الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الخلود لم يعد مغرياً: هل مات الكاتب العرّاف؟

محمد الأسعد *

مع مستهل القرن الجديد الذي نعيش ربعه الأول، أطلق كاتبان في عالم الغرب سجالاً حول مصير الكتاب وأسواقه، والأديب وأدبه، والكاتب الكبير ومكانته. أحدهما هو الفرنسي هنري راسيمو، والآخر هو الروائي ماريو بارغاس يوسا من بيرو على حافة قارة أميركا اللاتينية.

هذا سجال من نوع معتاد، فكلّما انتهى قرن أو ألفية من عمر البشرية، كثرت التنبّؤات، إما بنهاية الزمان أو بحلول العصر الخرافي السعيد. وهذه المرّة كانت النبوءة اختفاء ما يُدعى “الكاتب الكبير”، وتغيُّر وظيفة الكتابة الأدبية، في ظل تلاحق وتتابع ظواهر عصر أشرف على نهايته، وبدأ يتقدّم بوعوده. فتساءل بعضهم: ما الذي يمكن أن يحدث لو استيقظ الناس فجأة، ووجدوا أنفسهم بلا كتب ولا كتّاب، أو لم يجدوا على الأقل أحداً جديراً بلقب الكاتب الكبير؟

كان الدافع إلى سؤال من هذا النوع تجذُّر انفتاح المجتمعات واقتصاد السوق وتطوُّر وسائل الاتصال والمواصلات وشاشات التلفزة، ووسائط الإعلام على وجه الخصوص التي سطّحت كل اتصال كما قال الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو قبل وفاته بوقت قصير، وهُزمت المفاهيم الموروثة عن الكتابة والأدب والفن. وأضيف إلى هذا احتشاد الجو بأصوات تذهب إلى أن عصر “الكتاب” قد انقضى، أو أن “الكتّاب” لم تعد لهم مهمّة في عصر الخبراء والتقانيين والعلماء.

في هذا الجو أطلق راسيمو مقولة “موت الكاتب الكبير” وجعلها عنواناً لكتاب له. وملخّصها أنه لم يعد لأي كاتب كبير وجود في العصر الراهن، ولن يكون في المستقبل. والسبب عنصران، أحدهما طغيان اقتصاد السوق، والآخر تحوّل الثقافة إلى ثقافة جماهيرية. وحسب اعتقاده، ستموت الآداب بمختلف أنواعها مع طغيان هذين العنصرين، لأنهما يتعارضان مع الدور الذي مارسه في زمنهم كتّاب من أمثال فولتير وإميل زولا وجيد وسارتر، ويعني بذلك دور المثقّف المراقب المفكّر والمدقّق الذي يتناول كل شيء، ويتدخّل في كل شيء، وتُؤخَذ أفكاره وآراؤه بوصفها القول الفصل في كل ميدان خاضه، أو سيخوضه.

خاطب هذا الكتاب القرّاء الفرنسيّين، واستمد شواهده من عوالم الثقافة الفرنسية، إلّا أن النتائج التي توصّل إليها، والاستنتاجات التي يمكن استخلاصها منه، يمكن تعميمها على نطاق أوسع، لتشمل ثقافات غربية وغير غربية أُخرى، لهذا لم يكن غريباً أن يتصدّى لمناقشة الكاتب وكتابه روائي من قارّة أُخرى. هذا من جانب، ومن جانب آخر هنالك ما يشبه السوق الثقافي في عالم الغرب، سوق يتمّ فيه تداول المنتجات الفكرية والأدبية والفنية، وتناقش فيه قضية من القضايا في أكثر من عاصمة، وبأكثر من لغة، سواء طحنت طحيناً أو أثارت جعجعة.

انطلق الكاتب الفرنسي من واقعة تبدو بديهية: لا وجود في زمننا الراهن، ونحن على أعتاب ألفية جديدة، لشخصية من الشخصيات الأدبية التي تمتّعت بالهيبة والسلطة في الماضي، والتي أشرفت من علوّ على دائرة قرّائها والوسط الأدبي والفني، من أمثال فيكتور هوغو؛ شخصيات جعلت من نفوذها الثقافي شبه ضمير للأمُّة كلها، شخصيات كانت بمثابة نموذج أوّلي ومثال بالنسبة لأوسع القطاعات الاجتماعية، بأفكارها ومواقفها وأسلوب حياتها.

