الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الطريق السوري الى الوحدة (3/4) – الدكتور جمال الأتاسي

الوحدة والطريق إلى الوحدة في الحقبة الناصرية:

أياً ما كانت التقييمات المختلفة التي جاءت لتلك الحقبة من حياة أمتنا العربية والتي عاشتها تحت أعلام الثورة الناصرية، فإنها تبقى حقبة النهوض البارزة في هذا العصر لأمتنا، ويبقى عنوانها الكبير النضال في سبيل تحررها وتقدمها ووحدتها. وتلك تبقى شهادة التاريخ، كما قال جمال عبد الناصر في آخر كلماته إلى الأمة، شهادة ” .. مبرأة من العُقد ومن الأهواء ومن التحزب ومن النسيان .. ”

ونحن نسميها حقبة ناصرية، بالنسبة للأمة وشعوب الأمة وحركة القومية العربية عامة، تلك الحقبة من تاريخ نضالنا العربي، التي كان المدخل إليها قيام حركة الضباط الأحرار بثورتهم الوطنية في 23 تموز/ يوليو عام 52 . ولكن ناصريتها، أي ثوريتها الحقة كثورة قومية عربية تقدمية، ما برزت وتوضحت إلا عندما أمسك عبد الناصر بزمام الأمور عام 54 وأبعد عن رئاسة الدولة والحكم تلك الواجهات التقليدية والانتقالية وسد طريق الرجعة والردة، وأخذ يتوجه بخطابه مباشرة إلى الشعب، في كل القضايا، وليرتفع بالوعي السياسي للشعب. وحين أخذ يتوجه بخطابه إلى الأمة وشعوب الأمة، ومنذ أن أطلق صوت مصر الثورة إلى العرب، من إذاعة “صوت العرب”، منادياً : ” أخي العربي، ارفع رأسك يا أخي وانهض فقد انتهى عهد الاستعباد “. ومنذ أن أعطى للثورة ولمصر وشعب مصر هويتها القومية العربية الخالصة، وأكد في كلمة له بمناسبة العيد الثاني للثورة ” نحن أمة عربية واحدة، هذا أول الطريق وآخره… “، ولكنه انتظر أن يُنجز مهمات للاستقلال الوطني الكامل لمصر وتوقيع اتفاقية جلاء القوات البريطانية عن قاعدة قناة السويس في اكتوبر عام 54 ، ليمسك بمشروعه القومي، وليمد لا البصر والفكر وحده وانما الاهتمام والحركة والعمل إلى المشرق عبر سيناء وما بعد سيناء، ولينطلق بمصر الثورة ورسالتها إلى الدوائر الثلاث لحركتها، العربية أولاً ومنها إلى الاسلامية والإفريقية. ولينتقل بثورة يوليو من طورها المصري الوطني الأول، إلى طورها القومي العربي الأشمل، ولتأخذ مصر الثورة دورها كقاعدة ثابتة ومرتكز لحركة التحرر العربي ولما هو أبعد، ولتأخذ مسؤوليتها كاملة في الاهتمام بكل قضايا الأمة العربية. وباسم الأمة، وفي حالات عديدة نيابة عن الأمة كلها، خاضت المعارك والحروب ضد أعداء الأمة، ودفاعاً عن وجودها وحقوقها وأرضها.

ملاحم كبرى خاضها عبد الناصر وخاضتها مصر عبد الناصر، من ملحمة تأميم قناة السويس وصد العدوان الثلاثي، إلى ملحمة وحدة القطرين وإلى إسقاط حلف بغداد والأحلاف الاستعمارية ومبدأ إيزنهاور، كلها معارك خاضها وشعوب الأمة معه . ولقد ساند وأمدّ كل ثورات شعوب الأمة، من ثورة الجزائر إلى ثورة العراق وثورة اليمن . وكل انتصار كان انتصاراً للأمة ووحدة مصير شعوب الأمة. وصار عبد الناصر بمواقفه وهو التعبير عن الأمة كلها وطموحات الأمة، بل وحتى الانكسار في حرب حزيران عام 67 صار انكساراً للأمة كلها. ولكن عبد الناصر قـدر على النهوض من جديد وبإرادة شعوب الأمة، ليقف في وجه الهزيمة ولإزالة آثار ذلك العدوان على الأمة، كما لم ينهض أحد بمصر وقوة مصر وبتلاحم قوى الأمة معها، لإزالة لطخة الهزيمة عن علم الثورة وليرفع آثارها عن كاهل الأمة وأرضها. ولكنه قضى قبل أن يبلغ بالأمة ذلك الهدف الذي حدده طريقاً لتستأنف الأمة بعده مسيرتها إلى أهدافها الكبرى وإلى الوحدة. وطويت تلك الحقبة وهي ما طويت إلا عندما وقف السادات بحركة الجيوش وبقوة الأمة المساندة لحركة الجيوش. في حرب تشرين، كما كان قد رسم وأعد عبد الناصر، لتقف، بعد العبور، وليتحول السادات بمصر عن الناصرية وطريق عبد الناصر، إلى طريق كمب دافيد وأمريكا، لتنعكس الأمور ويتحقق الهدف الذي رمى إليه عدوان حزيران وكل عدوان على الأمة العربية ووحدة الأمة، في نزع الناصرية عن مصر وعزلها عن أمتها وعن دورها القيادي لأمتها.

