الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

 الأمن لا يحمي الوطن والغريب لا يحرره

             

أحمد مظهر سعدو

بعد إفلاس النظام السوري كلياً في الداخل ثم الخارج، وخاصة فيما كان يطلق عليه قسراً ” الديمقراطية الشعبية ” وكل الشعارات البراقة، والفارغة، التي كان يحملها، وما كان يتقول به، أو يتغول بعد كل ذلك، وما تلاه اليوم من قتل وتدمير، قتل للإنسان السوري، وتدمير للبنية التحتية، لم يعد لديه ما يقوله على الإطلاق في ( السيادة والاستقلال والقرار الوطني أو القومي).
فالأمن في سورية لم يحم المواطن، ولا الوطن، بل يستميت في حماية النظام، وسلطانه، وسلطاته، وهو – أي هذا الأمن وأجهزته – كان يقدم للدول الخارجية، ما تطلب وما لا تطلب، ونعرف حجم التنسيق الأمني الذي كان موجوداً، بين الأمن السوري والنظام السوري من جهة والأميركان من جهة أخرى، خاصة في ملف ما كان يسمى بـ”الارهاب” حيث قدمت الحكومة السورية للإدارة الأميركية، ملفات ما يزيد عن أربعين ألفاً من عناصر ومتحزبي “الاخوان المسلمين” ، وهو ما اعتبر تنسيقاً ضد الارهاب في حينه؟! .
والجميع طبعاً يعرف حجم التنسيق- بالضرورة – بين الادارة الأميركية، والكيان الصهيوني، في هذا المجال، وفي مجالات أخرى. اذاً فالأمن لم يحم الوطن، وكثرة أجهزة الأمن زادت الطين بلة، كما زادت في قهر الناس، واستمرت بالهيمنة والتسلط على مقدرات البشر، وحجبت الرؤيا الصائبة عن الحاكم والمحكوم، ومن ثم فعلت فعلها في حماية السلطات ونهب الموارد، وهي الآن تمارس أبشع أنواع القهر والنهب والتدمير، فهي لم تحم الوطن ولن تحميه، لأن جل شغلها كان هذا المواطن، لتكميم فيه، وكبت أنفاسه، ناهيك عما يجري اليوم من حالات، لم يعد بالمقدور توصيفها، لفداحة ما تقوم به، ولبشاعة ما توّقعه ضد حق الانسان في الحياة، وحق الانسان في المعتقد، وحق الانسان في الغذاء، بل والتنفس وأخذ حاجاته من الأوكسجين إن شئت، وإذا كان هذا حال الأمن فما حال الغريب، أو التدخل الخارجي الأميركي والروسي والإيراني، أو سواهم، فقد أصبحت الأمور واضحة وضوح الشمس، من كون هذا الأميركي لن يأتي ليحرر الوطن السوري، أو المواطن السوري، ولا غير السوري، فالأميركان وحسب استراتيجياتهم الدائمة في منطقتنا العربية، تتركز مساراتهم حول مصالحهم ومصالح ربيبتهم اسرائيل، وليس غيرها، ومصلحة اسرائيل اليوم ليست في إسقاط النظام، بل في تدمير البلد، تدمير كل البنية التحتية للوطن، وتدمير بنية الجيش السوري الذي من المفترض أن الشعب السوري قد بناه بدمه وعرقه وروحه، من أجل المعركة الكبرى مع اسرائيل، ومن أجل تحرير الجولان المحتل، وإعادة فلسطين المغتصبة إلى حضن أمتها العربية، لكن ما يجري الآن يفرح قلب اسرائيل، وقلب أميركا، فالجيش غارق في دماره، وانفلاته من كل عقال، كما هو غارق في إراقة دم الشعب السوري، شعبه الذي حماه واحتضنه، وهو منه وإليه، وهو يرتد إلى حالات من الحروب، هي ليست مهمته بالتأكيد، فلا تدمير المدن فوق رؤوس أهليها، كانت من مهامه، ولن تكون من مهام أي جيش وطني، ولا تدمير المصانع ، ولا خراب التاريخ والتراث، ولا نهب المواطن والوطن من مهام الجندي السوري، الذي نتمناه مدافعاً عن حدود الوطن، ضد اسرائيل العدوة الأولى، والنهائية للشعب السوري، فقد تحول مسار الجيش العربي السوري- حامي الديار – الى طريق آخر، طريق الهلاك واستعداء الشعب، وخلق بنية نفسية كارهة لشكل الجندي السوري القاهر له، وهو ما تريده اسرائيل وأميركا بالتأكيد .
