الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

ما العمل إزاء هذا الحصاد المرير؟ *

تتراكب في زمننا الراهن، أشكال من التحكم والسيطرة والتدجين، تسعى على اختلاف عناوينها المحلية والإقليمية والدولية، إلى تهميش الكتلة الأكبر من المجتمعات العربية، وإغراقها في مستنقعات البؤس والعجز. فلم يعد خافياً أن إفشال الثورات العربية وخنق قواها الحيّة، ما هو إلا انعكاس مأساوي، لسياق تاريخي حافل من فرض سياسات مجحفة، لا مكان فيها لحقوق الشعوب العربية، ولا للوقوف مع مطالبها العادلة، بالتحرر من أنظمة الاستبداد ومشاريع الهيمنة الخارجية. الحقيقة الأوضح اليوم، نراها في انسداد الأفق أمام محاولات اختراق هذا المشهد الكتيم، والذي يُعمّق بدوره من واقع الاستلاب بصورة لا سابق لها. ما يضع شعوبنا المتضررة من هذا الانهيار المتسارع الذي يهدد أوطاننا، أمام معضلة وجودية وأسئلة مصيرية، لم ترتقِ القوى والأحزاب القائمة بكافة مرجعياتها الإيديولوجية، لتشكل حوامل إنقاذية وبدائل فاعلة، تملك أجوبة حيّة على استحقاقات تلك المعضلة الكبرى. حال النخب المثقفة ما بين محاولات تدجينها، وبحثها عن ملاذ آمن خارج أوطانها، ليس أفضل حالاً في استجاباتها المحدودة لسؤال النهوض المرتجى. وما بين استمرار محاولات اغتيال الثورات ووأد مشاريع التغيير، تضيق هوامش الفعل والتأثير، ومعها تفقد الشعوب ثقتها بكل شيء، ولا تجد متكأً تسند عليه أوجاعها وهمومها.

إنكار حقائق هذه المحنة التي تلف ديار العرب، والاكتفاء بمرصوفة الشعارات عن الانتصارات المحتومة، وبث الآمال التي تقفز عن معالجة المشكلات البنيوية، يزيد من العماء الفكري، ومن تباعد المسافة بين القول والواقع، واستبدال إمكانيات الخلاص، بأوهام تزيد الطين بلّة. إذاً ثمة مسؤولية أولاً في إعادة تعريف الأزمة/ المحنة، التي وصلت إليها حركات التغيير في الدول العربية، والاستناد إلى الوقائع والحقائق، لفهم تحولاتها وانزياحاها عن البدايات التي سلكتها، وعدم المواربة في تشخيص الأمراض والعيوب التي ألمّت بها. بالضرورة إن الخوض في هذه المهمة المركزية، يقتضي تضافر جهود قوى وشخصيات وطنية، تملك أدوات نقدية موضوعية، وإرادة مُستقلة ومتحررة من الولاءات الخارجية، فلا يستوي -كما تُعلّمنا تجارب الماضي- أن تأتي وصفات الحلول الجاهزة، بناءً على قراءات رغبوية لا تضع الحقيقة نصب أعينها، وتُعلّمنا أكثر أن فهم ممكنات التغيير يتوقف على طبيعة فواعل التغيير، وأدوارها وقدراتها الذاتية، كي لا يبقى العامل الموضوعي المشجب الذي تُعلّق عليه كل أسباب فواتنا وضعفنا.

الكثير من الوقت تم إهداره في السنوات الماضية، حول مساجلات ومماحكات فائضة، لم تتبلور خلاله مقاربات نقدية، تنتج رؤى عقلانية لبناء توافقات فكرية وسياسية واسعة في الحيز الوطني، وانسحب هذا القصور الفادح، على التناول الشكلاني لجدليات التحرر بين الثورات العربية من جهة، وتجاهلها لوظيفتها التاريخية، كمشاريع وطنية لا يمكن فصل مهام تحررها من الاستبداد الداخلي، عن تحرر المنطقة العربية من كافة أشكال الاحتلال والهيمنة من جهةٍ أخرى. مع أن كل الأحداث والمنعطفات التي شهدتها الثورات والانتفاضات العربية، أظهرت بوضوح أن التحرر الحقيقي للشعوب العربية لا يقبل الفصل والتجزئة بين روايات المنكوبين، ومشتركات خلاصهم الوطني والإنساني.

