الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

عالم ما بعد كورونا: نحو عودة النظام الشمولي

سعدون يخلف *

الظاهرُ أن العالمَ بعد ’’كورونا‘‘ سيتجه إلى مزيدٍ من الانغلاق والشمولية، وأن ما ناضل الإنسانُ من أجله طيلة قرون خلت، من أجل حريته واستقلاليته، سيتبخر في الهواء في أيام معدودات.

إن احتفاء العالم هذه الأيام بالنموذج الصيني السلطوي، باعتباره النموذج الأفضل، الذي ينبغي أن يُحتذى به؛ مقدرة فائقة، انضباط كبير، رقابة شديدة، وتحكم فائق، كل ذلك ساهم، بشكل أو بآخر، في التحكم بسرعة في الوباء ومحاصرته، هذا الاحتفاء يثير العديد من التساؤلات المقلقة.

على الجانب الآخر، الديمقراطية الغربية في موضع الاتهام، عجز كبير، فوضى عارمة، عدم التحكم في الشعب، قوانين فضفاضة، واللامبالاة من طرف الناس، ما أدى إلى عدم التحكم في الوباء، وتفشيه بشكل كبير.

صورتان متضادتان، وكأننا في حلم، فبعد فترة قصيرة، كل شيء تغير؛ صار النموذج الصيني هو الفردوس الأرضي، والخلاص للبشرية، والترياق لأمراضها العصية، في حين غدت الديمقراطيةُ الغربيةُ أصل البلاء، وموطن الداء. ولعل السؤال الأهم الذي يطرح اليوم هو: هل يعود النظام الشمولي؟

عودةُ الشمولية:

الشمولية، باختصار شديد، هي: «تلك الممارسة السياسية الرهيبة التي تُحول الإنسانَ إلى جهازٍ، وجعّله عبداً». وبما أن المواطن هو عبارة عن جهازٍ أو عبدٍ، فإن الأولوية «تُعطى لاحتياجات الدولة أو النظام الحاكم، وتأتي مصالحُ المواطنين في مواقع أخرى من سلم الأولويات». لقد أشرت سابقاً في مقال لي، كان عنوانه على شكل استفهامٍ: «هل تعود الشمولية؟» إلى دلالات عودة الشمولية في العديد من مناطق العالم، مناطق كانت تفتخر برصيدها الديمقراطي الكبير، حيث لخصتها في النقاطِ الآتية:

– تراجع الديمقراطية، وانحسارها في العديد من بقاع العالم، فاسحةً المجال أمام عودة الديكتاتورية، وقد سبق لأفلاطون أن توصل إلى هذه النتيجة عندما أعلن أن «الديمقراطيات تُنهي أيامها بالوصول إلى حكم الطغيان».

– عجز النظام العالمي في التأسيس لنظام إنساني في العالم، وفشله في حل أزماته، بل بات يستمدُ وجوده من الأزماتِ المفتعلةِ، والكل يعلم بأن الفكر الشمولي ينمو في وسط تسوده الأزمات.

– خطاب التهديد «من لم يكن معنا فهو ضدنا»، وإشاعة الخوف من خلال آليات المراقبة والضبط (حالة الاستثناء، وقوانين الطوارئ، وانتشار الشرطة في العواصم والمدن الكبرى، بالإضافة إلى استحضار خطر «داعش» و«القاعدة» إلخ)، وشحذ السلاح وقرع طبول الحروب (حرب عالمية في الأفق).

– كما لا ننسى وجود أمثال فلاديمير بوتين في روسيا، اليمين المتطرف في أوروبا، ووصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، الذي كتب مؤخراً تغريدة مختصرة تقول: «ترامب إلى الأبد»، أي في الرئاسة إلى الأبد.

كل هذه الأمور مؤشرٌ على أن النظام الشمولي عائدٌ إلى العالم من جديد، وعائدٌ بقوة، وأن أياماً صعبة، بلا شك، تنتظر البشرية. اليوم، مع أزمة كورونا تتأكد هذه الدلالات أكثر، لاسيما بعد المدح الذي طال النموذج الصيني، وقوانينه القاسية، إذ باتت، بين ليلة وضحاها، هي سبيل الخلاص من الأزمات التي تواجه الشعوب، حتى من طرف أولئك المنظرين للإدارة الأمريكية، الذين كانوا إلى وقت قريب يعتقدون بأن النظام الصيني هو نظام ضد حركة التاريخ، وضد الإنسان، لأنه لا يحترم حريته، كتوماس فريدمان مثلا، الذي قارن مؤخراً بين نجاح الصين في التعامل مع فيروس كورونا، وإخفاق الولايات المتحدة الأمريكية، مُرجعاً ذلك، في الأساس، إلى القوانين الصارمة والانضباط الكامل في الصين، في المقابل، قوانين فضفاضة، وحرية زائدة في أمريكا.

