الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

إرهاصات التأسيس /4/


ثالثاً- مع إعلان مبدأ ’’آيزنهاور‘‘ في أوائل كانون الثاني 1957، الذي كان يرمي إلى وراثة تركة الاستعمار القديم بوجه عام ، وإلى تثبيت حلف بغداد وتعزيزه ولكن بزعامة أمريكية مباشرة بوجه خاص، طرح الحكم اللبناني موقف التردد والتستر الذي وسم موقفه من حلف بغداد وأعلن ارتباطه بمبدأ ’’آيزنهاور‘‘ في آذار 1957، لا شك في أن ارتباط الحكم اللبناني بهذا المبدأ يعود إلى عوامل متعددة، طائفية، طبقية وشخصية، لكن العامل الرئيسي والعميق في هذا الارتباط إنما يعود إلى أن انحياز الحكم اللبناني إزاء المعركة الشاملة التي كانت رحاها تدور على امتداد المشرق العربي بين الاستعمار وحركة القومية العربية، قد أخذ شكله الحاد والصريح إلى جانب الاستعمار، انحيازاً لعبت فيه الايديولوجيا الطائفية دوراً حاسماً بتصورها، الواهم أو الكاذب، أن موج حركة القومية العربية يهدد بابتلاع الكيان اللبناني.
من هنا، فإن أحداث أو ثورة العام 1958 في لبنان (والأصح قول: التمرد الوطني)، كانت جزءاً لا يتجزأ من المعركة الطويلة التي نشبت منذ أواسط الخمسينيات وامتدت حتى أوائل الستينيات؛ ومن الطبيعي أن يكون لهذه الثورة، ما دام لبنان ساحتها، تلاوينها اللبنانية الخاصة وانعكاساتها اللبنانية المميزة، لكنها تبقى مجرد امتداد طبيعي للمعركة الشاملة التي كانت ناشبة بين حركة القومية العربية والاستعمار التقليدي ثم الجديد؛ والواقع أن تطور الأحداث وتعقيداتها، جاءت لتؤكد ذلك: كيف نشبت؟ متى احتدمت؟ ثم متى بردت؟ فقط من خلال منظور المعرفة وجدلية الوعي التاريخي لسياسات الإمبريالية، لا من منظور طبقاوي واقتصادوي، يمكن فهم أحداث العام 1958 في لبنان، ففي معركة بلغت تلك الحدة وذلك الاتساع الذي بلغته المعركة بين الاستعمار وحركة القومية العربية في الخمسينيات، كان العالمي يهيمن على القومي، والقومي على الإقليمي والمحلي؛ نضيف إلى ذلك في الفترات الثورية، أن السياسي يهيمن على الاقتصادي، هذا المنظور يجلو هذه المفارقة الظاهرية، ويفسر كيف أمكن الإقطاع السياسي (إذا سلّمنا، جدلاً، بهذه المقولة)، في لبنان، أن يلعب دوراً ما ضد الاستعمار، في حين أن البرجوازية كانت تلعب لصالحه – من دون هذا المنظور، كان ينبغي للاشتراكي أن يقف مع “شمعون”  والبرجوازية، وليس العكس – وكيف أن القوى التقليدية في العراق والأردن والسعودية وقفت مع القوى البرجوازية في لبنان، كما أن هذا المنظور يبين كيف أن الايديولوجي والسياسي، في المجتمعات الطرفية، كالمجتمع العربي، لا يزال يلعب دوراً وازناً تارة و حاسماً تارة أخرى.