وبناءً على ذلك، كما يقول، إذا ما أردنا دوام مكانة الكاتب الكبير، فلا بُد أن يتوفّر شرط ضروري لا يمكن تعويضه: على الأدب أن يمتلك هالة سحرية مقدَّسة. هذا الأمر حدث في العصر المسمّى “عصر الأنوار” في أوروبا القرن السابع عشر، حين أحدث الفلاسفة الذين حطّموا التقاليد البالية والمعتقدات التي لا تقوم على أساس علمي أو عقلي، فراغاً احتلّته نظم جديدة ظهرت على أنقاض النظم القديمة. في ذلك العصر عُدّ الكتّابُ والفنّانون رسلَ وقادةَ المجتمع الجديد ورجالَه المتفوّقين، أي المجتمع الذي نشأ وتطوّر في ظل اعتقاد بأن الآداب والفنون تمتلك جواباً عن كل شيء، سواء كان دنيوياً أو سماوياً.

في هذا المناخ ظهرت منجزات كتّاب من أمثال الروائيين فلوبير وبروست وبلزاك والشاعر بودلير، وكلّهم ممن يعدّهم الكاتب كباراً، فهُم كما يقول على الرغم من اختلافاتهم وتفاوُت حدّة بصائرهم، تملّكتهم قناعة واحدة سرت إلى قرّائهم أيضاً؛ هي أنهم كانوا يكتبون من أجل الأجيال المقبلة، وأن آثارهم، إن عاشت بعدهم، ستثري حياة الإنسانية، أو “ستغيّر الحياة” كما قال الشاعر آرثور رامبو، وتكون سبب خلودهم.

ويتوقّف الكاتبُ أمام العبارة الأخيرة، عبارة رامبو، ويتساءل: “لماذا لا يحفّز إغراء الخلود الكتّاب المعاصرين كما كان يفعل في الماضي؟”. ويجيب ببساطة: “لأنهم وصلوا أفراداً وجماعات إلى قناعة بأن الأدب ليس خالداً بل هو معرّضٌ للفناء، وأن الكتب تُكتب وتُنشَر وتُقرأ أحياناً ثم تتبخّر إلى الأبد”. وهذه الوضعية لا تدلّ على إيمان من ذلك النوع الذي جعل الأدب في يوم من الأيام سامياً، ومهمّة خالدة، ومجمعاً لأسماء أفذاذٍ غير قابلة للفناء، بل تدلّ على واقع موضوعي فظ لم تعد فيه الكتب تُعدّ جوازات مرور إلى الخلود، بل أصبحت خدماً للزمن الراهن، الآن وهنا. ومن يكتبها سيُطرد من جبل الإلهام، جبل الأولمب الأسطوري، إذا ما خطر بباله أن يفعل كما كان يفعل ساكن الجبل “زوس” حسب الأساطير اليونانية، فيطلق الرعود أو الصواعق من الأعالي فوق مصادفات الحياة العامة، وسيُسحب إلى الأرض، إلى مستوى النظم الجماهيرية ومؤسّساتها “الديمقراطية”، إلى الأسفل، بعيداً عن ذرى جبل الأولمب، مقرّ المبدعين.

في هكذا مجتمع أرضي، كما يرى صاحب كتاب “موت الكاتب الكبير”، تعمل آليتان، وتواصلان باستمرار إفقاد الأدب مركزيته ومكانته، والهبوط به إلى مستوى منتج صناعي، بعيد كل البعد عما اعتدنا رؤيته كمنتج إبداعي فريد من نوعه.

الآلية الأولى اجتماعية/ ثقافية في وقت واحد معاً، فانقراض النخبة والنظر إلى الناس بوصفهم كتلاً لا يتميّز فيها فرد عن فرد آخر بموهبة أو صفة، كلُّ هذا دمّر العناية بالماضي وتراثه والتفكير بالمستقبل، وجعل التركيز على الوضعية الراهنة الهمَّ الأول، وإشباع الحاجات الآنية غاية الغايات.

