الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

دولة فاشلة أم وصاية دولية؟

خالد قنوت *

لم يكن مفهوم الدولة الفاشلة حديث الوجود لكنه قديم جداً وهناك دراسات وتعاريف عديدة معتمدة لدى الامم المتحدة ومراكز الدراسات السياسية الدولية بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي مع الأزمة المستمرة في الصومال, أهم تلك الدراسات كانت الأولى دراسة جيرالد هيرمان – ستيفن واتنر عن الدولة الفاشلة ونُشرت في مجلة السياسة الخارجية الامريكية عام 1993 والثانية دراسة وليام زارتمان عام 1995 عن الدولة المنهارة, أفضت إلى الوصول إلى مصطلح الدولة الفاشلة يتناول قدرة الحكومة على القيام بواجباتها السيادية على ما تملك بأكمل وجه, وأنه كلما ضعفت وتفككت وكانت على وشك الانهيار, كلما باتت الدولة أقرب إلى الفشل.

في عام 2005 حددت منظمة صندوق السلام ومجلة السياسة الخارجية خصائص رئيسية للدول الفاشلة وهي:

– فقدان سيطرة الدولة على اراضيها أو جزء منها, أو فقدان احتكار الاستخدام المشروع للقوة و السلطة داخل اراضيها.

– تآكل السلطة الشرعية, لدرجة العجز عن اتخاذ قرارات موحدة.

– عدم القدرة على توفير الخدمات العامة.

– عدم القدرة على التفاعل مع الدول الأخرى كعضو كامل العضوية في المجتمع الدولي.

ووضعت منظمة صندوق السلام مؤشرات ثلاث لتصنيف الدول الفاشلة في العالم:

أ – المؤشرات السياسية: أهمها مدى درجة شرعية ومصداقية نظام الحكم, تراجع الدولة عن تقديم الخدمات العامة, تعطيل تطبيق حكم القانون, انتشار ممارسات انتهاك حقوق الانسان, تنامي حالة ازدواجية المسؤولية الأمنية بحيث تتمتع بسلطة تضاهي سلطة الدولة, وجود حالة من عدم الاستقرار السياسي خاصة على المستوى المؤسساتي, تزايد حدة التدخل الخارجي.

ب – المؤشرات الاقتصادية: أهمها عدم انتظام معدل التنمية الاقتصادية, استمرار تدهور وضع الاقتصاد الوطني وازدياد معدلات الفساد.

ج – المؤشرات الاجتماعية: أهمها الضغوط الديموغرافية, انخفاض نصيب الفرد من الاحتياجات الاساسية, تزايد حركة اللاجئين بشكل كبير خارج الدولة, أو تهجير السكان من منطقة داخل الدولة بشكل قسري, انتشار ظاهرة هروب العقول والكفاءات.

لا يحتاج المرء لشديد عناء كي يستنتج أن مصطلح وتصنيفات ومفهوم الدولة الفاشلة تنطبق على الدولة السورية الحالية وربما الدولة الأسدية منذ نشوئها ولكن ما قامت به إدارة بشار الأسد وعائلته للأزمة منذ انتفاضة السوريين ضد استبدادهم في ربيع 2011 وفشلها الحتمي نتيجة عدم الكفاءة وتواضع الاستقلالية في اتخاذ القرارت الوطنية وبالتأكيد إلى النزعة الاستبدادية والعنجهية الموروثة في التعاطي مع الشعب السوري, أماط اللثام عن عمق الدولة الفاشلة التي اسسها حكم الأب حافظ الأسد بدماء وعذابات السوريين على مدى سنين حكمه المرعبة وكنتيجة عجز السوريون, والنخب منهم تحديداً, عن القيام باستعادة نشاطهم السياسي الوطني رغم كل التضحيات التي قدمتها الثورة الشعبية وحاضنتها مما أدى إلى ظهور العفن الاجتماعي على سطح الحراك وتصدر القوى المضادة لشعارات الثورة و قوى الابتزاز والارتزاق للمشهد العام وارتهان بعضها الكثير للقوى الاجنبية إلى جانب ما قدمه النظام الأسدي من اراضي ومصالح واستثمارات للقوى الحليفة له على حساب المصالح والسيادة الوطنية السورية, كل ذلك يعطي مؤشرات سوداوية للغاية عن مستقبل سورية كدولة وعن ترابط و انتماء السوريين للدولة التي دفع اباؤهم واجدادهم الغالي والنفيس من أجل قيامها وضمان سيادتهم ووطنيتهم.