قبل أن يعلن الحكم اللبناني ارتباطه بمبدأ ’’آيزنهاور‘‘، كان الصراع بينه وبين المعارضة ذا طابع محلي بالأحرى، لكن ما إن تم هذا الارتباط حتى غلب الطابع العربي على هذا الصراع وتحول لبنان إلى ساحة الصدام الرئيسية بين حركة القومية العربية من جهة، والإمبريالية الأمريكية والقوى الطبقية والسياسية المتحالفة معها في الوطن العربي من جهة أخرى، غير أن الصراع لم يأخذ شكله الانفجاري إلا بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة، ثم تفاقم أكثر فأكثر مع انفجار ثورة 14 تموز في العراق، التي كانت سبباً مباشراً في التدخل العسكري الأمريكي في لبنان في اليوم التالي للثورة، كان واضحاً منذ بدايات الصراع أن الصف الوطني اللبناني، فضلاً عن الصف القومي العربي ممثلاً بـ مصر و سوريا ثم بـ الجمهورية العربية المتحدة، كان يخوض معركة سياسية محدودة وذات طابع دفاعي فحسب، معركة حصر ثم تحطيم مبدأ ’’آيزنهاور‘‘ وإنهاء ارتباط لبنان به، لذا لا أساس للزعم بأن محاولة ابتلاع لبنان من قبل الجمهورية العربية المتحدة كانت في أساس أحداث العام 1958، فلا الجمهورية العربية المتحدة ولا القوى الوطنية اللبنانية كانت تضع هذا المشروع في منظوراتها القريبة، كما أن الأخيرة لم تبلغ هذا الحد من الراديكالية القومية؛ والطابع العربي الذي غلب على الصراع المحلي اللبناني في العام 1958 لا يتجلى في الدعم المتعدد الأشكال الذي كانت تقدمه كل من سوريا ومصر ثم الجمهورية العربية المتحدة للصف الوطني اللبناني، بل يتجلى أيضاً في الدعم الرجعي العربي الذي كان يلقاه الحكم اللبناني، دعم بلغ درجة علنية وكثيفة على يدي سلطة ’’نوري السعيد‘‘ التي ما لبثت أن لقيت حتفها على يدي القطعات العسكرية العراقية التي كانت في طريقها إلى لبنان لدعم حكم ’شمعون‘، وإذا كانت الحكومة الأمريكية قد بقيت مترددة – على رغم أن ’شمعون‘ طلب من أمريكا التدخل العسكري منذ 22 أيار 1958 – عن القيام بتدخل عسكري مباشر، إلا أنها كانت موجودة في قلب الأحداث، حسبما ذكر صراحة أحد العملاء الأمريكيين لدى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، فقد جاء في كتاب ’’مايلز كوبلند‘‘ (لعبة الأمم) ص234 ما يلي: ” … وقام فريقٌ ماهر من رجال وكالة المخابرات المركزية في بيروت بتوجيه الحملة المضادة لمعاكسات ناصر.. وبعدها قامت سفارتنا في بيروت بتقديم مساعدات متواضعة (كذا) لبعض الحملات الانتخابية للمرشحين الموالين للغرب، في انتخابات حزيران 1957 … “، هذا الكتاب (لعبة الأمم)، على رغم أنه مُعد بالأصل للنيل من الناصرية وعبد الناصر، إلا أن حقائق كثيرة وهامة تفلت من كاتبه العميل، كما اعترف، للمخابرات المركزية الأمريكية.. وإن قراءته، بصورة نقدية طبعاً مفيدة جداً للاطلاع على كثير من خفايا التآمر الامبريالي منذ الخمسينات وحتى صدوره أواخر الستينات.
لكن إذا كان الطابع العربي قد غلب في الصراع المحلي اللبناني إلا أن احتمالات هذا الصراع وآفاقه ونتائجه بقيت محكومة، في الحد الأخير المحلي، ومهما بلغ من أهمية العنصر العربي والدولي في الصراع، بميزان القوى المحلي أولاً وبمدى وعي الصف الوطني اللبناني ثانياً، وبالتالي من الخطأ الزعم أن نتيجة الصراع قررتها تسوية عقدت بين القاهرة وواشنطن ونفذها “مورفي” (مبعوث ’’آيزنهاور‘‘ الخاص) في بيروت؛ لقد بقي برنامج الصف الوطني الذي قاد ثورة 1958، رغم رفضه حلف بغداد و مبدأ ’’آيزنهاور‘‘، يدور في إطار الميثاق الوطني لعام 1943، وهو الميثاق الذي كرس الطابع الطائفي للهيكل السياسي اللبناني، والواقع أن الايديولوجيا السائدة في  الصف الوطني اللبناني، فضلاً عن الوعي المتخلف والطابع المتصالح لقياداته، لم تكن مهيأة لتجاوز ذلك الميثاق، تجاوزاً يتطلب، بل أول ما يتطلب، تبني ايديولوجيا علمانية والنضال لجعلها أساساً للسياسات اللبنانية، إذ من دون هذه الايديولوجيا العلمانية نصبح بالأحرى إزاء صراع بين طائفية وطائفية مضادة، ومثل هذا الصراع لا يحمل بذور انتقال السياسة اللبنانية إلى الوطنية أو القومية، بل يُعمق الانقسام الطائفي ويؤكده؛ والحقيقة أن التجربة اللبنانية لا تشكل استثناء عن التجربة العربية، بل تشكل حالة قصوى فيها فحسب، تقدم صورة جلية عن