تلك هي الصورة التي تشكلت في إدراكنا هنا من سورية لمصر عبد الناصر وللدور الذي أخذه عبد الناصر في قيادة الأمة. إنها صورة لم تأت دفعة واحدة ولا دخلت تسللاً ، بل هي جاءت عبر عملية نضج سياسي وانضاج في وعي شعبنا، تقدمت طوراً بعد طور، وعبر معارك النضال التي خاضها الشعبان في مصر وسورية، وكان لخطاب عبد الناصر المتوجه مباشرة إلى الشعوب وحركة الشعوب، موضحاً كل موقف وكل خطوة وكل قضية، الدور الكبير. ومن خلال هذا الإدراك صار خيار الشعب السوري لطريق الوحدة مع مصر خياراً ملحاً ولا تراجع عنه. ولقد استمر إلحاحه والدفع إليه طول تلك الحقبة الناصرية، وليبقى من بعدها رصيداً لتطلعات مستقبلية.

فكيف تشكل وقام ذلك الطريق السوري إلى الوحدة وماذا جاء عليه وتقدم إليه، ليصبح طريق سورية إلى الوحدة مع مصر عبد الناصر، وهي الطريق لتغلُبها على مصاعبها وانقساماتها الداخلية، وللوقوف في وجه الضغوط والمؤامرات الخارجية، التي تتهددها بالإخضاع والاحتواء أو الغزو.

عندما قامت حركة الضباط الأحرار بالثورة في مصر عام 52 كانت سورية تعيش تحت وطأة الانقلابات العسكرية المتوالية، وكانت تعاني من كل ما أنتجه في المنطقة وداخل المجتمعات العربية، انكسار جيوش الأنظمة العربية أمام “العصابات الصهيونية” وقيام الكيان الإسرائيلي، ثم من كل ما صارت إليه أحوال المنطقة العربية وما أدخلته عليها القوى الغربية من ترتيبات وتحالفات بل ومؤامرات لإخضاعها لمصالحها، ومخططاتها في المواجهة مع الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشيوعي. فالقوى الوطنية التقدمية والقوى القومية في سورية، التي كانت تعيش في دوامة الصراع الداخلي بين القوى على السلطة، والضغوط والتآمر على سورية من الخارج، لم تستكشف من البداية حقيقة ثورة 23 يوليو في مصر ولا حقيقة قيادة عبد الناصر، بل وضعتها في صنف الانقلابات العسكرية التي عانت منها وعانت من استبداديتها، وحتى بعد أن قدرت تلك القوى على إسقاط نظام أديب الشيشكلي الدكتاتوري العسكري في الأشهر الأولى من عام 54 ظلت تتطلع بشكوكها إلى ما يجري في مصر، بل وأظهرت تعاطفاً مع تحركات الأحزاب الرجعية والإخوان المسلمين في نزاعها مع الثورة وقيادة عبد الناصر. ولكن شيئاً فشيئاً أخذت الصورة تتوضح، صورة مصر الثورة والتقدم، وصورة قيادة عبد الناصر للثورة وسياسة عبد الناصر.

وهكذا فإن “صوت العرب” الموجه إلى الأمة وشعوب الأمة، وخطاب عبد الناصر الذي أخذ يرتفع في كل مناسبة وطنية أو قومية وحدث، ومواقف عبد الناصر الجريئة والقاطعة المعادية للاستعمار والمشاريع الاستعمارية والمعادية للرجعية، والتي تسير في خط التقدم والالتزام بمصالح الطبقات الشعبية، أخذت تشد أنظار وعواطف الشعب السوري نحو مصر وقيادة عبد الناصر. بل ومنذ تلك البداية، فإن تعاطف القواعد الشعبية مع مصر عبد الناصر سبق القيادات السياسية والحكومات وصار يشكل عاملاً ضاغطاً عليها باستمرار.

