الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الطريق السوري الى الوحدة (4/4) – الدكتور جمال الأتاسي

ما بعد الناصرية:

حقبة للنهوض والتقدم كانت، وبكل المعايير الإنسانية، تلك الحقبة التي عاشتها الأمة العربية في عهد عبد الناصر، وبقيادة عبد الناصر . وأياً ما كانت المصاعب التي اعترضت سبيل حركة القومية العربية في تلك الحقبة، أو العثرات التي تعثرت فيها حركة الثورة، فلقد ظلت حقبة نهوض، وحركة نهوض بشعوب الأمة على طريق أهدافها . ومن بعدها كان التراجع ومازال.

وإذا لم تكن قضية وحدة الأمة العربية وقدرة شعوب الأمة على النهوض بها كأمة موحدة في مواجهة أعدائها ومواجهة التحديات، إذا لم تكن المعيار الوحيد للتقدم والنهوض أو الانتكاس والتقهقر، فإنها تبقى معياراً أساسياً وقاطعاً بالنسبة لكل الذين مازالوا يقولون بمشروع قومي للنهوض بالأمة من جديد أو بمشروع نهضوي عربي…

فنحن نعيش ومنذ منتصف السبعينات، وبمعيار الوحدة والتوحد هذا وبغيره، حركة تراجع وارتداد عن أهداف حركة القومية العربية والنضال العربي، لا تغطي عليها أو تخدع، تلك الأنماط المصطنعة من التحديث والازدهار، لبعض الأقطار والأنظمة القطرية العربية وبما أعطاه لها النفط والثروات النفطية.

ولقد تعمم التراجع، تراجع الأنظمة والحكومات العربية عن التزامها القومي، وإذا ما بقيت بعض الأنظمة على الالتزام المعلن، ترفع شعارات التحرر والتقدم والوحدة، فإنها في مجموعها أخذت تنكفئ على قطريتها ومصالحها القطرية واستمرار سلطويتها، لتتكرس التجزئة أكثر من أي وقت مضى . وليتضح أن التجزئة ليست فقط تلك الحدود التي فرضها الاستعمار ورسمتها قوى الهيمنة الأجنبية، بل وهي متأتية أيضاً من عوامل تأخر الاندماج القومي لمجتمعاتنا، وتتكرس بتنامي النزعات والمصالح الفئوية، وسيادة الروابط والعصبيات والإيديولوجيات المتعارضة مع الوحدة القومية .

هناك من يصرون على الوقوف بالأمة عند هزيمة حزيران عام 67، وكأنها جاءت الاختبار الأخير للثورة الناصرية ولحركة القومية العربية . والحق أن عبد الناصر، معزّزاً بإرادة شعوب الأمة والتفافها حول قيادته، استطاع أن ينهض في وجه الهزيمة وقدم وأعطى الكثير في السنوات الثلاث التي أعقبت الهزيمة إلى أن قضى . وكاد منذ الثبات والتقدم في حرب الاستنزاف عام 69، أن يقهر الهزيمة وأن يحسم في التصميم على نصر لا بديل عنه للأمة في الحرب من أجل إزالة آثار عدوان حزيران .

ولقد استطاع عبد الناصر أن يتقدم بحركة التضامن العربي والوحدة في المعركة . وبهذا التوجه خاضت مصر وسورية معاً حرب أكتوبر، من خلال إعداد وتصميم موحد . وكان المطلوب ناصرياً أن تستمر وتتواصل حتى إزالة آثار العدوان . ولكن تلك الحرب توقفت أو أوقفت، وجرى وقف إطلاق النار وفصل القوات قبل بلوغ الهدف . فلا الحرب استمرت على جبهتي القتال حتى تحقيق النصر، ولا الوحدة في المعركة ظلت وحدة بل تفارقت، ثم جاء تحول السادات بمصر نحو الانكفاء.

بعد حرب أكتوبر والعبور العظيم، انفك العقد السوري – المصري في المواجهة، في مواجهة متطلبات التسوية المفروضة والسلام، بعد الانفكاك عن تلازمهما أثناء الحرب . فالسادات ذهب لوحده إلى التسوية وانفرد وقال هذه آخر الحروب (أي أنه أسقط الشعار الناصري: ما أخذ بالقوة لا يستعاد إلا بالقوة) . وذهب إلى كمب دافيد ليسترجع، حسب اتفاقات كمب دافيد، سيناء مجردة ولوحدها قبل غيرها، متخطياً التصميم الذي كان لـ عبد الناصر والذي كان يقول: الضفة وغزة والقدس والجولان قبل سيناء . وها نحن وبعد مرور عشرين عاماً على عودة سيناء وسورية لم تسترجع جولانهـا، بينما الاستيطان الصهيوني يأخذ كل القدس ويكاد يأتي على الضفة الغربية كلها.

