الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

يوم 2 آب 1990يومَ مهد العراق لغزوه

                                               

محمد عمر كرداس*

في صبيحة هذا اليوم، انطلقت جحافل الجيش العراقي باتجاه الكويت وتم لها احتلالها خلال ساعات، وقامت حكومة بغداد بتعيين حكومة كويتية جديدة أعلنت أنها قامت بخلع الأسرة الحاكمة، ثم تتالت البيانات ليتم إعلان انضمام الكويت إلى البلد الأم العراق وتصحيح وضع خلقه الاستعمار بفصل محافظة كاظمة “الكويت” عن وطنه الأم “العراق”.

تتالت الإدانات من دوائر غربية وعربية مع دعوة العراق إلى الخروج من الكويت وإعادة الوضع إلى ما كان عليه، وحل المشاكل بين العراق والكويت بالتفاوض.

هربت الأسرة الحاكمة في الكويت إلى السعودية وعاشت في قصورها معززة مكرمة، رداً لجميل قديم كانت الكويت استقبلت الأسرة السعودية متمثلة بمؤسسها عبد العزيز عندما هُزم وهَرب.

دعت أمريكا فوراً بشكل يبدو مُرتب مسبقاً، إلى تحالف دولي لإخراج العراق بالقوة إذا لم يخرج طوعاً، وسرعان ما تشكّل هذا التحالف من الدول الاستعمارية القديمة، إلى جانب السعودية ومصر وسورية، برئاسة الجنرال الأمريكي شوارزكوف يساعده ضابط سعودي هو خالد بن سلطان بن عبد العزيز، وتحت القيادة الأمريكية جرى إخراج العراقيين من الكويت، وكانت طليعة القوات المهاجمة هي سوريّة ومصريّة، وبذلك عشنا مرحلة جديدة من النضال العربي للأنظمة “الثورية العربية ” بقيادة أمريكا لاحتلال بلد عربي كان يُرهب الأعداء بقوته وتصميمه. وخارجاً من حرب مدمرة فرضتها عليه دولة فارسية أرادت الانتقام من قادسية سعد بن أبي وقاص في عهد الفاروق عمر بن الخطاب. وهذا حديث أخر.

تحت وابل من القصف الجوي والبحري والأرضي المدمر بأحدث الأسلحة الأمريكية الفتاكة، اجتاحت قوات التحالف بطلائعها السورية والمصرية الكويت وأخرجت القوات العراقية وطاردتها إلى داخل العراق لتقتل مئات الآلاف وهم في خنادقهم داخل العراق ولتدفنهم أحياء في اكبر مجزرة عرفها تاريخ المنطقة. ولتعود الأسرة الحاكمة الكويتية إلى عرشها على جثث العراقيين، والذي بلغ عدد هم ما يعادل نصف أهالي الكويت.

إرهاصات الحرب:

بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، بدأت المضايقات الخليجية وخاصة الكويتية للعراق، التي استغلت الحرب الدائرة وقامت باحتلال عدد من المنابع النفطية العراقية وسرقة إنتاجها، ودول الخليج مجتمعة قامت بزيادة معروضها النفطي في الأسواق العالمية بتحريض من الأسياد الأمريكان، لينخفض سعر النفط من حوالي 35 دولار للبرميل إلى 8 دولارات، في وقت كان العراق بأشد الحاجة للأموال بعد هذه الحرب المدمرة، وإضافة إلى ذلك، بدأت الدول الخليجية وفي هذه الأزمة تُلح على العراق باسترداد ديونها وقت الحرب.

رُتبت الاجتماعات بين العراق والكويت في بداية الأزمة برعاية سعودية لحل الأزمة، والذي تبين من تسريبات منظمة التحرير لضبوط الاجتماعات أن السعودية لم تكن طرفاً محايداً كراعي للوساطة، فقد نشرت رسالة من أمير الكويت إلى ولي عهده ورئيس وفده المفاوض في جدة يقول نصها: نصيحة إخواننا السعوديين أن تتشدد مع العراقيين ولا تعطيهم أي وعود بانفراج الأزمة، وتبقي مطالبنا عند أعلى مستوى، فلن نخرج من الحقول العراقية ونريد ديوننا فوراً. وهذا دليل دامغ عما يريده الأمريكان وصنائعهم من العرب، إلا أن القيادة العراقية أيضا كانت تتسم بالحماقة في حل الأزمة .