وفي عام 55 ومن مطلعه، أخذ صوت عبد الناصر يرتفع عبر المذياع في الأماكن العامة والمقاهي في سورية ويتجمع الناس ليستمعوا إليه في كل مناسبة وصار الدليل، بل وصارت صورة عبد الناصر تتصدر البيوت. وأخذت الرسائل والوفود الشعبية تذهب إلى عبد الناصر وإلى لقاء عبد الناصر، قبل أن يذهب الرسميون والحكام .

ومنذ بدايات عام 1955 استتبت الأوضاع في سورية لحكم وطني قام على تحالف برلماني وحزبي عريض للقوى الوطنية والتقدمية وعلى ميثاق قومي يؤلف بينها. وصار يتطلع في سياسته العربية إلى التـآزر والتعاون مع مصر أولاً . وهذا الحكم على ما كان يتنازع أطرافه من تناقضات، وما كان يُحاك حوله ويتجاذب فيه من مؤامرات، تكشفت فيما بعد، فلقد أخذ منهجاً ذا طابع وحدوي تحت الضغط الشعبي العام ومظاهراته ومطالبه، وتحت ضغط القوى القومية الوحدوية من داخله وفي مقدمتها حزب البعث العربي الاشتراكي . وهكذا سارت السياسة السورية في خط موازٍ وموثق الخطوات مع سياسة مصر الثورة، من رفض الأحلاف العسكرية وسياسة الأحلاف الموالية للغرب، والوقوف في وجه إسرائيل والعدوان الإسرائيلي المتحفز، إلى كسر احتكار السلاح والتزود بالسلاح السوفياتي، مع الأخذ بسياسة الحياد الإيجابي والوقوف مع جبهة دول عدم الانحياز.

وفي مواجهة التهديدات الإسرائيلية والاستعمارية والرجعية، أخذ التعاون بين مصر وسورية، صيغة التعاون السياسي والتحالف العسكري والمواثيق الثنائية للدفاع المشترك. واللافت للنظر أن الوفد الحكومي السوري الذي ذهب إلى القاهرة لتوقيع ميثاق الدفاع الثنائي عام 55، طرح أمام عبد الناصر مطلب سورية في السير بمشروع لإقامة الوحدة بين مصر وسورية. ولكن الأمور وقفت عند هذا الطرح. أما الحركة الشعبية في سورية فلم تتوقف وظلت تضغط.

وفي 14/ 6/ 56 تشكلت “حكومة قومية” جديدة في سورية، وصار الإصرار على ان ينص البيان الوزاري المقدم أمام المجلس النيابي، صراحة على العمل من أجل تحقيق الاتحاد بين مصر وسورية، وانهالت البرقيات والضغوط الشعبية والمظاهرات من كل المناطق السورية تطالب. واعطى المجلس الثقة للوزارة على هذا الأساس وأقر تشكيل لجنة وزارية لإجراء التفاوض وإعلام مصر بهذا القرار الذي قابله عبد الناصر بالترحاب، ثم جاءت قضية السويس وحرب السويس لتصنع الوحدة في المعركة.

في الخطاب التاريخي الذي ألقاه عبد الناصر يوم 26 يوليو (تموز) عام 56 في الاسكندرية وأعلن في ختامه تأميم قناة السويس، بدأ بوضع القضية في إطارها القومي، كمعركة للأمة وقال عبد الناصر: ” .. وفي المواجهة كلنا نعمل من أجل قوميتنا، كلنا نعمل من أجل عروبتنا، وكلنا سندافع من أجل حريتنا وعروبتنا وسنعمل حتى يمتد الوطن العربي من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، فالقومية العربية تتقدم وستنتصر وهي تعرف طريقها.. ” ثم أضاف : ” .. وأنا اليوم أتوجه إلى إخوانٌ لنا في سورية، لقد قرروا أن يتحدوا معكم اتحاداً سليماً عزيزاً كريماً لندعم مبادئ الكرامة، ولنرسي سوياً قواعد القومية العربية والوحدة العربية . نرحب بكم أيها الأخوة وسنسير معاً متحدين، بلداً واحداً ورجلاً واحداً، وسنسير معاً لنقيم في ربوع الوطن العربي استقلالاً سياسياً حقيقياً واستقلالاً اقتصادياً حقيقياً .. “. وجاء الحديث الذي هز الدنيا، وحرك الأمة وكل شعوب الأمة تطلعاً نحو مصر، كما حرك كل قوى الاستعمار والقوى المعادية للأمة ضد عبد الناصر ومصر عبد الناصر، وما صارت تجسده مصر عبد الناصر كطليعة متقدمة ومقاتلة، لا بالنسبة لحركة التحرر العربي وحدها بل ولكل حركات التحرر الوطني في العالم.