الغريب اذاً لا يحرر الأوطان، ولن يحررها، بل يدمرها، كما يفعل الأميركي الآن، وكما يفعل من يستمر في قتل وتدمير الشعب السوري الأعزل .
وتجربتنا مع الغريب الأميركي في العراق، ماثلة وواضحة، وليست بعيدة عنا تاريخياً ولا جغرافياً.. وهي نفسها في أماكن أخرى من العالم. وشعبنا السوري أدرك ذلك عبر سنين من القهر واستجداء التدخل الخارجي، الذي مازال البعض يعلق حراكه على مشجب الروس، وهم ليسوا أقل من الغرب قهراً للشعب السوري، حيث ترك الشعب السوري يلاقي مصيره بنفسه، وبتدخل خارجي لا يحرره، بل يتركه عرضة للقتل، واستمرار القتل والتدمير، واستمرار الهلاك، بل كل أنواع الهلاك .
إنها الاستراتيجية الأميركية التي تريدها الإدارة الأميركية للمنطقة، وسورية منها، حيث ” لم تعد الإدارة الأميركية تجد دعماً لها الا عند من يقبل دور القاصر، في عالم قامت نهضته على إلغاء مفهوم القاصر”  .
وهذا يذكرنا بالسؤال الكبير الذي طرحته يوماً السيدة ( دانييل ميتيران ) على الأكراد في العراق عندما سألتهم قائلة : ” أصدقائي، هل يمكنكم أن تشرحوا لي المعنى الذي تعطيه القوة العظمى الأميركية للشراكة معكم ؟ ”
نعم هي شراكة القاصر مع ولي الأمر في أحسن الحالات، حيث يستمر الأميركان في سياساتهم تجاه المنطقة دون إيلاء أي اهتمام للشعب السوري ، وهو ما أصبح مفهوماً لكل المعارضة السورية، حتى من كان منها أكثر من سواه قرباً للأميركان، أو حباً وتحبيذاً، لتدخلهم العسكري في شؤونه.
الدعم الأميركي يمكن أن يكون على أساس القاصر وولي الأمر، وليس على أساس تحرير الشعب السوري من هيمنة نظامه عليه ، وقتل نظامه لأطفاله وشيوخه ونسائه، وكل حياة في سورية .
وليس طلب النظام السوري تدخل ايران وروسيا اليوم، أقل سوءًا من دعم الأميركان أو تدخلهم، ” فالدولة التي تسعى إلى طلب دعم دولة أجنبية ضد رعاياها، تكون قد تخلت عن واجبها، لأنها وبدلاً من أن تدافع عن الأمة ضد الأجانب فهي تقبل بأن يخرق الأجانب استقلالها، وهي بذلك تتجاوز حقها، إذ لم تعد تتصرف أبداً كممثل لمواطنيها  .”
وهو ما يفعله النظام السوري هذه الأيام، في إطار تبعية التدخل الايراني والروسي، ليصبح وزير خارجية ايران أو روسيا كأنهما الناطقين الرسميين للخارجية السورية.

إن ما يقوم به النظام السوري في هذا المضمار، يشكل ابتعاداً ونفياً لمفهوم السيادة الذي أطنب آذاننا بها صبح مساء، وبعيدًا عن أدنى مستويات القيم الأخلاقية و( مبادئ أبي بكر في الحروب ) حيث يمارس ضد المواطن السوري نوعًا من الهمجية طاول في ماهيتها
النازية والفاشية في نهجهما ضد الشعوب الأخرى أو ضد شعوبهم.

أحمد مظهر سعدو

كاتب صحافي سوري، رئيس القسم السياسي في صحيفة إشراق