الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الهندسة المفهومية في صيانة المشروع الوطني السوري

مضر رياض الدبس *

الذات المفردة مشروع حياة، والذات الوطنية مشروعٌ لعيش هذه الحياة. والحياة صفة يتشاركها الإنسان مع سائر الكائنات، ولكن العيش صفة يتفرد بها، وتميزه عن باقي الكائنات؛ لأنها تحيل على اللغة، وعلى الإدراك، ومن ثم على طرائق وأنماط ومنهجيات الحياة. لذلك يمكن أن نقول إن العيش بناءٌ إبداعي وفني وتواصلي، وهو يتضمن بالضرورة حياةً سياسية مدنية، يمكن أن تحيا البشر من دونها، ولكن لا يمكن أن تعيش. ولا تصير الأشياء مدركةً من كونها لُمست أو شوهدت، بل من كونها فُهمت؛ فالفهم مقدمة الإدراك اللازمة، وهو منتهى اللغة، لذلك هو شرط العيش اللازم.

يبدو أن الانتقال من فكرة الحياة (مجرد وجود) إلى فكرة العيش (طريقة حياة) هو المعنى العميق للمشروع الوطني، بالنسبة إلى السوريين اليوم، ولأن الفهم ضروري لهذا الانتقال، فإنه ضروري للمشروع الوطني، وهما متلازمان. وثمة توصيفٌ آخر لهذا الانتقال لا يقل أهميةً عن الأول، فنقول: هو أيضًا انتقالٌ من تجربة مجردة إلى تجربة شخصية، فـ “مجرد حياة” ليست إلا تجربة غير شخصية، نتشارك فيها مع الحيوان والنبات، والعيش فعلٌ إنساني. والعبور من الحياة (التي لم نخترها) إلى العيش (بخياراتنا وحريتنا وإبداعاتنا) عبورٌ ضروري لضمان حق الوجود، وإلا كان هذا الحق مهددًا؛ فيصبح هذا العبور لازمًا للحفاظ على الوجود، ولطول العمر، وتأخير الموت إلى أن يحين أوانه الطبيعي، وهذا أضعف الإيمان. وهو عبورٌ في طريقين اثنين: الأول من التسليم وموقع المفعول إلى النقد وموقع الفعل، ويتضمن تعيين وبناء المنهجية؛ والثاني من الشكل المجرد إلى الشكل الشخصي المتعين، ويتضمن فهمًا وممارسة وتعيينًا وبناء لـ “مفهوم الفرد”. ولهذا العبور فنٌ يقوم على الفهم، والأصح -بتقديرنا- أن نقول إنه يقوم على ما يمكن أن نسميه “الهندسة المفهومية”. وإذا أردنا أن نضع لمفهوم “الهندسة المفهومية” ضبطًا دلاليًا، لكي نستخدمه بوضوحٍ أكثر؛ قلنا إنه: فهمٌ للموضوع وفهمٌ للآخر، يتم باستخدام الأدوات المعرفية والفكرية والمفهومية بفنٍ واحتراف. ونميز في هذه الهندسة فرعين: الفرع الأول فهم الموضوعات، وفيه المنهجيات وطرائق الفهم والمقاربة؛ والثاني فهم الآخر (جماعات وأفراد)، وفيه المقدرة على فهم الذات وهندسة قابلية الاجتماع المفضي إلى رغد العيش، ويتضمن عملين إبداعيين هما بناء مفهوم الفرد (أو الإرادة الحرة)، وبناء الإرادة العامة.

1) فهم الموضوع

للفهم بتقديرنا وسطاء، والذهنية أهمها. الذهنية وسيط بين الفاهم والمفهوم، ووسطٌ فيه تتحول اللغة إلى إدراك. ولذلك تتمايز الأحداث الذهنية عن الأحداث المادية -بتعبير ديكارت- الأمر الذي يجعل من الفهم موضوعًا للمعرفة، فضلًا عن كونه أداةً لها. تُكَّون كل ذهنية صورة للمفهوم في العقل الفاهم، وتتأثر هذه الصورة بنوع الذهنية التي تتوسط وتحلل، ويكون هذا التكوين إبداعيًا أو عاديًا أو ركيكًا أو مقلوبًا. الإبداعي مقارب يكون للعيش ورغد العيش، والعادي ينتج مجرد حياة (وجود)، والركيك ينتج وجودًا شقيًا، وأما المقلوب (أو الأيديولوجي) فهو مقدمة للموت قبل الآوان، وهكذا، في التكوين الأول، يصان المشروع الوطني، وفي الثلاثة الباقية يمتهن ويبتذل.