أقتبس من موقع الامم المتحدة التقرير التالي عن نظام الوصاية الدولي:

(في سنة 1945، وبموجب الفصل الثاني عشر من الميثاق، أنشأت الأمم المتحدة نظام الوصاية الدولي للإشراف على الأقاليم المشمولة بالوصاية الموضوعة تحته بموجب اتفاقات فردية مع الدول القائمة بإدارتها.

وبموجب المادة 77 من الميثاق، يطبّق نظام الوصاية على الأقاليم الداخلة في الفئات التالية:

  • الأقاليم الموضوعة تحت انتداب نصت عليه عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى.
  • الأقاليم المقتطعة من “دول الأعداء” نتيجة للحرب العالمية الثانية.
  • الأقاليم التي تضعها تحت الوصاية بمحض اختيارها دول مسؤولة عن إدارتها.

والغرض الأساسي من النظام هو النهوض بالتقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي للأقاليم وتطورها نحو الحكم الذاتي وتقرير المصير. وقد شجع النظام أيضاً احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية والاعتراف باستقلال شعوب العالم.

وقد أنهى مجلس الأمن في سنة 1994 اتفاق الأمم المتحدة للوصاية الخاص بآخر إقليم ـ وهو إقليم جزر المحيط الهادئ (بالاو) المشمول بالوصاية، كانت تديره الولايات المتحدة ـ بعد أن اختار الحكم الذاتي في اقتراع عام أجري في سنة 1993. وقد أصبحت بالاو مستقلة في سنة 1994، وانضمت إلى الأمم المتحدة باعتبارها الدولة العضو الخامسة والثمانين بعد المائة.

وفي سنوات الأمم المتحدة الأولى، كان 11 إقليماً مشمولاً بنظام الوصاية. أما الآن، فقد أصبحت الأقاليم الأحد عشر جميعها دولاً مستقلة أو ارتبطت طواعية بدولة. وانتهى نظام الوصاية من أداء مهمته التاريخية، بعدم بقاء أية أقاليم مدرجة على جدول أعماله) انتهى الاقتباس.

بعد الحرب العالمية الأولى (1919- 1914) أقامت عصبة الامم المتحدة نظام الانتداب (سيء الصيت؟) على الأقاليم التي انتزعت من ألمانيا (بروندي, غينيا الجديدة, توغو..) و تركيا (مثل سورية الكبرى والعراق..) وينص النظام على مساعدة الأقاليم التي لم تبلغ الدرجة التي تمكنها من الاستقلال بنفسها وتقديم المساعدات الإدارية إلى أن تسمح لها بالاعتراف مؤقتاً بوجودها كدول مستقلة, طبعاً تم استغلال ذلك النظام من الدول الاستعمارية آنذاك وحاولت الحاق تلك الاقاليم بها واستخدمت الاساليب العسكرية والسياسية القسرية مع أن ذاك النظام نفسه هو من أدى لإنشاء البنية التحتية الضرورية لقيام نظام الدولة كمفهوم حديث.

في الاقليم السوري وبعد تقسيمه إلى أربع دول مستقلة ونشوء دولة سورية حددت مساحتها وحدودها وثُبتت دولياً رغماً عن أجندات القوى الاستعمارية آنذاك, استقلت سورية واستفادت من النظام الإداري والقضائي الذي فرضته فرنسا وهو ما عمل نظام الأسد الأب على تحطيمه وبناء نظام السلطة الواحدة الرعوية فأضاع على السوريين فرصة بناء دولة حديثة ومتجددة وقادرة على ممارسة السيادة وعلى الاستقلال الاقتصادي والنمو وتطوير العمل السياسي والاجتماعي حيث كانت عشية الاستقلال من اوائل الدول في معدلات النمو والقدرات الاقتصادية ودرجة وعي اجتماعي مقبولة وقابلة للتطور في ظل سيادة القانون واستقلاله.

