن القاتل (المرسنلي) جعله في آخر الرواية إنسانًا ودودًا محبًا صاحب قيم وأخلاق. بل وشهامة، ليعود ويثبت الرجولة، حيث لا رجولة، كما قال.
” الياطر ” عمل أدبي روائي فيه الكثير من الشغل الأدبي، وفيه الكثير من الحكاية الروائية السلسة والمشوقة، لكن فيه أيضًا الكثير من المنزلقات والأخطاء، وهو عمل روائي لا يرتقي إلى مصاف الشهرة التي وصل إليها ” حنا مينه ” في زمانه لولا ذلك الدعم الذي لقيه “مينة” من النظام القمعي الاستبدادي الشمولي  والترويج الواضح والمخطط، في تعويمه على حساب الآخرين، ليصمت على القمع والقتل والاعتقال والتهجير، الذي مورس على الشعب السوري مع انطلاقة ثورة الحرية والكرامة قبل أن يرحل (حنا مينة).

أحمد مظهر سعدو

كاتب صحافي سوري، رئيس القسم السياسي في صحيفة إشراق

 

المصدر: ديوان العرب