وفي الانتصار لمصر في معركتها الكبرى تلك التي فُتحت، كان الشعب السوري في الطليعة تصميماً والتزاماً بوحدة المصير. ولكن شعوب الأمة كلها تطلعت بنضالها نحو مصر، إنها الوحدة في المعركة كما أرادها عبد الناصر، معركة الأمة مع أعدائها وفي المقدمة إسرائيل .

تشكلت في سورية على الفور بعد التأميم “الهيئة العربية لنصرة مصر”، وفي 16 أغسطس (آب) أضربت سورية إضراباً عاماً وقامت مظاهرات كبيرة عمت أرجاء القطر تحت شعارات نصرة مصر ومطلب الوحدة مع مصر. كما استجابت أكثر العواصم العربية للدعوة لهذا الإضراب بل وإن الثورة الجزائرية يومها شنت سبع هجمات لمقاتليها في وقت واحد ضد مواقع الاستعمار الفرنسي كتعبير عن تضامنها مع مصر.

بات العدوان على مصر وشيكاً، كما كان هناك تحسب من أن تضرب إسرائيل في الأردن أو تضرب سورية. وتحولت اتفاقات الدفاع الثنائية إلى ثلاثية بين مصر وسورية والأردن لتوحيد جبهاتها في المواجهة. وفي عشية 29 أكتوبر (تشرين الأول) بدأت إسرائيل الهجوم من سيناء باتجاه السويس . وفي اليوم التالي جاء الإنذار البريطاني الفرنسي وتكشفت أبعاد العدوان الثلاثي المُبيت. ووقف عبد الناصر قويأ ثابت الجأش ووقف شعب مصر كله وراءه جبهة واحدة يقاتل . ووقفت شعوب الأمة تتطلع إلى مصر، ووقف شعب سورية يطالب بالمشاركة في المعركة.

لم يُرد عبد الناصر توريط الجيش الأردني ولا الجيش السوري في القتال وفتح جبهاتهما أمام إسرائيل، بعد أن تكشفت أمامه أبعاد العدوان ومراميه فمطامع إسرائيل في الأردن لم تكن خافية، كما كانت قد تكشفت خيوط مؤامرة كبرى حُبكت بالتواطؤ مع أطراف سورية لضرب سورية في التوقيت ذاته الذي حُدد لغزو مصر. وطالب عبد الناصر الأردن وسورية بالترقب والحذر، وحمل وشعبه عبء الدفاع لا عن مصر وحدها، بل وعن حرية الأمة كلها.

ولكن الشعب السوري ظل في تحفز وظل في غليان يطلب المشاركة، بل وتحركت بعض مواقعه وقواه من غير أن تنتظر أذناً حكومياً بالحركة. ففي اليوم الثالث للعدوان مثلاً وعندما أخذت الطائرات البريطانية تقصف محطة إذاعة القاهرة وصوت العرب وسكت البث منها لفترة، أخذت الإذاعة السورية على الفور مبادرتها وارتفع صوتها من دمشق يقول هنا القاهرة، وأخذت تبث المارشات العسكرية وتذيع نيابة البرقيات الواردة وأخبار المعارك وتحث على القتال وعلى مشاركة الأمة . وذهب فصيل من الجيش السوري بتوجيهات مباشرة من المكتب الثاني، فقام مع مجموعة من العمال بنسف أنابيب النفط عند ثلاث محطات للضخ، فقطع كل سبيل لإمداد القوات البريطانية والغرب بالنفط العراقي، وأعلن اتحاد العمال مسؤوليته عن الحادث، وهكذا وضع الشعب السوري نفسه في قلب المعركة.

ومعركة مصر وملحمة بورسعيد عاشتها الأمة وشعوب الأمة كلها وصارت تاريخاً جديداً للأمة . وأثبتت مصر أنها القلعة الحصينة بشعبها وقيادتها والطليعة المقاتلة للأمة. انتصرت مصر عبد الناصر، وخرج عبد الناصر من المعركة بطلاً للأمة ورمزاً لعنفوانها، وصار قائداً لشعوب الأمة كلها تتوجه إليه بأنظارها من غير مُنازع . وتأكدت من جديد بالنسبة لسورية طريقها إلى الوحدة كما لم تتأكد في أي فترة مضت: الطريق إلى مصر موئلاً ومرتكزاً وإلى عبد الناصر قائداً ورئيساً .

