الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

للشهادة في سورية طعم آخر

أحمد مظهر سعدو

الشهداء وفقط الشهداء في واقعنا، هم من يكتب التاريخ الحديث للوطن، الشهداء في سورية سابقاً وآنياً هم من يرسمون بالدم ملامح خريطة جديدة ومتجددة للوطن السوري الغارق في كل شيء، واليوم إنما نؤكد مرة أخرى أن أناساً أطهارا رووا تراب هذا الوطن بدمائهم لنحيا نحن، وليحيا الوطن حراً طليقاً من كل أنواع القهر والهدر الإنساني الذي بات معاشاً يومياً للإنسان السوري بل والعربي.
إن إعادة كتابة التاريخ لهذا الوطن ولهذه المنطقة ولهذه الشعوب المظلومة، لا يجب أن يكون كما يريد الغرب أو الشرق، الأميركي أو الروسي أو حتى الإيراني، إنما يجب أن تنطلق وتأسيساً على هذه التضحيات العظيمة لشهداء الوطن بكل فئاته وكل تلاوينه من إثبات وجودنا كأمة وكشعب ووحدة هذا الشعب وهذه الأمة ولجم هذه التناقضات التي يحاولون إيجادها وانتاشها فيما بيننا.
إن أعداء الداخل والخارج يحاولون الحاقنا برباط التابعية للغير، وإلى إخراج شعوب أمتنا من التاريخ وصنع التاريخ. والشهداء اليوم، وهم يعيدون كتابة التاريخ فإن مسارهم ومسيرتهم في ذلك أولاً وقبل كل شيء هي الحرية والكرامة لهذا الوطن ولهذا الشعب العظيم الذي ضحى ويضحي بالغالي والنفيس من أجل رفعة هذا الوطن ووحدة أرضه وشعبه، والحرية والكرامة لا تقوم لها قائمة إلا بتضحيات أبناء الأوطان، والشهادة والشهداء هم في طليعة هذه التضحيات وأرفعها وأكثرها سؤددا.
إن الموت والقتل الذي يسود هذه الأيام وأدواته القمعية الاستبدادية عبر هذا النظام الفاجر يجعل من الشهادة حالة يومية مستمرة ولا يكتفي المستبد اليوم بالموت البيولوجي بل يمارس ما هو أشد وطأة وأكثر تأثيراً عبر ممارسة الموت الكياني / الوجودي الذي يحل بالإنسان حين يقمع قوله.. الكلام المقموع أو المحظور من قبل أنظمة التحريم والتجريم يضع صاحبه في وضعية اللا كيان وبالتالي اللا حضور واللا وزن واللا قيمة واللا اعتبار. وإذا حفظ الصمت الحياة البيولوجية النباتية فإنه يقتل الحياة الكيانية حيث يلغي الحضور.
تأسيساً على ذلك لا يمكن التخصيص بالقول: التفكير أو الموت. حيث لا حياة للأفراد، كما الجماعات والمجتمعات إلا بالتفكير وإطلاق العنان له. التفكير هو الحياة المليئة المتجددة والمستوعبة والظافرة والتي تصنع مكانتها ومصيرها. وموت التفكير هو النكوص والتقهقر إلى مستوى الحياة النباتي والدخول في فئة الشعوب المستغنى عنها.
والانسان السوري هذه الأيام يصنع مشروعه الوجودي من خلال صناعة مجاله الحيوي، وليس مجرد التأقلم معه، ويتجلى الهدر الوجودي صريحاً حين يحال بين الإنسان وصناعة مجاله الحيوي من خلال الممارسة والفعل والانتاج والانجاز وممارسة الإرادة والمشاركة في قضايا هذا المجال الذي يشكل الوطن واحتلال الدور والمكانة الفاعلة فيه. كل إنسان باعتباره مشروع وجود، يحمل طموحاً لصناعة المجال الحيوي طبقاً لحلم الوصول إلى الأفضل والأحسن.
إن أنظمة الهدر وأولها النظام الموجود بدمشق، والتي تفاقم من أعداد المستغنى عنهم أو ما يعتبرون فائضين عن الحاجة، تعتدي على الحياة ذاتها إذ تحصرها في القلة المحظية التي تشغل المكانة وتستحوذ على المكان.
في هذه الأيام فان سورية، تصنع طعمًا آخر للشهادة، وكما كان للشعب الفلسطيني على مدى التاريخ طعم آخر لديه للشهادة، فإن في ماهية الشهادة والاستشهاد في سورية نكهة أخرى بلون الخلود ولون المحبة ولون الجنة… الشهادة في سورية تصبغ كل حيواتنا وكل مفاصل وجودنا، حتى باتت كل المنازل تزينها صور الشهداء وصور المستقبل المشرق لهذا الوطن الجريح.
لكن الشعوب المقهورة وبعد ما أوقعتها به أنظمة الحكم المستبدة والفاشية، ما زالت تتحرك وستبقى، من أجل التغيير وكنس الاستبداد والتجمع أيضاً.
وعلى هذا الهدي قامت الثور الشعبية في سورية، وتقدمت الجماهير لبناء أوطانها على أساس من الحرية والكرامة وتطلعت وتتطلع لنيل حريتها وبمثل هذا التطلع لا إلى الماضي وإنما إلى المستقبل يمكن أن نفتش عن منطلق بداية، ومرتكز مقاومة ونهوض، لتعود سورية وتتجمع من جديد، ولتعود وتصنع تاريخها وتاريخ المنطقة من جديد، والشهداء هم من يصنعون هذا التاريخ، وليس سواهم ممن يقتاتون ويتمظهرون على حساب دماء الشهداء، وهم كثر في أوطاننا عبر هذه اللحظات التاريخية.

أحمد مظهر سعدو

كاتب صحافي سوري، رئيس القسم السياسي في صحيفة إشراق