ديمومة الدولة الفاشلة أم حل وطني لم يظهر بعد؟

من الواضح جداً, أنه و منذ قيام الثورة الشعبية السورية 2011 جهد الكثير من النخب السورية لقيام حالة سياسية وطنية تقود المرحلة بعقلانية وموضوعية لتجنب الانزلاقات الكارثية التي حدثت ولكن كان هناك تلاقي مصلحي لقوى داخلية يمثلها النظام الأسدي وبعض قوى المعارضة المعادية للحرية والديمقراطية وقيام دولة المواطنة، ولقوى أجنبية اقليمية ودولية لها مصالحها في دولة فاشلة كسورية, أطاح بكل الجهود لقيام تيار وطني سوري له قدرة العمل المستقل تموله حاضنة شعبية سورية وهذه الحالة مستمرة وإلى أجل غير مسمى مما يعطي حالة ديمومة لانهيار الدولة مترافق مع اجتزاء وتبعية الاراضي السورية وفرض حالة تغيرات ديمغرافية في كافة المناطق الواقعة تحت سلطة النظام الأسدي والتي خارج سلطته وتقع تحت سلطات الامر الواقع الإيرانية أو الروسية أو التركية أو الأمريكية, بمعنى آخر أن الحل الوطني مازال حالة افتراضية ولا يملك امكانيات الولادة والاستمرار وقد يكون لم يتشكل بحالة جنينية بعد, للأسف.

دولة فاشلة أم وصاية دولية؟

لا يمكن لأي عاقل أن يقبل باستمرار الحالة في سورية بكل أشكالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلا من كان في مصلحته ديمومتها، ولكن حتى الدول التي استثمرت بالحرب على الأراضي السورية ودعمت النظام الأسدي أو التنظيمات العسكرية المرتهنة للأيديولوجيا الإسلامية المتطرفة أو المرتهنة للدول الاجنبية تحتاج لأن تجني أرباحاً لاستثماراتها وأن تتوقف على الأقل عن دفع فواتير الحرب والمعارك التي تشارك بها للحفاظ على حدود مصالحها اليوم المهددة غداً فجميعها ترى شرعية وجودها من شرعية وجود النظام ووجود التنظيمات المتطرفة على الأرض.

بالمقابل, لا يوجد سوري وطني يرضى بغياب دولته وتناثر الوطن بين انياب القوى والمصالح الاجنبية وسط عجزه عن القيام بأي عمل وطني إنقاذي ولو كان بسيطاً فكيف بتحريره ومتابعة مشروع بناء دولته من جديد كهدف اصيل للثورة الشعبية ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟

من باب الأمل ولو أن الآمال والأحلام خارج الواقع والموضوعية ولكن قد يكون طرح هذا الأمل كمطلب من قبل السوريين وشكلاً لحل سياسي قد تحتاجه كل القوى الاقليمية والدولية المتورطة بالمستنقع السوري والتي تسعى للخروج من عنق الزجاجة, وقد يكون هذا واقع حقيقي ليس تمني, أعتقد أن اتفاق الغالبية من السوريين على الطلب من الأمم المتحدة, المستبعدة من الفعل الحقيقي منذ بداية الأزمة, بوضع سورية تحت الوصاية الدولية ضمن شروط واضحة وصارمة ومُلزمة للجميع, كما يلي:

1- إصدار قرار من مجلس الامن تحت البند السابع بوضع سورية على كامل حدودها المعترف بها دولياً تحت الوصاية الدولية.

2- تكون هذه الوصاية بقيادة دولة محايدة بمعنى أن لا تكون من أي من الدول التي تملك حق الفيتو في مجلس الأمن وليست دولة إقليمية وتكون هذه الدولة قادرة عسكرياً ومادياً وبغطاء أممي على تنفيذ مهمة الوصاية بشكل حيادي دون أن تكون لها أطماع بالبقاء بسورية أو إحداث تغيرات في التركيبة الديمغرافية لها, كدولة مثل دولة كندا أو ألمانيا أو اليابان وتشاركها دول محايدة من العالم لا تتقاطع مصالحها والمصالح الوطنية السورية بالمطلق.

3- أن تكون مهمة ومدة الوصاية واضحة وضمن استراتيجية تقوم على مساعدة السوريين في إعادة بناء بلدهم ودعمها اقتصادياً وإدارياً وارساء أسس دولة المواطنة واحترام حقوق الانسان وتقديم المشورة في كتابة دستور وتشكيل مؤسسات الدولة الحديثة الحيادية تجاه كل القوى السياسية وأهمها مؤسسة الجيش والقوات المسلحة.

