الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الوطنية وجدل الخارج والداخل

حسام ميرو *

في مثل هذه الأيام، تمر الذكرى المئة لـ«معركة ميسلون»، والتي كان من نتائجها دخول القوات الفرنسية إلى سوريا، بعد أن قرر وزير الحربية السوري ’’يوسف العظمة‘‘ أن يواجه قوات الجنرال “هنري غورو”، مع معرفته المسبقة بأن المعركة مع الفرنسيين خاسرة عسكرياً. فقد كانت القوات الفرنسية تتألف من تسعة آلاف جندي محترف، وأسلحة حديثة من رشاشات ودبابات، بينما قاتل العظمة بجيش من ثلاثة آلاف مقاتل، غالبيته من المتطوعين، وبأسلحة تقليدية، لكن تلك المعركة ذات النتيجة المحسومة لمصلحة العدو الفرنسي، أسّست في معانيها ودلالاتها القريبة والبعيدة لمعركة المقاومة ضد الاحتلال، بل يمكن القول بثقة كبيرة إن سوريا ولدت يوم استشهد ’’يوسف العظمة‘‘.

في تلك المرحلة التاريخية المتداخلة من حيث المعطيات، بعد نهاية السلطنة العثمانية، وبدء تقسيم المنطقة بين الانتدابين الفرنسي والبريطاني، وقياساً إلى مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي، والمعاناة الكبيرة لمختلف الشرائح، جاء موقف وزير الحربية ’’يوسف العظمة‘‘ بمثابة خط فاصل وحاسم على مستوى التاريخ، بوضع الوطنية في المقام الأول، وبتعريفها المباشر، الذي يتمثل بالانتماء أولاً وأخيراً إلى الوطن، في مواجهة العدو، وهو ما يمكن أن نصفه اليوم، ومن موقع الأفضلية الزمنية، بأنه وضع حداً مفاهيمياً رئيسياً، يتمثل برسم الحدود بين الداخل والخارج.

في التفاصيل السابقة لمعركة ميسلون، يجب ملاحظة أن الحكومة السورية آنذاك، والتي ينتمي إليها ’’يوسف العظمة‘‘، كانت قد وافقت على بنود إنذار الجنرال “هنري غورو”، والذي تضمن خمس نقاط، من أبرزها قبول الانتداب الفرنسي، وحل الجيش، والتعامل بالنقد الورقي الذي أصدره مصرف سوريا ولبنان في باريس، لكن موافقة الحكومة، انطلاقاً من تقييم موازين القوى، قابله موقف ’العظمة‘ انطلاقاً من موقف وطني، ليس قفزاً عن تلك الموازين، بل من وعي كامل بضرورة إبداء موقف وطني/ أخلاقي، بوصفه مواطناً سورياً بالدرجة الأولى، وبوصفه ممثلاً للنخبة العسكرية.

خلال القرن الفاصل بين معركة ميسلون وواقعنا الراهن، شهدت سوريا، كما العالم العربي، ولادة معظم الدول العربية بحدودها المعروفة اليوم، وعرفت الساحات السياسية أطروحات فكرية وسياسية وإيديولوجية عديدة حول الوطنية وما يحيط بها من مفاهيم، وبوصف أدق، يمكننا القول إن الوطنية تداخلت في جدل كبير وواسع مع مفاهيم أخرى، فقد قدّمت معظم التيارات الإيديولوجية تنظيراتها حول الوطنية، تلك التنظيرات التي تحوّلت في قسم كبير منها إلى إشكالات نظرية، ومشكلات واقعية، لا تزال تفعل فعلها في واقعنا الراهن، وتؤدي في أحيان كثيرة إلى نتائج كارثية.

في سياق الدولة، كمفهوم ومؤسسات ونخب، يأخذ مفهوم الوطنية صيغاً عديدة، تفرضها إشكالية الانتقال من الأخلاقي المجرد إلى التمظهر، وتلعب المفاهيم والمصالح والقيم دوراً مهماً في شكل ومعنى البنى التي يتمظهر فيها مفهوم الوطنية، فالممارسة الحديثة للسياسة، بوصفها في أحد جوانبها مسألة إدارة وتنظيم للمجتمع، من شأنها أن تبرز التباينات بين القوى السياسية والإيديولوجية حول جملة المفاهيم المؤسسة للعمل السياسي، ومن بينها، وأحياناً في مقدمتها مفهوم الوطنية.

وإذا ما أخذنا بالحسبان كل التطور الذي شهدته المفاهيم والممارسات السياسية منذ قرن، يمكننا القول إن مفهوم الوطنية يؤسس حدوداً مع الخارج، انطلاقاً من كونه مفهوماً مؤسساً لانتماء الجماعة الوطنية «الشعب»، ومؤسساً لمصالح الدولة، بوصفها المسؤولة عن مصالح الشعب، وفي الوقت ذاته يؤسس لعلاقات بين مكونات وأفراد المجتمع الواحد، على قاعدتي الوطنية والمواطنة، فلم تعد الوطنية مسألة متعلقة برسم الحدود بين ما هو داخل الوطن وخارجه، بل مسألة تفاعلية بين مكونات الداخل، أي مكونات الوطن الواحد.

تطرح الوطنية، وبحسب كل ظرف تاريخي أسئلة شائكة على المواطنين والنخب السياسية، وتكون تلك الأسئلة أكثر حدة في اللحظات التي تعاني فيها الدولة تهديدات لوجودها الكياني، وهو الأمر الذي تشهده بعض الدول العربية منذ سنوات، كما في سوريا وليبيا والعراق واليمن، حيث تتحالف القوى المتداخلة في الصراع مع قوى وإقليمية خارج الحدود، من دون أي اعتبار لما تخسره من وطنيتها في تلك التحالفات، أو ما تفقده من «الوطنية».

* كاتب وباحث سوري

المصدر: صحيفة الخليج