يعني ذلك أن معاني المفهوم الواحد تتعدد بتعدد الذهنيات التي تقاربه في لحظة معينة؛ فكثيرًا ما يبدو لنا أننا متفقون نظريًا، ولكننا عند الممارسة العملية ندرك أننا مختلفون في فهم وتأويل ما اتفقنا عليه. لذلك يحتاج المشروع الوطني إلى اتفاق على المفهومات في ما يشبه القاموس المفاهيمي الموحد للمفهومات الرئيسية، وحين نقوم بذلك نكون قد أزلنا أولى عقبات سوء الفهم، بأن نبدأ بتكلم لغة مشتركة، عمومية وواضحة؛ فالوضوح شرط الفهم الأول. وما إن ننجز هذا الوضوح حتى تفرض طريقة الفهم نفسها، وتكون سلامتها شرطًا للإبداع، فالمنهجية الأصيلة تؤدي إلى الفهم الأصيل. وبموجب هذه المنهجية الأصيلة، لا تكون الأصالة بالتمسك بالماضي أو التراث أو العادات والأعراف التقاليد وإلى ما هنالك؛ بل بالحرية التي تجعل من كل شيء موضع نقدٍ دائم على مستوى الذهنية الناظمة لعملية التفكير والتفكّر. والفهم الأصيل تكاملٌ بين تفكير معمق وتكوين مبدع، وعرضٌ واضح لما تمّ فهمه في خطابٍ إبداعي ومبتكر. لذلك تكون الأصالة في الإبداع، وتنطلق من الذات. ولذلك نقول إن القبيلة، مثلًا، عندما تفرض نهجًا في فهم الحياة، تكون مضادةً للأصالة والإبداع، ومن ثم للوطنية، وهذا ينطبق على الطائفة، والإثنية، وكل الانتماءات السابقة على مفهوم الفرد. وبالمناسبة، إن قيمنا الراسخة التي تقوم على الحيوية والعمل والشجاعة والنبل جميعها لا تكون حقيقية، إلا إذا بناها وأبدعها الفرد الحر بقراراته. ووفق هذا المنطق، لا يمكن قبول المنطلقات المنهجية الأيديولوجية التي تنتج فهمًا مقلوبًا للواقع والحياة (بكل أنواعها)، إلا بوصفها قصورًا (Immaturity)، وعجزًا، وكسلًا، وجبنًا. بل إن البعض، مثل كانط، قد ذهب إلى تمييز عصر الأنوار من خلال هذه الفكرة تحديدًا، فيقول في معرض إجابته عن سؤال حول ماهية عصر الأنوار: “التنوير هو خروج الإنسان من حالة القصور التي وضع نفسه بها”. والقصور المقصود هنا هو عجز الإنسان عن استخدام فهمه من دون توجيه الآخرين، ويرى كانط أن الإنسان ذاته هو المسؤول عن هذا القصور، لأن السبب فيه لا يعود إلى نقصٍ في الفهم، بل إلى نقصٍ في القدرة على اتخاذ المواقف، ونقص في الشجاعة اللازمة لاستخدام الفهم من دون قيادة الآخرين. فيقول: “إن الكسل والجبن هما السببان اللذان يفسران أن مجموعة كبيرة من الناس تظل قاصرة، على الرغم من أن الطبيعة تحرره من كل تأثير خارجي، وهذا يفسر لماذا يسهل على غيره أن يفرض نفسه وصيًا عليه؛ فمن السهل جدًا أن يكون الإنسان قاصرًا”[1].