على هذا النحو ثمة فارق كبير، بين فهم وتفهم ظروف واشتراطات المواجهة مع الاستبداد، وفقاً لخصوصية هذا البلد أو ذاك، وبين من يريدون تعليب الثورات، كحالة قطرية منفصلة عن محيطها العربي، وتسويغ هذا المنطق المبتور عن حقائق التاريخ والجغرافية والمصالح المشتركة، كرد على متاجرة الأنظمة المُستبدّة وفي مقدمتها النظام السوري بالعروبة والقضية الفلسطينية. وبهذا يتقاطع منطق المتاجرة بحقوق الشعوب، مع منطق التنكر لشروط خلاصها الحقيقي. بمعنى آخر لا تتوقف العملية النقدية للواقع الذي ترزح الشعوب العربية تحت مشكلاته المزمنة، دون تصويب الكثير من الطروحات الخاطئة والمسيئة لفكرة التحرر بكلّيتها. لو دققنا بمواقف وسلوك العديد من قوى المعارضة ومؤسساتها التي نشأت في حقبة الربيع العربي، سنجد الكثير من الأمثلة الفاقعة، التي تكشف انفصامها الفكري والسياسي، حين تطالب بإسقاط الأنظمة وتغييرها، وتراهن بنفس الوقت على القوى الخارجية المتورطة في نهب مقدرات وثروات بلادنا، لمساعدتها في تحقيق تحرر شعوبنا من تلك الأنظمة.

لا يجب الاستهانة بخطورة الانحراف الفكري، لأنه البيئة المناسبة لكل أشكال الفساد السياسي في تجارب الثورات الوطنية، بل إن كل نقد لمظاهر الفساد السياسي والمالي والأخلاقي، لأي تشكيل أو مؤسسة ثورية أو مُعارضة، يغض الطرف عن التباس وتناقض رؤيتها الفكرية، هو نقد موارب وبعيد عن تناول جذور المشكلة، ولن يؤدي إلى تقديم حلول ناجعة، طالما أنه يدور على ذاته في حلقة مفرغة. من المفارقات الناجمة عن هذه الحالة الفصامية، أن تقوم تيارات سياسية ومدنية محسوبة على حركات التغيير في الواقع العربي، بطلب التمويل والدعم من قوى خارجية متورطة في دعم قوى الاحتلال والاستبداد، بدلاً من سعيها لبناء استقلالية سياسية ومادية، تحفظ هويتها الوطنية.

هنا لا نتحدث عن حالات استثنائية ومحدودة الأثر، إنما نشهد فعلياً تناقضات مدويّة، في مواقف وممارسات تشكيلات قوى المُعارضة في الواقع العربي، ما يلقى الكثير من الالتباس والتشويش، على أدوارها ومهامها التحررية المطلوبة. بالمقابل تحاول الهروب من مواجهة هذه الحقائق وأسئلتها الصارخة، بترسانة من الذرائع والتبريرات التي تستقيها من ضراوة العامل الموضوعي، بحكم التدخلات الإقليمية والدولية في مختلف القضايا العربية. في حين أن النهاية المحتومة لمسار تلك القوى والتيارات، هو الإلحاق والتبعية بالمحاور الخارجية، ليس فقط لتعويض عجزها الذاتي، بل لأنها تنخرط في نفس لعبة الأنظمة المُستبدّة التي تُعارضها، وفي محاكاة بائسة لوظيفة الأنظمة، التي استجلبت كل أنواع الاحتلالات للحفاظ على بقائها.

يبدو أن ما وصلت إليه محطات الثورات العربية اليوم، وحصادها المرير الذي فاق حدود أسوأ التوقعات، يوجب على كل شرفاء وأحرار البلدان العربية، أن يجدوا منصةً حرة للتلاقي بينهم، والنقاش النقدي المسؤول والبناء، حول وجوه الأزمة المستعصية التي تعيشها الشعوب العربية، وإعادة قراءة ومراجعة كافة التجارب الوطنية التحررية، ومشكلات حواملها الفكرية والسياسية والمدنية، والتوصل إلى رؤى ومقاربات مشتركة، تطرح حلول ومعالجات واقعية، تفتح على تجارب جديدة فارقة، لوقف هذا الخراب المُعمم، وإعادة الأمل لشعوبنا قبل أن يقتل اليأس كل ما تبقى لها من قدرة على الصمود والتضحية من أجل غدٍ حرٍ كريم .

* رأي مصير

المصدر: موقع مصير