بعد خروج السادات بمصر من المواجهة والانكفاء بها عن المواقع التي تقدمت إليها الثورة الناصرية، ثم بعد خروج مصر او إخراجها من الجامعة العربية ومن أن تكون مرجعية لوحدة الأمة، توجهت سورية من جديد نحو العراق وتوجه العراق نحو سورية التماساً لوحدة تقوم بينهما . وفي محاولة لإيجاد مرتكز جديد لمقاومة الأمة وللمواجهة مع إسرائيل ومن وراء إسرائيل . ولكن الطريق السورية هذه إلى الوحدة مع العراق ما لبثت أن سُدت ورُدّت . أو هي في واقع الأمور لم تُفتح على مصراعيها أصلاً، إذ لم تفتحها الشعوب والإرادة الحرة للشعوب . ليتكرس التعارض والافتراق بين سورية والعراق من جديد.

ثم جاءت حروب الخليج وما أعقب حروب الخليج، وانفرط عقد الأمة، بل وتصارعت فيما بينها واقتتلت . ولم تبق من قضية توحد ولا من مرتكز تنشد إليه ويجمع . وتقطعت الطرق، ولم يعد هناك طريق سورية إلى الوحدة، لا باتجاه العراق ولا بالعودة إلى مصر وشد أواصر إعادة الوحدة مع مصر.

وخلال هذه الحقبة الزمنية الممتدة ما بعد الناصرية، جرت محاولات وطرحت مشاريع اتحادات عربية، وبعضها سار خطوات فيها ثم انحسر . كما قامت تجمعات إقليمية عربية بديلة نزلت في تماسكها دون مستوى “جامعة الدول العربية”، ما بقي منها إلا هذا التجميع في “مجلس التعاون الخليجي” للأقطار العربية الخليجية الستة، إن البحث في هذه التجارب والمحاولات وما وصلت إليه موضوع آخر، لنبقى عند سورية وما بقي من “الطريق السوري نحو الوحدة” . وإذا ما انقطع اليوم هذا الطريق، فماذا بقي له من رصيد أو تطلعات نحو المستقبل؟

إن ضرورة الوحدة وقيام رابطة وحدوية تلم شمل شعوب الأمة، وقيام كيان موحد للأمة العربية، مازالت مترسخة في الإدراك العام لشعبنا وفي توجهات طلائعه الثقافية، كضرورة لا بديل عن إنجاز مهمات بلوغها للخلاص من العثار الكبير الذي صرنا إليه، وانسداد المسالك إلى أهدافنا المستقبلية . فالأنظمة القطرية العربية بما آلت إليه، من تابعية للخارج اللاعربي، ومن قهر في الداخل لشعوبها وحركة شعوبها، تقف عاجزة لا عن الوفاء بالتزاماتها القومية وقضاياها الكبرى كقضية فلسطين فحسب، بل وتقف عاجزة لوحدها عن حل مشاكلها أو حماية حدودها الوطنية والتصدي لمسائل التنمية الملحة، بينما تقتحمها العولمة وثورة المعلومات، وتلقي بها حركة العالم والتكتلات الكبرى التي تقوم في العالم على الهامش.

وإذا كان هذا كله يظل يطرح قضية الوحدة العربية كضرورة تاريخية واستراتيجية للنهوض بالأمة، فعند البحث عن الطريق إليها، تبقى الأسئلة والتساؤلات أكثر من الحلول المقدمة، بعد أن عجزت الحكومات العربية في السنوات الأخيرة، عن الوصول إلى الحد الأدنى من التضامن اللازم في مواجهة قضايا مصيرية بالنسبة للأمة كلها.

في الحقبة الناصرية ارتسم طريقان للتضامن العربي والعمل العربي المشترك ولتوحيد القوى العربية والأقطار، كان هناك طريق وحدة الصف والتضامن بين الحكومات وما يمكن أن يتقدم إليه من تعاون وعمل مشترك، وكان هناك طريق وحدة الهدف الذي تندفع عليه الشعوب وحركة الشعوب، وكان عبد الناصر يدفع بالعمل على هذا المستوى أو ذاك، حسب مقتضيات الظروف والمصاعب التي تمر بها الأمة، وحسب مقتضيات إدارة الصراع مع أعداء الأمة وإن ظل يضع الوحدة العربية في النهاية على طريق الشعوب ووحدة الهدف.