4- اعتبار كل القوى العسكرية المحلية غير شرعية والتفاوض معها لتسليم سلاحها لدولة الوصاية أو الانضمام إلى مؤسسة الجيش والقوات المسلحة الوطنية ضمن برنامج إعادة تأهيل وطني وأخلاقي وإنساني لتلك المؤسسة كأي جيش وطني في دولة تحترم مواطنيها وقوانينها الوطنية.

5- اعتبار القوات الاجنبية المتواجدة على الاراضي السورية قوات غير شرعية وعلى دولة الوصاية مهمة التنسيق مع الدول كافة لخروج قواتها المسلحة من سورية بجداول زمنية ملزمة وقطعية.

6- الحفاظ على كامل الحدود السورية دون أي اجتزاء ومساعدة السوريين في تقديم صيغ لمفهوم الهوية الوطنية والانتماء للدولة السورية الجديدة كأي دولة تعيش فيها مجموعات بشرية ذات تنوع اثني وديني وطائفي وفكري تحت سقف القانون وفي جو ديمقراطي حقيقي.

7- المساهمة القوية في بناء قضاء وطني عادل ومستقل يقوم بمهمة محاكمة ومحاسبة كل من شارك بجرائم في سورية خلال حقبة الأسدية أو على الأقل خلال فترة الصراع منذ ربيع 2011 دون تمييز أو انتقام أو محسوبيات.

8- الحفاظ على الخصوصية الوطنية السورية وعلى علاقات سورية مع جوارها الاقليمي والدولي والمساعدة على بناء علاقات ثقة وتعاون سياسي واقتصادي واجتماعي مع الجميع بما يؤمن مصالح سورية وشعبها.

9- المساهمة الفاعلة في القضاء على بؤر الارهاب والفكر المتطرف بكل اشكاله ونشر ثقافة التنوع وقبول الآخر والمواطنة بغض النظر عن أي اختلاف اثني أو ديني أو طائفي أو جنسي أو فكري.

10- يحق لدول الوصاية الاستثمار بإعادة إعمار سورية على أسس حديثة ومتطورة شريطة أن تكون الكوادر العلمية والادارية والايدي العاملة بمعظمها من القدرات الوطنية ضمن برامج اعادة السوريين لأراضيهم ومدنهم وقراهم واستعادة المهجرين السوريين إلى سورية باختيارهم الحر.

11- المساهمة في انشاء منظومة تعليمية وطنية حديثة تعمل على بناء العقل السوري الحر المبدع والخلاق وترسيخ اسس العمل الجماعي والانفتاح على العالم وثقافاته.

12- العمل على استقطاب رؤوس الاموال السورية أولاً والعربية والدولية ثانياً لبناء اقتصاد وطني حر ومتطور.

لقد استطاع نظام الأسد أن يفي بما وعد السوريين وأعادهم إلى حقب بعيدة من الزمن عندما انتفضوا عليه في 2011 وساعدته فعلياً القوى اللا وطنية والاسلامية المتطرفة وغير المتطرفة وكذلك عجز وتقاعس القوى اليسارية وكيديتها, مما أدى إلى رمي السوريين إلى أبعد من حقبة الاستعمار العثماني ونتائجه الكارثة.

إن السوريين, وحتى المستقبل المنظور, عاجزون عن إيجاد الحلول للخلاص من كارثتهم الوطنية في ظل وجود كل هذا القهر وتداخل المصالح الدولية وضياع دولتهم التي سرقت منهم منذ 1971 وتحولت لدولة فاشلة اليوم بكل المعايير الدولية, هم اليوم بأمس الحاجة للمطالبة بتدخل أممي ولوضع سورية تحت الوصاية الدولية المقوننة وبقوات عسكرية أممية لفترة زمنية مدروسة حتى يستطيع السوريون من استعادة دولتهم ووطنهم وأهلهم المنتشرين في اصقاع الأرض وبناء هويتهم الوطنية الصحيحة.

* كاتب ليبرالي سوري معارض لنظام الأسد يعيش في كندا

المصدر: الحوار المتمدن