الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

ثروتي الاستغناء

                    

أحمد مظهر سعدو

مقولة للمفكر الراحل الدكتور نصر حامد أبو زيد.. حيث قال: ” أنا متصوف، ثروتي الاستغناء” وهو لا يشير هنا إلى تصوف عرفاني بالمعنى المعروف عند (محيي الدين بن عربي) أو لدى (رابعة العدوية) لكنه يقصد المعنى الحياتي للمسألة، من حيث أنه كلما استغنى عن الشيء اغتنى أكثر، فهو يقلل باستمرار من احتياجاته، فتقل بالضرورة قدرة الآخرين على التحكم فيه، وفي حيواته، وبمصائره، التي هي جزء من مجتمعه برمته. من هنا فقد كان مفهوم التصوف لديه نهج حياة، ومسيرة، وسيرورة مجتمع، آفل مع ناسه لا محالة، كما هي آفلة تلك الآليات المتحكمة فيه بالنهاية. وهذه الفلسفة للحياة نجدها اليوم آنية ومنطقية، ومتساوقة مع الفكر المستقبلي، ليس لدي كفرد، بل لدى المجتمع، ومنه بالضرورة الأسرة وتوضعاتها المتلاحقة دوماً.
نعم ثروتي الاستغناء، وهي ثروة لا تعادلها ثروة، فهي طاردة مانعة، لكل أنواع التحكم، والاستفراد، والتغول، والاستبداد، الاستنساخ، والاستحقار، والامحاء، وما شابه ذلك من مصطلحات عصرية، باتت كابوساً على رؤوس العباد، والبلاد، في وطننا العربي الكبير، مضاد حيوي لكل الفيروسات، والجراثيم، التي تفتك عادة في الجسم البشري، والمجتمعي معه، عندما تجد التربة الصالحة لحظة الحاجة، وعدم الاستغناء. هذا المضاد الحيوي الموجود أصلاً لدى الإنسان، يمكن للمرء أن يستخدمه ساعة يشاء، مما يمنع عنه تلك التحكميات، والاستفراد، من هنا وهناك، وبين هذا وذاك، ولحظة من هذه، وهنيهة من تلك.
أن تستغني يعني أن تعف، وبهذا التعفف، تصبح غنياً بإرادتك، وغنياً باستغنائك، وغنياً بقناعاتك، وهذا الغنى يجعل من المرء إنسانًا صلداً جلداً، لا تهزه الأعاصير، لا من المحيط الهادي، ولا من الأطلسي، ولا من شرق المتوسط أيضًا، حسب الراحل عبد الرحمن منيف .
ويبدو أننا اليوم أحوج ما نكون، إلى سياسة وخاصية الاستغناء، وقناعة وفكر الاستغناء بينما نجد الواقع الدموي والهادر لكل شيء يلفنا جميعًا في سورية الغارقة في عنفها الأسدي الطائفي الايراني، لتكون الثروة أكبر والضرورة أكثر، والحقيقة فإن الإنسان، يستطيع بما وهبه الله “جل في علاه” من خاصية الإرادة أن يعف ويستغني، فيكبر ويكبر، بينما يصغر الآخرين، ممن يحاولون ربطه بحاجاته البشرية، من منطلق الإلغاء، وعدم الاستغناء . فلنحاول أن نكون كما “نصر حامد أبو زيد” ممن يجعلون ثروتهم الاستغناء، لأن حريتهم في هذا الاستغناء، وحرية الوطن السوري اليوم ورجالات وأهل السياسة فيه، هي الاستغناء وليس الركض وراء المكاسب والمغانم الشكلانية الأنوية، التي تشوه القيم وتودي بالبشر إلى حافة الهاوية وأحيانًا إلى القعر الملطخ بكل ما هو فاسد ومفسد.

أحمد مظهر سعدو

كاتب صحافي سوري، رئيس القسم السياسي في صحيفة إشراق

 

المصدر: دنيا الرأي