انحسر العدوان الثلاثي عن مصر بعد أن فشل في إسقاط عبد الناصر وإسقاط الثورة في مصر، وفشل في عزل مصر وإبعادها عن قيادة أمتها . فتحول العدوان، بعد أن صار رباعياً بانضمام الولايات المتحدة الأمريكية وطرحها مبدأ إيزنهاور لسد الفراغ ، تحول باتجاه سورية ولضرب سورية وعزلها عن مصر، وضرب التوتر التقدمي والوحدوي لشعبها، وما يحرك في المنطقة شعبها . وعمد إلى تحريك التآمر والمؤامرات داخلها، ومحاصرتها بحلف بغداد وبتهديدات قوات حلف بغداد، وقام الشعب السوري بدوره للمواجهة . وعندما حُشدت الجيوش على الحدود التركية والعراقية في خريف عام 57 وبات العدوان وشيكاً أرسل عبد الناصر بقطعات من الجيش المصري(3) لترابط إلى جانب الجيش السوري وأرفق ذلك بحملة إعلامية تؤكد وقوف مصر في المعركة مع سورية.

كان عبد الناصر، وفي حديث له مع ’’كرانجيا‘‘ في 10 مارس (آذار) من ذلك العام 57، قد أجاب على سؤال بشأن الوحدة العربية بقوله: ” .. أنا لا أفكر الآن في أي نوع من الاتحاد الفدرالي أو التعاقدي أو غيرها من أشكال الوحدة بين الدول العربية، ولكنني أوجه عنايتي أولاً إلى اتحاد أفكارنا وإيماننا بالقومية العربية . وقد أثبت التاريخ أن توحيد جبهة العرب كان السبيل إلى نجاحهم في قهر العدوان عليهم والمحافظة على استقلالهم .. ” وجاء كلام عبد الناصر وقتها في الرد على ما كانت تثيره القوى المعادية من دعايات تتهم عبد الناصر بالتطلع إلى مد سلطان مصر إلى الجوار واقامة امبراطورية له . ولكنه وبعد هذا ظل يقول: ” .. لا يمكن أن تقوم هناك وحدة إلا إذا تحققت مقوماتها برابطة قوية لا تنفصم عراها من النواحي الثقافية والاقتصادية والسياسية والعسكرية .. ”

ولكن الأمور على الجانب السوري، بل وعلى صعيد التحركات الشعبية والبرلمانية للقطرين، لم تعد تقبل الانتظار وصارت تستعجل الخطوات.

ذهبت وعادت وفود برلمانية ووفود شعبية عديدة إلى مصر وللقاء عبد الناصر رافعة مطلب الوحدة واستعجالها.

وبعد توجيه دعوة من رئاسة المجلس النيابي السوري (أكرم الحوراني) إلى رئيس مجلس الأمة المصري (عبد اللطيف البغدادي)، جاء إلى سورية في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) وفد يضم أربعين عضواً من مجلس الأمة وعلى رأسهم أنور السادات، ونزل الشعب السوري كله مرحباً منادياً بالوحدة وعبد الناصر. وعقدت جلسة مشتركة في البرلمان السوري جلس فيها أعضاء مجلس الأمة على مقاعد النواب إلى جانب السوريين ورفع على صارية المجلس العلم المصري إلى جانب السوري، وكانت جموع لا تُحصى تحيط بالمجلس هاتفة عندما صودق في تلك الجلسة على مشروع قرار مشترك بإلزام الحكومتين المصرية والسورية، بالدخول فوراً في مباحثات لاستكمال أسباب اتحاد البلدين . وفي اليوم التالي ومن غير تأجيل، أقر المشروع مجلس الأمة المصري . وبدأت الأمور تتحرك، وظل الشارع السوري يضغط ولا يتوقف، ولكن اعداء الوحدة ومن لا يرون مصالحهم في تلك الوحدة أخذوا يتحركون أيضأ ويحركون الدسائس .

