الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

اللحظة المناسبة لأمريكا لخلق توازن جديد للسلطة في سورية *

راتب شعبو **

يمر بشار الأسد اليوم في أضعف حالاته. فالمظاهرات التي شهدتها السويداء مؤخراً، والقمع الوحشي الذي تعرضت له على يد الأجهزة الأمنية، والهتافات ضد النظام بحفل تخرج للواء ضمن الفرقة الخامسة وإعلانه شبه استقلال لدرعا عن دمشق، تظهر عجز نظام الأسد عن تعزيز سلطته بما يكفي لإنجاز مصالحة. ومن المثير للسخرية أن إعلان أبناء درعا ذاك، تم بحضور الروس، الأمر الذي يشير إلى تراجع الدعم الذي يلقاه الدكتاتور المتوحش من أهم حليف له. إلى ذلك، فإن المشاركة شبه المعدومة للأقليات السورية (المسيحيون، الدروز، العلويون) في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 19 تموز الماضي، تظهر أن الأسد فقد موقعه بوصفه حامي الأقليات التي كانت ركيزته الصلبة. على الولايات المتحدة أن تغتنم هذه اللحظة لتغيير المشهد السوري وخلق توازن جديد للسلطة في دمشق.

يتهرب الأسد من مشاكله الداخلية ويسعى إلى حشد من تبقى من مؤيديه عبر التوجه لقتال تركيا في محافظة إدلب. تدافع تركيا عن مواقعها وتقف بحزم في وجه مساعي النظام للتقدم، حتى أنها ضربت قاعدة لقوات سورية الديموقراطية (قسد) تحوي جنود روس، في رسالة تقول إنه حتى روسيا لا تستطيع إخافة تركيا. ولحفظ ماء الوجه، أوقف الأسد الهجوم على إدلب بزعم أنه يريد حماية قواته من فيروس كوفيد 19.

روسيا، من ناحية أخرى، بلغت حدها الأقصى في سورية. فحليفها يعيش في فقاعته الخاصة بعيداً عن الواقع، ولا يرغب، وهو يهجس بالانتصار، في تقديم أي تنازلات للتوصل إلى حل سياسي. وعليه فقد تحول الأسد إلى عبء على روسيا أكثر منه مكسباً لها, لبنان، الذي كان رئة النظام السوري، يرزح تحت وطأة مشاكله الاقتصادية، وهذا ما يجعل الوضع الاقتصادي في سوريا أكثر سوءاً، حيث يعيش أكثر من 80% من السوريين تحت خط الفقر، وهذا يرتب المزيد من الضغط على الوجود الروسي في سورية. ولكن رغم الموقف الضعيف للأسد، فإن تركيا لا تحقق أي تقدم على الأرض ويبدو الوضع في شمال غرب سوريا راكداً.

سوف تحقق الولايات المتحدة مكسباً مهماً جراء قانون قيصر، إذا أحسنت استثماره. يفترض بقانون قيصر أن يجفف منابع دخل النظام السوري، غير أن القانون، حتى الآن، نجح في توجيه رسائل سياسية أكثر مما أضر بالنظام اقتصادياً. فهناك شخصيات تجري صفقات في لبنان وسوريا لم تطلها العقوبات بعد. فضلاً عن أن عملية فرض القانون تسير ببطء. على أمريكا أن تكون صارمة في تطبيق العقوبات على الأفراد والشركات وحتى الدول التي تساعد الأسد. لا ينبغي استثناء أحد، بمن فيهم حلفاء الولايات المتحدة، من العقوبة على أي نشاط خارج المساعدة الإنسانية التي يجب مراقبتها عن كثب، ذلك أن نسبة مهمة من مساعدات الأمم المتحدة كانت تمر عبر جمعيات خيرية تابعة للأسد، بعض هذه الجمعيات يمثلها أعضاء برلمان بارزون. لذلك، على الأمم المتحدة أن تدقق في قنوات إيصال المساعدات بالاعتماد على رقابة وتدقيق طرف ثالث بغرض إبعاد النظام عن العملية.

على أميركا أن تعلن تأييدها لأن تقوم تركيا بشن هجوم عسكري يجبر الأسد على التراجع عن الهجوم وتقدمه في ادلب ، ما سيظهر الأسد ضعيفاً ويتسبب في خسارة شرعيته أمام أنصاره، وسيكون في هذا مكسب كبير لإدارة ترمب.

تتجاوز أهمية سوريا حدودها الجغرافية، ولذلك فإن الأزمة تسبب مشاكل كبيرة لحلفاء أمريكا. بالنسبة للسعودية وإسرائيل، فإن الأزمة ساعدت إيران على التمدد. وبالنسبة لأوروبا، فإنها ولدت موجات عديدة من اللاجئين. كما أنها شجعت على تزايد الإرهاب، الذي ظهر في عديد من الهجمات في أوروبا، وولد مشاكل اجتماعية داخلية وزاد من فاعلية اليمين المتطرف.

إن حل الأزمة السورية سوف يخدم أوروبا ويساعد على تعزيز روابطها مع أمريكا. وعليه، هناك حاجة ملحة لإنهاء الحرب وتسهيل عودة “آمنة، وطوعية، وكريمة” للاجئين السوريين وفق قرار مجلس الأمن رقم 2254.

على إدارة ترمب، بعد إظهارها الانخراط الجدي في حل الموضوع السوري، دعوة روسيا وتركيا لعقد صفقة بخصوص انتخابات الرئاسة السورية في 2021، صفقة تستبعد الأسد. ويمكن تقديم هذه الصفقة إلى مجلس الأمن الدولي على شكل قرار بشأن سورية.

إذا قامت الولايات المتحدة بذلك، تكون قد اغتنمت فرصة فريدة لتحقيق التغيير، والخلاص من نظام متداع. الكرة الآن في ملعب الولايات المتحدة.

* بقلم: (أيمن عبد النور و دانيا قليلات خطيب)

** طبيب وكاتب سوري

المصدر: نواة سوريا