التقارير تذهب إلى أن العالمَ على موعدٍ مع أزمة اقتصادية كبيرة، بسبب تهاوي أسعار النفط، وغلق المؤسسات الاقتصادية، ودخول الكثير من العمال في بطالة مفروضة، وتضيفُ التقارير المتشائمة إلى ذلك أن الجوع هو الفيروس المقبل، الذي سيفتك بالمزيد من المقهورين والمغلوبين في كثير من بقاع العالم.

التاريخ يكتبه المنتصرون:

وبما أن التاريخ يكتبه المنتصرون، كما يقال، فإن العالمَ، بحسب مجلة «فورين بوليسي»، «سيصبح أقل حريةً، وأقل انفتاحاً، وأكثر فقراً»، لأن المنتصر إلى حد الآن هو الصين. من جهته، يؤكد “جاك أتالي”، المفكر الفرنسي، في مقالة له بعنوان: «العالم لن يعود كما كان» ما ذهبت إليه المجلة، ويصور مستقبلا قاتماً ينتظرُ العالم، في حالة إذا ما فشل الغرب في إحراز أي انتصار على فيروس كورونا، لأن قيمه ستصبح على محك المحاكمة والمراجعة، وتكون النتيجة، في نهاية التحليل، أنظمة استبدادية متطورة متحكمة في رقاب الناس، حيث يقول: «إذا فشلت الأنظمة الغربية، لن نرى فقط قيام أنظمة المراقبة الاستبدادية التي تستخدم بشكل فعال للغاية تقنيات الذكاء الاصطناعي». الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل ستتدخل الدولة حتى في توزيع المواد الغذائية، يضيف بالقول: «ولكن أيضاً أنظمة استبدادية لتوزيع الموارد (وهذا بالمناسبة ما بدأ يحدث بالأمس في الأماكن الأقل استعداداً، والأكثر غرابة: في مانهاتن لم يسمح لأحد بشراء أكثر من عبوتي أرز)».

أما “جورجيو أغامبين” فيقارن بين محاربة الإرهاب ومحاربة الفيروس، حيث اعتمدت الدول في كليهما على استراتيجية الخوف، وتهدف الحرب الأولى إلى «إلغاء الحرية للدفاع عنها»، في حين الثانية تسعى إلى «إلغاء الحياة من أجل حمايتها»، وبين إلغاء الحرية وإلغاء الحياة تنكشف الحقيقة، وتكون النتيجة في التحليل الأخير: ظهور إنسان مدجن خائف خاضع، ومتحكم فيه. كما عبر كل من “نعوم تشومسكي” و”إدغار موران” عن مخاوفهما من انزلاق العالم إلى نظام ديكتاتوري شمولي، لأنهما عاشا مثل هذه الظروف في الثلاثينيات من القرن الماضي، أزمة اقتصادية عالمية (1929)، أعقبها مباشرة قيام أنظمة شمولية، كنظام هتلر في ألمانيا، نظام جلب المآسي والحروب إلى العالم، مفرزاً، في الوقت نفسه، ديكتاتورية شمولية مقيتة، يقول تشومسكي: «تجلى خياران، بعد الأزمة الاقتصادية إبان سنوات الثلاثينيات. تمثل الخيار الأول في الاشتراكية الديمقراطية، كما فعل روزفلت داخل الولايات المتحدة الأمريكية. بينما تمثل الخيار الثاني، في أطروحات هتلر، وندرك اليوم نتائج ذلك. بالطبع، التماثل ليس كلياً، بيد أنه تظهر جوانب مشتركة». أما موران فيؤكد ذلك بالقول: «كنتُ شاهد عيان فيما يتعلق بأزمة 1929: لقد تجسدت الخلاصة في هتلر». ويحذر من المستقبل المفزع، لأن العالم حسبه يشهد انقلاباً على الديمقراطية، ليس بسبب الوباء، كما يتبادر إلى أذهان البعض، لكنه، أي الوباء، أكد ذلك، فيقول: «يبدو المستقبل مفزعاً، يعرف العالم نزوعاً نحو الارتداد، وقد انطلق ذلك قبل حدث الوباء، أبانت عنه أزمة الديمقراطيات، وحلت محلها أنظمة سلطوية جديدة».

على ضوء ما سبق، قد تكون الدولة الاستبدادية، القائمة على الرقابة والتحكم، هي الخيار الأفضل لصناع القرار في المستقبل القريب، بما أن كل التقارير تذهب إلى أن العالمَ على موعدٍ مع أزمة اقتصادية كبيرة، بسبب تهاوي أسعار النفط، وغلق المؤسسات الاقتصادية، ودخول الكثير من العمال في بطالة مفروضة، وتضيفُ التقارير المتشائمة إلى ذلك أن الجوع هو الفيروس المقبل، الذي سيفتك بالمزيد من المقهورين والمغلوبين في كثير من بقاع العالم. بعبارة أخرى، إذا كان الرخاء والرفاهية يستدعيان دولة الحرية، فإن الدولة الاستبدادية هي الحل في أوقات الشدة والأزمات.

٭  كاتب جزائري

المصدر: القدس العربي