منذ اليوم الأول لعام 1958 صار الدفع على طريق الوحدة في الجدول اليومي لحركة القوى والأحداث . وبينما كانت قيادات البعث كلها مجتمعة، القيادة القومية والقيادة القطرية للحزب واللجنة البرلمانية، تتدارس صياغة مشروع لوحدة فدرالية تجمع مصر وسورية ومنفتحة لغيرهما من الأقطار العربية المتحررة، ومشروع دستور لدولة الوحدة، جاء اللواء حافظ اسماعيل إلى دمشق لينقل وجهة نظر عبد الناصر فيما يتعلق بالدفع على طريق الوحدة، إلى قيادة الجيش السوري ومجلس ضباطها وإلى وزير الخارجية صلاح الدين البيطار، مطالباً بعدم استعجال الأمور، والاكتفاء في الوقت الحاضر بتشكيل لجان لمختلف المجالات للبحث والإعداد، قائلاً ان الوصول إلى وحدة سياسية ودستورية يمكن أن يتطلب خمس سنوات من العمل . كما عبر عن التحسب من تبدلات مفاجئة يمكن أن تقع . ولكن الرد السوري جاء فورياً ولم ينتظر ففي ليل 11 يناير (كانون الثاني) طارت القيادة العسكرية السورية بجمعها إلى القاهرة، ولحق بها بعد يومين وزير الخارجية يحمل قرار الحكومة، والبقية قصة معروفة ومازال يدور حولها جدال، إلى أن اتخذ عبد الناصر قراره وقامت الوحدة، وذلك النظام الذي قام لدولة الوحدة.

لعلني أسهبت في سرد تسلسل الأحداث والمواقف التي أوصلت إلى تلك الوحدة، لأمسك منها بمعالم تلك الطريق السورية التي أوصلت إلى الوحدة، والتي تقطعت من بعدها الدروب وتعثرت . إلا أنها تظل تدل سورية إلى مصر وتظل تدل مصر إلى سورية بعد كل ما قام ويقوم من حواجز وبعد كل ما قام بعد تلك التجربة من محاولات وتجارب.

ولكن الحقبة الناصرية لم تقف عند وحدة عام 58 أو عند انفصالها بل ظل لها تواصلها وامتدت بعدها بل وظل لها تواصل في سورية، ولدى الحركة الشعبية المتحفزة في سورية.

من الوحدة إلى الانفصال الصعب:

في مذكرة للأستاذ حسنين هيكل سجلها عن لقاء مع عبد الناصر في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 61، أي بعد مرور أقل من شهرين على واقعة الانفصال، ينقل عن عبد الناصر قوله: ” .. لقد ثبت أن الوحدة ممكنة . والآن يظهر وغداً سوف يتحقق أكثر، أن الانفصال صعب . والآن فإن تركيز العمل العربي يجب أن يكون في مصر، فمصر يجب أن تصبح بالفعل الدولة النواة في الوحدة العربية الممكنة . وأن تصبح النموذج الذي يمكن أن يقدم المثل لبقية الأمة . فهي الآن بالتعبير العسكري القاعدة الحصينة التي يمكن الدفاع عنها والبقاء فيها .. ”

ولقد بقي عبد الناصر في مصر، ولكنه أبقاها “جمهورية عربية متحدة”، وقام يبني ويحصن، ولكنها بقيت في تطلعات الشعب السوري موئل الوحدة ونواتها . وكانت ضربة الانفصال قد أخذت الشعب على حين غرة، ونزل الشعب بكل غضبه إلى الشوارع مستنكراً ويؤكد التمسك بالوحدة . ونزل على عفويته ومن غير قيادات يدافع، وكان من نقائص حكم الوحدة في سورية ” الإقليم الشمالي” أنه أخلى الساحة من القيادات السياسية والحزبية ولقد ظل الانفصال صعباً ولم يقو على الاستقرار، وظل شعار عودة الوحدة وعبد الناصر المحرك للنضال الشعبي الذي لم يتوقف . وعندما قامت “ثورة 8 آذار” في دمشق أبرقت القيادة العسكرية لتلك ” الثورة ” إلى عبد الناصر تقول : لقد ثأرنا للانفصال ومحونا عاره. وأصحاب 8 آذار خلعوا القوى الانفصالية من الحكم لكنهم لم يخلعوا الانفصال ولم يذهبوا بالوحدة إلى مصر ولم يأتوا بـ عبد الناصر إلى دمشق . وطُرح في الشارع السياسي شعار الوحدة المدروسة والوحدة الثلاثية التي تجمع سورية ومصر والعراق، لتعود الوحدة شعاراً ولتبقى شعاراً حتى الآن: ونزلت الجماهير الوحدوية الغفيرة إلى الساحات تطالب – وتضغط بعد أن لم تجد أمامها طريقاً ملموسة ومباشرة تضع هذا الشعار موضع الممارسة.

إن مجريات مباحثات الوحدة الثلاثية التي جرت في القاهرة بين عبد الناصر والأطراف السورية والعراقية في آذار ونيسان عام 63 مسجلة ومنشورة لمن يريد العودة إليها، وهي معروفة أيضاً بمجرياتها والنتائج التي وقفت عندها ثم اختلفت.. فلقد كانت هناك أزمة ثقة وما كان عبد الناصر مطمئناً لنوايا الآخرين أو صدق تصميمهم الجماعي على السير في طريق الوحدة . وأزمة الثقة وجدت تعبيرها في الإعلام، والشارع الشعبي أخذ يتفاعل وينفعل.

