الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

العالم يقع في حب لبنان .. بعد ماذا؟

     

محمود الريماوي *

إذ تناقلت الأنباء أن صوت انفجار مرفأ بيروت قد سُمع في قبرص، فإن أصداء الحدث الجلل قد تردّدت بقوة وعنف في حواضر وبقاع عربية قريبة وبعيدة منذ مساء الثلاثاء الماضي، وامتدت الأصداء لتشمل أرجاء واسعة من العالم، واستحوذ الحدث على جل الاهتمامات والشواغل الدولية. وقد تبدى لبنان، هذا البلد الصغير، أنه ما زال متمتعاً بالحظوة والإعجاب به، على الرغم مما أصابه من تراجع على مختلف الصعد، وعلى الرغم من التحفظات المعلنة من هنا وهناك على أوضاعه ومساره. على أن هذا التقدير الباقي لا يعوّض بذاته الضحايا بشيء. فيما إعادة إعمار ما هدمه الانفجار، وما قبله من إخفاقات مريعة، تتطلّب مشروعاً إنقاذياً عربياً وأممياً، يبدو بعيد المنال في حال استمرّت المكابرة بعدم التكيف الإيجابي مع متطلبات هذا الإنقاذ، مثل توفير بيئة سياسية وقانونية ذات مؤسسات موثوقة تخضع للمساءلة، والنأي بالنفس عن الصراعات العربية البينية.

وكما هو حال اللبنانيين المفجوعين، فقد بدت هذه الكارثة، في أنظار كثيرين، بأنها، بصورة ما، كانت “متوقعة”، وإن ليس بهذا الحجم المروّع، وإنها نتيجة لم تكن مُستبعدة لجُملة أخطاء وخطايا تراكمت وتراكبت في الإقليم، لا في بلد الأرز وحده، ومنها تلك التحولات في المفاهيم والممارسات التي سلبت الحياة البشرية كل قيمة أو حرمة، وتحول البشر معها إلى مجرّد أرقام. وحتى على هذا المستوى، فقد أخذ بعضهم يضيق بتزايد الأرقام وتضخمها.. ومنها اضطرب ميزان العدالة اضطراباً شديداً، إلى درجةٍ لم يعد معها هذا الميزان يعمل. واستطالة التدخلات الخارجية تحت مختلف الرايات والذرائع، وإلى درجة يُراد معها لهذا البلد، وهو لبنان، أن يرتضي تدخلاً خارجياً مُعلناً في مساره وفي مصيره، وأن تُطلق فيه يد بعض اللبنانيين للتدخل المكشوف في شؤون دول ومجتمعات أخرى. وقد تفشّى خلال ذلك الفساد، ومعه الاستبداد. وبهذا فقد اختزل الحدث المروّع توقعات وهواجس سوداء حول المآل الانحداري الذي تشهده “المنطقة”، والتي لا تنفكّ تتعرّض لانفجاراتٍ في سورية وليبيا والعراق واليمن، وهزّات اقتصادية واجتماعية عنيفة في دول أخرى، من دون أن تبدو في الأفق نهاية لهذه الاختلالات.

هذا فيما أصاب انفجار مرفأ بيروت عصباً حسّاساً لدى ساكني عاصمة الأرز، إذا بدا الناس هناك، في مرايا ذواتهم، وتحت ضغط الرعب والذهول، عرضةً لأشنع المخاطر وأفدحها، فقد تعرّضوا لهزة عنيفة بقوة زلزال متوسط، من دون أن تكون للطبيعة يد فيه، وتعرّضوا، في مقاربةٍ أخرى، إلى تأثير قنبلة نووية صغيرة، من دون أن تتحدد ملامح الطرف المسؤول عن هذا التفجير المروّع. وأريد لهم، في تلك الأثناء، أن يتعاملوا مع هذه الكارثة غير المسبوقة كما لو أنها ضربة عمياء لقدر أسود. وأسوأ ما في الأمر الشعور بأن الناس قد خضعوا في هذه الكارثة لامتحانٍ تعجيزي فوق طاقة البشر على التحمّل. وقد تردّدت كلمات الشؤم والنحس على ألسنة سياسيين. بينما قال آخرون إنه يراد قتل لبنان، وإن هذا البلد بات بحكم القتيل. ولم يتوان نفر آخر عن التصريح بنهاية هذا البلد، أو قرب تحوله إلى نموذج صومالي، تحت ضغط الانفجار الأضخم وما سبقته من أزمات طاحنة، جاء تفشي وباء كورونا ليضيف عليها مزيداً من المأساوية والاستعصاء معاً.