فعلى طريق وحدة الصف في مواجهة مهمات مرحلية كان تحريك نشاطات “جامعة الدول العربية” ومؤسساتها ومواثيقها، وكانت الدعوة لمؤتمرات القمة وما قدمت القمم العربية من التزامات ودعم وعون. ولكن طريق الشعوب والثورة الاجتماعية والسياسية للشعوب هي التي كان التقدم عليها إلى وحدة القطرين عام 58، كما أعطت مستوى آخر في العمل العربي الهادف.

وعبد الناصر ظل وبعد كل ما تبدلت إليه الأحوال أيام قيادته وفياً لتطلعات الشعوب ووحدة الهدف . فهو لم يبق متمترساً في “قاعدته الحصينة” بعد الانفصال، بل هو خرج منها، عندما دعت إليها وللانتصار لها حركة الشعوب وثورات الشعوب في هذا القطر العربي أو ذاك . لقد خرج منها إلى اليمن عندما قامت الثورة في اليمن وخرج منها إلى الجزائر وانتصاراً لثورة الجزائر . وفي مرحلة تعثَر فيها تلاقي “الثورات” العربية وتلاقي الحركات والتيارات الشعبية على طريق واحدة هادفة، طرح عبد الناصر شعار تجمع القوى العربية في “حركة عربية واحدة”، وتلك كلها تبقى أمامنا دلائل ومؤشرات يمكن الاستدلال بها في أي عمل أو نشاط وحدوي يقوم من جديد.

ولكن الطريقان يبدوان اليوم متعثرين في هذه الحقبة ما بعد الناصرية، ولتبقى “الوحدة” وإن نادى الكثيرون بضرورتها، لتبقى وهي الضرورة المرجأة، إلى أن تعود وتدفع إليها إرادة الشعوب وحركة الشعوب . فطريق التضامن ووحدة الصف، وهي أضعف الإيمان، تبقى اليوم ممتنعة ما لم تدفع إليها بقوة حركة الشعوب.

وهنا تعود وتطرح نفسها بالضرورة المطالب القديمة – الجديدة، مطالب الاستقلال والخروج من أطر التابعة، وتحرير إرادة الشعوب من الداخل . إن كل الندوات والحوارات التي تجري بين طلائعنا الثقافية والسياسية، حول قضايا الأمة ووحدة الأمة والنهوض والتقدم بالأمة، تعود وتطرح في المنطلق والمبدأ، مسائل الديمقراطية والتغيير الديمقراطي وإحقاق حقوق المواطنين وحقوق الإنسان في مجتمعاتنا العربية، تحريراً لإرادة الشعوب وإطلاقاً لمبادراتها لتعود وتؤسس لفكرة الوحدة القومية والطريق إلى الوحدة في مجتمعاتنا العربية من جديد.

***

هوامش:

(1)- وتجدر الإشارة هنا إلى أن ثمة قدر كبير من المغامرة في كل الثورات الكبرى التي قامت في العالم وفي كل حركات توجيه الأمم وإقامة دولة الأمة الموحدة القوية، وهذا يذكرنا بمقولة الفيلسوف الألماني ’’هيغل‘‘ التي أكد فيها على أن الدولة القومية، الدولة الموحدة للأمة، عندما تكون مطلباً ملحاً في لحظة تاريخية وتعجز الأمة عن تحقيقه فإنها ترتد إلى عصر بربريتهـا.

(2)- وهو عنوان أخذت مادته من نص برقية تهنئة جاءتنا من صحافي إيطالي يساري صديق أرسلها باسم حزبه وجريدته ” الأونيتا “.

(3)- في 3 أكتوبر أنزل الأسطول الحربي المصري إلى الشاطئ السوري قطعات عسكرية من الجيش النظامي تأكيدأ للعالم أن سورية لن تقف لوحدها في العراق وصارت مصر وسورية جبهة واحدة في المواجهة الثانية ومنذ أيام صلاح الدين.

(4)- إذا كان بومدين قد رأى وقتها في هياج الشعب السوري من أجل الوحدة مرضاً فإنه لم يعد مرض الشعب السوري وحده، ففي تلك الفترة، وعندما ذهب عبد الناصر لزيارة الجزائر، فإن شعب الجزائر الذي نال استقلاله الوطني بعد ثورة تواصل قتالها ثماني سنوات وقدمت أكثر من مليون شهيد، نزل بحماسة إلى الشوارع رافعاً أعلاماً للوحدة العربية مرصعة بأربعة نجوم .

* بحث قُدّم في الندوة التي أقيمت في القاهرة 22 شباط/فبراير عام 1998 برئاسة السيدة هدى جمال عبد الناصر، بمناسبة مرور أربعين عاماً على وحدة القطرين مصر وسورية.