كانت حكومة الثورة المنتصرة في الجزائر وعلى رأسها ’’أحمد بن بلا‘‘، قد أخذت رصيدها المعنوي الكبير لدى شعوب الأمة، بل وكان لدى الكثيرين تطلع أن يكون لها هي أيضاً مدخلها القريب إلى الوحدة. وفي نيسان (ابريل) جاء وفد رفيع المستوى من الجزائر يجول على عواصم الأقطار الثلاثة يستكشف ويسعى إلى تعزيز أواصر الثقة . جاء الوفد برئاسة “هواري بومدين”، ومعه وزير خارجيته بوتفليقة إلى دمشق بعد زيارة القاهرة وبغداد، ليجد دمشق تحت وطأة منع التجول والشوارع خالية إلا من رجال الأمن ومن دبابات الجيش المحيطة بالإذاعة ودوائر الدولة، وعندما عرف أن السلطات لم تجد إلا هذا المنع سبيلاً لقمع الغليان الشعبي والمظاهرات التي لم تهدأ والمطالبة بالوحدة وعبد الناصر، عندما قال بومدين أمام “مجلس قيادة الثورة” السوري: ” أرى أن الشعب السوري صار مصاباً بمرض الوحدة، ولا يرى علاجاً بدونها… “(4). ولقد وجد وقتها من يرد ويوضح، فالشعب السوري كان قد طعن كثيراً في تطلعاته وآماله الوحدوية وقد غدر به عند الانفصال . وهو مازال يرى في قيادة عبد الناصر ومصر عبد الناصر فرصته التاريخية لاستعادة الوحدة بل ووحدته الداخلية أيضاً، ولا يريد أن تضيع الفرصة المتاحة اليوم .

وضاعت تلك الفرصة وقام ما يعترض الطريق بين سورية ومصر، وتحولت أنظار الذين أمسكوا بالسلطة والحكم في سورية بتطلعات الوحدة إلى العراق، ولكن الشروخ أو الانقسامات الداخلية في العراق، شأنها شأن الشروخ التي قامت في سورية والصراعات على السلطة، لم تكن تعطي مرتكز وحدة للأمة لا هنا ولا هناك، بل قام بينهما الافتراق ومازال، وبعد كل المحاولات التي جرت بعدها لرأب الصدوع وفتح الحدود . أما التمسك بطريق الوحدة المتوجه بإصرار إلى مصر وعبد الناصر، فقد ظل المبدأ والنهج الذي أخذ به تيار شعبي عريض في سورية مازالت له استمراريته، وبهذا صار لسورية أيضاً ناصريتها وناصريوها، كما صار أيضأ لأقطار عربية غيرها وشعوبها .

ما كان التلهف للوحدة والإصرار على استعادة الوحدة مع مصر عبد الناصر، علّة من العلل السياسية لدى الشعب السوري، بل كان التطلع للوحدة في الإدراك العام لتيار عريض من الشعب وهو دليل الصحة والحس السليم من حيث أنها الطريق لخلاص الأمة من تخلفها وقصوراتها ومن ضعفها أمام أعدائها . وبعد الانفصال صار الإصرار عليها وعلى استعادة الوحدة ملحاحاً، لكي لا يتكرس ذلك التصور للفشل ولعجز قوى الأمة على التقدم بها من جديد على طريق الوحدة.

فبعد الانفصال وبعد إخفاق مشروع لاتحاد الثلاثي بين مصر وسورية والعراق، ظل الإصرار الشعبي، أو التيار الشعبي الغالب في سورية، على استعادة الوحدة . وقامت محاولات في هذا السبيل وتكررت انتفاضات كان لها ضحاياها وقدمت تضحيات كثيرة . وفي هذه المحاولات، كثيراً ما ذهبت المساعي إلى الحصول على تأييد عبد الناصر لها، وإلى الحصول على دعم من مصر، ولكن قضية الوحدة بالنسبة لـ عبد الناصر لم تعد تحتمل في تقديراته للأمور أية مغامرة، بينما كل الأعداء يتربصون بها. ولكن مصر عبد الناصر ظلت المرجعية في الوحدة بالنسبة للسوريين، تمسكاً بما أكده الرئيس عبد الناصر نفسه في أول ذكرى أقيمت للوحدة بعد أشهر قليلة من الانفصال حين قال: ” .. إن الوحدة مسؤولية تاريخية يظل يتحملها شعب مصر بحكم الطاقات والإمكانيات الكامنة فيه… ” وقد قال يومها أيضأ: “.. الوحدة ليست ملك تجربة واحدة، بل هي ملك تاريخ طويل وممتد للمستقبل .. ” والشعب السوري، برغم كل الإحباطات وعمليات القمع التي وقفت في وجه التيار الوحدوي المتوجه نحو مصر، فإنه لم يقنط وظل يحاول ويدفع.