دخلت الجامعة العربية على خط الأزمة، فدعا الرئيس المصري إلى قمة عربية لمناقشة الأزمة، خرجت نتيجتها بإخراج العراق من الكويت وتأييد التحالف الدولي، ولأول مرة يُتخذ قرار قمة في الجامعة العربية بالأكثرية مع أن ميثاق الجامعة ينص على أن القرارات تؤخذ بالإجماع، وكانت أيضا أسرع قمة إذ منع الرئيس المصري النقاش بالموضوع، واكتفى بطرح مشروع القرار على التصويت. ومع تحذيرات بعض الرؤساء بأن القرار  مخالف لأنظمة الجامعة إلا أن رئيس مصر المخلوع اعتبر أنه نال شرعية القمة في غزو العراق. حاول بعض القادة العرب الضغط على العراق للخروج من الكويت بدون حرب، وانتزع حسين ملك الأردن، الذي لم يُخف تعاطفه مع العراق هو وياسر عرفات، موافقة صدام حسين على ذلك خلال عدة أيام، إلا أن قرار الجامعة أفسد الحل .

لا ننسى في هذا الصدد اجتماع السفيرة الأمريكية في العراق مع صدام، وقد قالت فيها، بما معناه، أن أمريكا لن تتدخل في النزاع العراقي الكويتي بما اعتبره القائد “الملهم” ضوء أخضر له للتصرف كما يريد .

في يوم 2 آب/اغسطس عام 1990 اجتمعنا مجموعة من الأصدقاء، بعضهم عائد من الكويت في إجازته السنوية، وتداولنا الأمر، البعض كان متحمساً لخطوة العراق كونها تُنهي حكم العائلة لدولة فاحشة الثراء لا يزيد تعداد سكانها عن مئات الألوف وتحرم حوالي ربع السكان من الجنسية مع أنهم كويتيون، وتُعامل الوافدين إليها بتمييز واضح عن مواطنيها الأصليين وتعمل بنظام الكفالة العنصري، وإذا بقيت عشرات السنين في الكويت لن يكون لك حق الإقامة الدائمة أو الجنسية كما في دول الغرب. وأن هذا العمل قد يكون خطوة على طريق إنهاء كل الكيانات والمشيخات المصطنعة المحكومة من عوائل وأسر عفا عليها الزمن في عصرنا هذا، والبعض الآخر كان ينظر من زاوية أخرى، فهذا العصر ليس عصر التوحيد بالقوة كما فعل بسمارك في ألمانيا، ونحن كعروبيون نرى أن الوحدة هي عمل طوعي وشعبي ولا يُفرض بالقوة، وتحضرني هنا واقعة، فبعد قيام بعض الضباط السوريين بفك عرى الوحدة مع مصر، وبعد أن توضحت أمامهم الكارثة التي صنعوها بحق الأمة، ذهب منهم وفد إلى القاهرة ليقابل عبد الناصر، ومع أن المفروض اعتقالهم ومحاكمتهم على قيامهم بانقلاب على حكومة شرعية، إلا أن عبد الناصر قابلهم بكل أريحية، وعندما طلبوا منه أن يعيدوا الوحدة بانقلاب يقومون به، رد عليهم بأن الوحدة أقدس من أن نفصلها بانقلاب ونعيدها بانقلاب، وكان من وعي عبد الناصر واستيعابه لظروف المرحلة أن منع حاكم العراق عبد الكريم قاسم من ضم الكويت وأرسل قوات عربية بقيادة مصر، وليس بقيادة أمريكا للدفاع عن الكويت بعد انسحاب البريطانيين منها مما أدى لتراجع قاسم العراق  عن ضم الكويت وانتهاء الأزمة، وبشأن ثروة الأمة المنهوبة من العوائل الحاكمة، فهي منهوبة أيضاً في كل البقاع العربية من مختلف الأنظمة رجعية كانت أم تدعي الثورية، فالوطن العربي كله تحكمه مافيات مرتبطة بالفساد والنهب العالمي، وسيأتي اليوم الذي تتحرر فيه أمتنا من الطغيان والفساد .