والآن، لنتأمل معًا: لماذا تأسس الائتلاف قاصرًا؟ ولماذا أصبحت هيئة التفاوض قاصرة؟ ولماذا أصبح السوريون ينظرون إلى السياسة بمجملها على أنها قاصرة، ولا تحل مشكلاتهم وفقدوا الثقة فيها؟

2) فهم الآخر

الجماعة السياسة جماعةٌ متناغمة مع/(وناتجة عن) ذهنية الفرد الحر، الذي يمتلك شعورًا معقلنًا بروح الجماعة والانتماء إليها، هذه الجماعة الناجزة هي الأمة، هي المعادل الثقافي والأخلاقي للمجتمع المدني، وهي التعبير الثقافي عن مفهوم الشعب، وعن الدولة الوطنية. ولهذه الجماعة السياسة إرادة عامة، لا تكون من دونها، وهذه الإرادة العامة لا تكون بدورها من دون الحوار العمومي المفضي إلى التعاقد، أو الذي سيفضي بالضرورة إلى التعاقد، حالما تتحقق الشروط الموضوعية. وفي الحقيقة، من غير الممكن مقاربة مفهوم الإرادة الحرة، التي تتحول إلى الإرادة العامة بموجب فعل التعاقد، بوصفها كمًا من الإرادات الحرة، بل بوصفها كيفًا: أي إن التغير الكمي الذي يعني ازدياد عدد الأفراد الذين تجاوزوا شبكة العلاقات التقليدية والفئوية والأولية والعصبوية إلى مستوى الأمة، يؤدي إلى تغيرٍ كيفي من مجتمع متنوع متصارع، إلى مجتمع متنوع موحد. ما الذي يعنيه ذلك؟

إنه يعني تلازم مسارين، ونتيجة منبثقة من تلازمهما: المسار الأول هو زيادة كم الإرادات الحرة، مما يؤدي إلى ازدياد احتمال صراعها واقتتالها نظرًا لاختلافاتها. والمسار الثاني هو زيادة كم الإرادات الحرة مما يؤدي إلى ازدياد تقبل الآخر نتيجة ارتفاع منسوب العقلانية في الإرادة الحرة. والنتيجة: تؤدي زيادة الإرادة الحرة كَمًا، إلى ازدياد الصراع من جهة، والميل نحو الوحدة من جهة أخرى، فينشأ مفهوم ضابط لوجود هذين النقيضين معًا (الصراع والوحدة)، وهو مفهوم نسميه “السيفيلتي” (ترجمة حرفية لكلمة “civility”) [2]، وبما أن الدولة هي التي تجمع هذا التناقض الجدلي، فتصبح السيفيلتي هي أداة ربط الدولة بالمواطنة، وأداة لفهم آلية عملهما في الوقت ذاته. وإذا أردنا ضبطًا دلاليًا لمفهوم السيفيلتي نقول: إنها المادة (المعنوية) التي تؤدي إلى دمج التناقض والتطابق في وحدة جدلية، وهي -بالمفهوم- تعني الاعتراف بكرامة الآخر، وبجميع احتياجاته، ومعتقداته، والمطالبة بها، ورعايتها، على أسسٍ تقوم على احترام الإنسان بوصفه إنسانًا وحسب. إنها المعادل العمومي لمفهوم “الكياسة”، بما يتضمنه من اللياقة والاحترام أثناء الاختلاف، والسعي إلى تكوين أرضية مشتركة يستند إليها الحوار حول مواد الخلاف، ويحكمها نوع من “التذاوت الإيجابي”. فالسيفيلتي هي شرط الدولة، وشرط المواطنة، وتتمحور حول مسؤولية وسلوك مدنيين، يقومان على استبعاد الإقصاء، ومشاركة الجميع، واحترام الجميع، والاعتراف بالآخر، والحرص على أن يتحدث ويعبر عن رأيه، وعن توجهاته، وقناعاته، ومعتقداته، ونيّاته، بحرية تامة؛ والحرص أن يبقى صوته مسموعًا ومحترمًا. فإذا كانت هذه الظاهرة في المجتمع المدني، وعلى المستوى الخاص، تسمى كياسة؛ فإننا على مستوى الدولة والمجال العام نسمّيها “سيفيلتي”.