الآلية الثانية اقتصادية منشأها ما يسمّيه “تسويق” كلّ شيء، وكان من آثار هذا التسويق أن أصبح الكتاب، بعد تجريده من مكانته الشبيهة بالمكانة الأسطورية التي أحاطته بالتقديس، مجرّد سلعة تخضع قيمتها لتقلّبات العرض والطلب. تحويل الكتاب والكتابة إلى سلعة، أي “تسليع” الأدب واعتباره منتجاً صناعياً شأنه في ذلك شأن أي منتج صناعي يمكن إنتاجه بكميات وافرة تزيد عن حاجة السوق أحياناً، أدخله في ميدان المنتجات التي يطرد بعضها بعضاً حتى لو كانت للكاتب نفسه. وحين يتحوّل المنتج الأدبي إلى سلعة سنتوقّع أن تلم به أعراض السطحية والضحالة نتيجة دخوله في دوّامة التسويق، أو الدردور المائي، ومتطلّباتها التي لا يدوم فيها الكتاب أبداً. هذا الدردور يبتلع كل ما يمر خلاله ولا يعود بعدها إلى السطح أبداً. إن انقلاباً في المفاهيم يحدث هنا؛ يُنظر إلى الأدب الآن على أنه منتج للاستهلاك المباشر، للتسلية العابرة، أو للحصول على معلومات، أو للتنفيس عن رغبات فردية، أو مجنّد في خدمة أيديولوجية معيّنة، ومنتج من هذا النوع وبهذه المواصفات ولخدمة هكذا غايات تنتهي صلاحيته حالما يظهر ولو بعد حين. ولنا في منتجات زمن الحرب الباردة الفكرية، أدباً وفنّاً عبرة.

بعض الكتّاب رأوا في هذه الأطروحة الفرنسية نغمة متشائمة، ومع ذلك تبيَّن أن للتشاؤم درجات في عالم الغرب، فرأينا متشائماً آخر، أقرب إلى أفكار هنري راسيمو في النفور من كلمة الجماهير، بل وحتى كلمة الديمقراطية والسوق، يهتم بها، هو الذي يشارك الفرنسي في ما يمكن تسميته بالاتجاه اليميني، ولكنه لا يصل إلى ما وصل إليه زميله الفرنسي من نظرة قاتمة حول مصير الكاتب والكتاب والأدب وأسواقه. هذا المتشائم الآخر، نصير أفكار يمينية، هو ماريو بارغاس يوسا. يقول هذا إنّ فقدان الكاتب لمكانته المركزية لا يعني سقوطاً، بل هو على العكس من ذلك، وضع للأشياء في مواضعها الصحيحة. كيف؟ يجيب بارغاس بالقول: “إن الكاتب يضع أصبعه على مكان وجع مؤلم يتمّ تجاهله عادة، وهذه المهمة، أو دور الكاتب، جديدة يفرضها المجتمع المعاصر المنفتح”. في هكذا مجتمع لم يعد هناك مكان للكاتب صاحب المكانة المهيمنة من أمثال سارتر في فرنسا، وأورتيغا غاسيت وأونامونو في إسبانيا، وأوكتافيو باث الذي لعب خلال حياته دور المستشار والقائد والعرّاف في كل القضايا المهمة، ويشغل الفراغ الذي يبدو أن الكاتب الكبير وحده المؤهل ليشغله بسبب مشاركة الآخرين المحدودة في القضايا العامة.

هذا النفوذ الذي كان للكاتب في “مجتمعات مستعبدة”، أصبح، حسب رأيه، نافلاً في المجتمع الحر. ويقول: “إن كتابة روايات ممتازة أو شعر جميل، لا تعني أن الشخص الموهوب في الإبداع الأدبي يمتلك بصيرة نافذة في كل شيء”. ويعبّر عن عدم اعتقاده بأن علينا أن نُصاب بالهستيريا والسخط لأن الأدب في المجتمع المعاصر، الزاخر بوسائل اتصال متنوّعة، أصبح مطلوباً للتسلية والترويح عن النفس قبل أي شيء آخر، ليبرّر وجوده، كما يقول هنري راسيمو، لأن هذه هي وظيفة الأعمال الأدبية التي نُعجَب بها دائماً. أعمال مثل “دون كيخوتة” لثيربانتس و”الحرب والسلام” لتولستوي و”الوضع البشري” لأندريه مارلو، التي كلّما أعدنا قراءتها اجتذبتنا كما كان الأمر في المرّة الأولى.

ويخلص إلى أن الكاتب بدل أن يقضي حياته عابساً متجهّماً، معتبراً نفسه كائناً مهملاً تلقيه تيارات الحداثة وما بعدها في سلّة المهملات، عليه أن يشعر في الزمن الراهن ببواعث محفّزة أمام التحدّي الهائل الذي يفرضه إبداع أدبٍ يستحقّه المجتمع، إبداع من النوع القادر على الوصول إلى الجمهور الواسع المحتمل الذي ينتظره الآن. ولعل فضيلة صعود الحالة الجماهيرية الممثّلة بالديمقراطية، ووسائل الاتصال الحديثة، وتقارب المسافات، هي إتاحتها الفرصة لأعداد غفيرة من الكائنات الإنسانية لتقرأ وتشتري الكتب… والأكثر أهمية، لتتواصل.

* فنان وكاتب فلسطيني

المصدر: العربي الجديد