ولا يرغب المرء في استباق نتائج التحقيقات، غير أن واقع الحال يفيد بأن مرفأ بيروت الذي كان في الماضي نافذة تجارية حيوية على العالم (وصف الأخوان رحباني بيروت في أغنية فيروز مينا الحبايب، بأنها “نجمة بحرية تتمرجح عالميي”)، قد تحول إلى موضع للتسابق والتنافس على النفوذ بين المليشيات والأحزاب، فضلاً عن البيروقراطية والمحاصصة الطائفية، من غير أن تفرض الدولة كامل سيطرتها على هذا المرفق الحيوي، وإن هذه الاعتبارات قد تنعكس (ويأمل المرء أن لا تنعكس) على مجريات التحقيق ومخرجاته. وهو ما يورده الباحث ’’فيصل عيتاني‘‘ الذي سبق أن عمل في المرفأ: “المرافئ هي ملكيات حقيقية للفصائل السياسية ومنظمات الجريمة والمليشيات، فهناك عدد من الأجهزة الأمنية المرتبطة بولاءات سياسية متعددة تدير قطاعات من عملياتها” (“القدس العربي” عن مقال لـ’عيتاني‘ في “نيويورك تايمز”).

ولأن العرب في جملتهم، من مواطنين (ومسؤولين سابقين!)، يتعلقون بلبنان، وبيروت بالذات، من زوايا مختلفة، وبرؤى متباينة، فقد شعروا أمام هذه الكارثة بأنهم أمام خطر ماحق بأن يفقدوا المدينة العربية المحبوبة، ويفقدوا معها المثال والنموذج، ويخسروا تالياً حلم أن تحمل عواصمهم وحواضرهم بعضاً من إشراق بيروت وجاذبيتها.. تلك العواصم والحواضر التي تريّفت منذ عقود، وبدت خليطاً غير متجانس من مظاهر الماضي والحاضر. هذا على الرغم من إدراك أن بيروت ذاتها قد تغيرت في العقود الثلاثة الماضية، وأن قوةً ما تجتهد وتغالب، بصورة محمومة، لنزع مدنيّتها وتعدّديتها، وقد أصابت في ذلك نجاحاً غير هين عبر السطوة والتلاعب بالمواثيق السارية والهندسة الاجتماعية، وإنشاء اقتصاد موازٍ ومن غير التعفف عن الاستفادة من الاقتصاد “الأصلي”. فيما تنهش الطبقة السياسية مقدّرات هذا البلد، وترفض أن تتزحزح، أو تعيد النظر في النظام المنتج للأزمات المتعاقبة. وكما دلّ على ذلك التعامل مع انتفاضة 17 أكتوبر، حيث سارعت قوى الأمر الواقع إلى قمعها وزجرها عن المطالبة بتجاوز الطائفية، وهو حال انتفاضات عربية أخرى، من بينها في العراق.

كان حجم التضامن مع لبنان واللبنانيين، وانجذاب العالم إلى هذا البلد، هو “أفضل” ما حدث خلال الأيام الماضية. ولكن هل يتعين على اللبنانيين أن يدفعوا هذا الثمن الفادح والمهول، كي يجتذبوا إليهم محبة الآخرين؟ وبعيداً عن التـلاوم، من الراجح الآن أن التعامل الرسمي مع هذه الكارثة، وضمن الأمد القريب في الشهور القليلة المقبلة، سوف يحدّد إلى أين يتجه هذا البلد، ومدى حظوظه في الصمود أمام محاولات نخره من الداخل، وسلبه عوامل الصمود الاقتصادي والاجتماعي، وإفقار سواد اللبنانيين إلى درجةٍ لا يعودون فيها منشغلين سوى بتأمين لقمة العيش. علماً أن التعامل مع مسببات الكارثة لا بد أن يتسع ليشمل المعيقات البنيوية التي تمنع نهوض هذا البلد، وتحول، على سبيل المثال، دون إجراء انتخابات نيابية مبكرة، من أجل الخروج بمجلس أكثر تمثيلاً، بعد أن اكتشف اللبنانيون ما يجمعهم ويوحدهم، وها هي كارثة مرفأ بيروت تعيد تذكيرهم بالمشتركات، ومنها أنهم عرضةٌ لمخاطر جسيمة، إذا بقيت دولتهم عصيةً على التطور، وائتلافاً لأمراء الطوائف، وإذا ظلت العدالة الاجتماعية والسياسية مرهونة بمصالح وحسابات فئوية للطاقم الحاكم والمتحكّم.

* كاتب صحفي وأديب أردني/ فلسطيني

المصدر: العربي الجديد