وظل عبد الناصر يحتفل بعيد الوحدة في ذكراها كل عام، وما انقطع إلا بعد عدوان حزيران . وظل يؤكد وكما قال يوم 22 فبراير (شباط) عام 67، ” أمل الوحدة عزيز وغال بين آمال النضال العربي إن لم يكن أعزها وأغلاها. ” ولكن وفي الطريق إليه، وكما أكد أيضاً، لا بد من تحقيق آمال أخرى . ثم كان أن ضرب العدو ضربته، ليتقدم مطلب الوحدة في المعركة من أجل إزالة آثار العدوان . وفي إدارة المعركة التي لم يعد فيها بالنسبة لعبد الناصر، من بديل إلا النصر، راح يبني القوة والمنعة في مصر، قاعدة أيضاً وقدوة لجمع شمل الأمة في المعركة، وبذلك ظلت مصر عبد الناصر محركاً لثورية وكفاحية شعوب الأمة.

ففي مايو (أيار) عام 69 قام “الضباط الأحرار” في السودان بثورتهم وتطلعت السودان وشعب السودان إلى التوحد مع مصر عبد الناصر في المعركة . وبعد أشهر وفي الفاتح من سبتمبر قام “الضباط الأحرار” في ليبيا بثورتهم واندفعوا نحو مصر، ومطلب الوحدة كان وظل على الدوام مطلبهم، أما سورية فقد ظلت الوحدة مطلب شعبها وشعار يطرحه حكامها، أما عبد الناصر فقد ظل تأكيده على وحدة القوة في المعركة من غير أية عقدة أو تعقيدات تشغل عنها أو تأخذ منها، ومع ذلك فهو لم يحجم عن المبادرة نحو خطوة وحدوية جديدة إذا ما دفعت إليها ظروف هذا القطر أو ذاك، وكضرورة استراتيجية من ضرورات معركة الأمة في شمولها.

ففي أواخر شهر يونيو (حزيران) عام 70 أي لثلاثة أشهر قبل الغياب، وعندما كان عبد الناصر في زيارته إلى ليبيا والمشاركة في الاحتفالات بجلاء القوات الأمريكية عن قاعدة ويلس، وجد عبد الناصر نفسه وفي لقاء مع قيادة الثورة الليبية مجتمعة أمام وضع يشابه إلى حد ما ذلك الوضع الذي حوصر به عام 58 مع مجموعة ضباط القيادة السورية، عندما اتخذ قراره بالذهاب إلى الوحدة . وهناك جرى التفكير بقيام اتحاد ثلاثي بين ليبيا ومصر وسورية، وأن ينضم إليه السودان إذا ما توفرت له الظروف، وكاد عبد الناصر يأتي على الفور إلى دمشق برفقة القذافي والرئيس السوري الأتاسي، ليزف إلى الشعب السوري هذا التصميم . ثم كان التريث لاستكمال الاستعداد ولما تقتضيه ظروف المعركة. وذهب عبد الناصر إلى موسكو في آخر سفرة ومن أجل الإعداد للمعركة ووضع السوفييت في الصورة، وتوالت الأحداث الخطيرة التي توالت وغاب عبد الناصر عنا فجأة.

أما ذلك المشروع لاتحاد ثلاثي الذي علقته الأحداث، أعيد للتداول والبحث بين الأطراف المعنية عام 71، وقام على آثاره ما سمي باتحاد الجمهوريات العربية عام 72، ولكنه اتحاد قام بلا رأس ولا روح، وقام كشكل للوحدة من غير توحد، وعندما انفض ذهب وكأنه لم يكن ولم تحس بحضوره الأمة وشعوب الأمة . وكأن الرأس والروح كانا في قيادة عبد الناصر وفي مصر عبد الناصر، ولم يعد هناك عبد الناصر ولا القيادة البديل التي تجمع، ومصر لم تعد مصر التي كانت بـ عبد الناصر . وطويت الحقبة.

* بحث قُدّم في الندوة التي أقيمت في القاهرة 22 شباط/فبراير عام 1998 برئاسة السيدة هدى جمال عبد الناصر، بمناسبة مرور أربعين عاماً على وحدة القطرين مصر وسورية.

يتبع..