في خضم الأزمة وبعد احتلال الكويت أدان حزبنا حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي والتجمع الوطني الديمقراطي في سورية الدعوات لتحرير الكويت بالقوة وتحت قيادة المستعمرين الغربيين بما يعيد الطامعين بالوطن للعودة إليه خصوصا أن السعودية ودول الخليج فتحت أراضيها للقواعد العسكرية الأجنبية من جديد والتي بقيت إلى اليوم بعد ثلاثين عاماً من الأزمة وسبعة عشر عاماً من احتلال العراق في حرب الخليج الثانية، كما عادت القوات الغربية إلى العراق وسورية والأردن وليبيا و و . كما قرر الحزب إرسال وفد إلى مصر من ثلاثة من المكتب السياسي، كنتُ بينهم، لتدارس الأزمة مع الأحزاب والفعاليات الثقافية والنقابية المصرية، والخروج بموقف موحد يدعو إلى حل الأزمة سلمياً بما يحفظ للأمة كرامتها وقوتها .

اجتمعنا مع قادة الأحزاب المصرية عدا الحزب الحاكم؛ حزب التجمع التقدمي الوحدوي برئاسة خالد محي الدين عضو مجلس قيادة الثورة، ورفعت السعيد الامين العام وحزب العمل الاشتراكي، برئاسة المهندس ابراهيم شكري، ثم وكيل مؤسسي الحزب الاشتراكي الناصري ـــــــــ تحت التأسيس  المرحوم المناضل الناصري الصلب فريد عبد الكريم وبعض قيادات الحزب، واجتمعنا بمن اعتقلوا من  قِبل السادات من القيادات الناصرية وسجنوا في 13  مايو/أيار 1971 علي صبري وسامي شرف وضياء الدين داود ومحمد فائق ومحد فوزي والقائمة تطول، وأصدرنا بيانات مشتركة وُزعت على وسائل الإعلام للنشر. كما حضرنا عدة صالونات سياسية برفقة المناضل جاسم علوان، كون الحرب اقتربت وأوقف الطيران من مصر، لنبقى سبعة عشر يوماً بعد أن كان مخطط لنا أن نبقى ثلاثة أيام، كان صالون المفكر العروبي الإسلامي محمد أحمد خلف الله الذي ترأس الكثير من المجلات الثقافية العربية، كان وقتها يرأس مجلة الثقافة الكويتية التي استقال منها عند انفجار الأزمة، وخط رسالة لإدارتها يتهم الكويت فيها بلعب دور سلبي على المستوى العربي بما يخدم مصالح الاستعمار والصهيونية أعداء أمتنا.

كما قمنا بلقاءات في نقابة الصحفيين ونقابة المحامين، أجمع فيها الجميع على الحل العربي والسلمي للأزمة.

اللقاء الأخير قبل العودة إلى دمشق كان مع المحامي اللامع أحمد الخواجة نقيب المحامين المصريين ورئيس اتحاد المحامين العرب الذي حكى لنا قصة لقاءه بصدام بعد عقد مؤتمر المحامين العرب في بغداد لتهنئة العراق بانتهاء الحرب, وتم اللقاء في عام 1989 اثر انتهاء الحرب، وفي البداية تكلم أحمد الخواجة طبعا موجها كلامه لصدام وركز على العلاقات العربية- العربية وعلى التضامن العربي وعلى حل الإشكالات في العلاقات العربية بروح الأخوة والعيش المشترك ودعا إلى علاقات اقتصادية وفتح الحدود أمام العمالة العربية وتوثيق العلاقات وإلغاء الحواجز بين الأقطار العربية، وقام بإهداء الرئيس العراقي سيف اتحاد المحامين العرب داعياً إياه إلى الاهتمام بحل المشاكل العربية بطرق سلمية.

بعدها قام الرئيس العراقي بإلقاء كلمة أهم ما جاء فيها أن الزعيم العربي الذي يحل مشاكله مع اخوانه العرب بالقوة هو مجرم ويستحق المحاكمة، وبعد أشهر قلية احتل الكويت .

عندما سُئل بعد احتلاله الكويت لماذا لم تكتف باحتلال المناطق المتنازع عليها، كان ذلك سيجنب العراق المأساة قال: أخاف أن جيشي لن يقبل بالتوقف قبل إتمام المهمة .

قادةٌ منفصلين عن الواقع، مصابون بجنون العظمة، قادوا أحزاباً شوفينية دمروا البلاد ومازالوا يبثون الوهم بأنهم بُناتها.


محمد عمر كرداس
كاتب وسياسي سوري