وكما يؤدي نقص الكياسة إلى تطور الاختلاف في وجهات النظر وإلى عنفٍ كلامي يحمل إمكانية الانفلات إلى عنفٍ جسدي، فإن نقص السيفيلتي يمكن أن يؤدي إلى توترٍ واحتقان مجتمعي، ويمكن أن يتطور إلى حربٍ أهلية. ونرى أن هذا المفهوم يتضمن تطورًا جماليًا للعلاقات بين البشر، وتصورًا جماليًا للوطن، ولشركاء الوطن، ويتجاوز ذهنية التنميط والانتماء السابق للفرد، القبيلة والعرق واللون والعائلة والدين…إلخ.

كل هذه العملية لا يمكن أن تتم من دون فهم الذات لذاتها، فهو شرطٌ لفهم الآخر. ذلك لأن إدراك الغير لا يتم موضوعيًا في أغلب الأحيان، بل نقاربه كذاتٍ أخرى نتطابق معها: نحن مثلًا نتعاطف مع المتألم، لأننا نتخيل تجربتنا مع الألم؛ فنتخيل معاناته انطلاقًا مما نشعر به. لذلك يمكن القول بأن نضوج مفهوم الفرد شرط أساسي لنضوج مفهوم الجماعة السياسية، ومن ثم المشروع الوطني برمته، والعكس أيضًا صحيح، فلا ينضج مفهوم الفرد من دون البدء بمشروع وطني حقيقي. أي أننا نطرح هنا أن “الأنا” مفهومٌ ناقص من دون الآخر، وهذا الآخر هو شرطه الوجودي، ولكي ينضج الفرد يجب أن تنضج رؤيته إلى الآخر، وبتعبير أدق: يجب أن تنضج منهجية رؤيته إلى الآخر، ويجب أن يقاربه وفق وعيٍ معقلن. فالوعي إما أن يكون وعيًا أيديولوجيًا فنفهم الآخر وفق أحكام الذات، وهنا لا نترك مساحةً كافية لظهور مفهوم الفرد لأننا نستنزف قواعد المفهوم في بناء المقاربات الهووية؛ وإما وعيًا تواصليًا يقوم على عقلانية تواصلية تساعد الذات في فهم الآخر، بالاستناد إلى حوارٍ مستمر معه تكون الذات فيه فاعلة ومنفعلة، تغير وتتغير، أي أنها تتذاوت.

وإذا أردنا ضبطًا دلاليًا لمفهوم الفرد في هذا السياق؛ فإننا نقول: الفرد هو صاحب الإرادة الحرة القادرة على التواصل والحوار والمساهمة في بناء إرادة عامة، وبذلك تكون إرادته الحرة إرادةً قابلة للاجتماع السلمي. هذا ما يجعلنا نعود إلى ذلك المفهوم المفتاحي المهم وهو “السيفيلتي”؛ فالفرد هو الواحد المجرد المتعيَّن من خلال مفهوم السيفيلتي، أي هو الإنسان المتعيَّن من خلال الحضور الدائم للآخر، ولقناعاته المعترف بها، وبحقه في اعتناقها، وفي الدفاع عنها، من دون شرط الاعتراف بصحتها، ومن دون فرض أي مرجعية محددة لهذا الحكم، والقبول بتعددها ضمن الاتفاق الأخلاقي والعقد الاجتماعي.

هذا يعني أن مفهوم الفرد متعينًا بعضوية جماعة سياسية نسميها الوطن (أي المواطن)، هو مفهومٌ ناقص من دون مفهوم المجموعة، فلا يتحدد الفرد كاملًا إلا من خلال تواصله مع الأفراد الآخرين، ولا تتحدد المجموعة بدورها إلا من خلال الاعتراف الكامل بكلِ فردٍ من أفرادها بوصفه عنصرًا منها، أي بوصفه مكوّنًا من مكوناتها، غيابه يجعل المجموعة ناقصةً ومشوّهةً.

وفي الحقيقة، يبدو أن بعض السوريين يخشى ألا تصمد أفكارهم كما يرغبون لها أن تصمد، إذا حولوها إلى مادة للتفكير العقلاني. هذه الخشية نتيجة لخوفٍ دفين من أن لا نكون “نحن”، فنتشبث بالأفكار الهووية في مقاربة الذات والآخر. في مثل هذه الحالة، يكون الفهم محصورًا بالطائفة العصبوية (دينية أو إثنية أو مذهبية أو أيديولوجية وإلى ما هنالك)، وهذا ديدن الكسولين؛ فهذه أفكار مريحة لا تحتاج إلى العمل والجهد والبحث، وهي متينة راسخة في المجتمع من دون أن تتعرض للنقد الذي تستحق. ذلك لأن سبل التفكير السائدة في الجماعات العصبوية (بالمعنى الخلدوني) لا ترحب بالنقد، ولذلك تزعجها العقول النقدية والمنفتحة، لأنها تخلخلها وتقلق راحتها وتهدد أدلوجتها. ويقع التناقض عندما تنخرط هذه الجماعات في مشروع يطلب الحرية، لأن التأمل الذاتي النقدي والحرية متماهيان، فنحن لا نتبصَّر الطرق التي ينبغي علينا السير فيها، من دون أن يكون بمقدورنا أن ندرك أنفسنا[3]. ولذلك فإن صيانة المشروع الوطني تعني -في أحد أهم أشكالها- تفنيد صفات الاستعلاء، والجحود، والغرور، والترفع عن نقد الذات، والتبرير الذهاني لكل سلوكات الذات، والأنانية المفرطة، وإلى ما هنالك من صفات التمركز حول الذات أو التكور عليها..

ولا يمكن بأي حالٍ من الأحول إنتاج إرادة عامة لتكوين مشروع وطني، ما لم يكن الفرد حرًا، وإن أي رأي، يبديه فردٌ عضو في الجماعة، يجب أن يكون رأيه الخاص به، الذي ينسجم مع قناعاته في لحظة إبداء هذا الرأي، إذ إن القناعات تتغير، إذا كان أصحابها أحرارًا بالمعنى الذي يمنع، بل يجرّم، ممارسة الاستبداد على الأفراد بأي شكلٍ كان (مباشر بالفرض والقمع، أو غير مباشر بالتضليل وامتلاك منابر التغيير وقوى نشر المعلومات) وبهذا المعنى؛ فإن العصبيات التي تشكل جماعات ضمن الجماعة تعدّ نوعًا من الاستبداد، وكل ما يمنع التفكير وإعمال العقل ما هو إلا استبداد. وقد ميَّز روسو مفهوم الإرادة العامة (General Will)، التي تعبّر عن إرادة الكل، ومفهوم إرادة الجميع (Will of All). وكان هذا التفريق -بتقديرنا-خلاّقًا من حيث المضمون، ومبدعًا من حيث الآلية. فالإرادة العامة -بتعبير روسو- هي “التي لا تنشغل إلا بالمصلحة المشتركة”، فيما لا تنشغل “إرادة الجميع” إلا بالمصلحة الخاصة[4]. والمعاني التي يتضمنها هذا التفريق قادرةٌ على إنتاج مفاهيم مهمة لخدمة السعادة الإنسانية، على مستوى التشارك في الحياة العامة، وعلى مستوى تدبير اختلاف الأحاسيس البشرية، ومن ثم تدبير الخلاف في الإرادات. هذا التفريق هو ما يجعل عملية “قابلية الاجتماع” ممكنة من دون صهر البشر، ومن دون سحق شخصياتهم وآرائهم، بل إن الحفاظ على هذا الخلاف بين البشر هو الذي يؤدي إلى إبداع مفهوم الإرادة العامة. وهذا ما يؤدي منطقيًا إلى ترسيخ مفهوم الحوار بشكلٍ عصري لا يلغي الآخر، بل يعدّه ذاتًا حرة مستقلة، لها كرامة ورأي يُحترم ويجب الحفاظ عليه.

الهوامش:

[1] Immanuel Kant, An Answer to the Question: “what is Enlightenment? “, Konigsberg, Prussia, 30th September, 1784.

[2] يميل البعض إلى التعبير عن مفهوم السيفيلتي بكلمة “المواطنوية”، ولكننا رأينا أن هذه الترجمة الحرفية أكثر دقة معرفيًا ودلاليًا، لأسباب كثيرة لا يتسع لها هذا المقال.

[3] Simon Blackburn, Think. A Compelling Introduction to philosophy, Oxford university Press, 1999.

[4] Jean Jacques Rousseau; the Social Contract, Book:2, 3rd part.

* باحث وكاتب سوري، رئيس حزب الجمهورية

المصدر: مركز حرمون