إيجابيات حركة القومية العربية وقصورها في الوقت نفسه: إنها مندرجة في سياق معادٍ، موضوعياً وذاتياً، للاستعمار، كما أنها معبّرة عن المطامح القومية للجماهير وقادرة على تعبئتها بهذه النسبة أو تلك، إلا أنها تعاني قصوراً في الوعي جعلها عاجزة، ما دامت قد أعطته بعداً سياسياً فقط، عن رؤية الهدف القومي عموماً والوحدوي خصوصاً كعملية من عمليات تجديد و تحديث المجتمع العربي؛ ومن هنا فإن الايديولوجيا القوماوية العربية لم تستطع التغلب بصورة كافية على الايديولوجيات الفئوية، الطائفية أو العشائرية أو الإقليمية أو المحلية، ما قبل القومية، فبقيت، لفقرها وتأخرها، قشرة تغطي الايديولوجيات التقليدية ما قبل القومية، حتى في قطاعات أعلنت التزامها بها؛ لذا تبقى هذه الايديولوجيا الفئوية فاعلة لدى الأفراد بنسبة عجزهم عن امتلاك وعي قومي عصري ناقض وطارد لها، ناهيك عن الجماعات أو الطوائف المنغلقة إزاء كل ايديولوجيا قومية والحبيسة في عالم ايديولوجيتها التقليدية الخاص، هذا القصور في الوعي و التأخر في الايديولوجيا لدى الصف القومي العربي في لبنان تجلى في نقطة أخرى تمثلت في تبعثره التنظيمي وانعدام قيادة عليا موحدة، بحيث تشرذم إلى مستويات محلية، لمستويات لا الطوائف فقط، بل المدن والقرى وأحياناً الأحياء؛ إلا أن مغزى هذه الظاهرة يذهب إلى مدى أبعد من مسألة الفاعلية، إذ يشير إلى افتقار حتى الصف القومي العربي إلى اندماج على مستوى لبناني، ناهيك عن افتقار لبنان خصوصاً والأمة العربية عموماً إلى اندماج قومي يشكل أرضية كل تقدم وقاعدة كل عملية توحيد سياسية، فإذا كان هذا الصف بالذات يفتقر إلى اندماج، كيف يمكنه أن يدفع البنية الاجتماعية والسياسية إلى ضرب من اندماج لبناني يشكل تجاوزاً متقدماً للطائفية؟؛ هذه الصورة، التي لنهر القومية العربية الشعبي الدافق، الدفاق والموحل في الوقت نفسه، تفسر النتيجة التي حققها، نعم إن هذه النتيجة كانت إيجابية إجمالاً: تحييد ما للنظام اللبناني وفك ارتباطه بمبدأ ’’آيزنهاور‘‘، إلا أنها نتيجة متواضعة و محدودة، قياساً بالإمكانات التي كان يملكها الصف القومي العربي في لبنان وبالمناخ الثوري الذي بعثه قيام الجمهورية العربية المتحدة. لا شك في أن الإنزال العسكري الأمريكي لعب دوراً في تحجيم هذه النتيجة، إلا أن المُحدد الرئيسي للصراع إنما كان وعي الصف القومي العربي في لبنان وأيديولوجيته والسحنة الطبقية التقليدية لقياداته.

رابعاً– بعد حوالى خمسة أشهر من قيام الجمهورية العربية المتحدة، انفجرت ثورة 14 تموز في العراق، وثمة شبه إجماع ، سواءٌ لدى المراقبين السياسيين أو الذين ساهموا في صنعها، على أن وحدة مصر وسوريا كانت محرضاً ودافعاً مباشراً أو شبه مباشر لتفجيرها، مع هذه الثورة انقلب ميزان القوى في المشرق العربي انقلاباً حاسماً في غير صالح القوى الرجعية ودعامتها، الاستعمار؛ كان المناخ السياسي الذي ولده قيام الجمهورية العربية المتحدة لا يزال سائداً، مناخ كان مليئاً بالتفاؤل والثقة، مع ثورة 14 تموز بالعراق، وبخاصة مع الاحتمالات الوحدوية التي أفصحت عنها في مرحلتها الأولى، خُيل للمرء أن عجلة التاريخ العربي تَـثِـبُ وثبـاً، أن الحلم الوحدوي الكبير يصبح واقعاً راهناً، أن العرب يقطعون في أيام مسافات كانت تتطلب، أو كان من المتصور أنها تتطلب، عقوداً طوالاً .
في الغرب، كانت ردود الفعل السريعة مزيجاً من الذهول والهلع، وحزموا أمرهم بسرعة ومن دون تردد: لا بد لهذا الحريق الثوري الوحدوي من أن يُصد في مرحلة أولى ثم يُكسر في مرحلة لاحقة؛ في اليوم الثاني مباشرة تم إنزال عسكري أمريكي على سواحل لبنان، إنزال طلبه ’شمعون‘ رسمياً، استناداً إلى مبدأ ’’آيزنهاور‘‘، منذ 22 أيار، وبقيت أمريكا مترددة إزاءه إلى أن انفجرت الثورة العراقية، بعدها بيومين تم إنزال إنكليزي في الأردن، ومن الواضح، بالطبع، أن ثورة 14 تموز كانت تُفصح عن نزوع واضح وقاطع إلى الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة، وبالتالي فإن مواجهة هذا النزوع، وليس شيئاً آخر (كخطر شيوعي مثلاً)، هي التي كانت وراء التدخل العسكري الغربي، إذ إن ثورة 14 تموز لم تكن تحمل في تلك المرحلة (ولا في المرحلة التي تلتها، كما أثبتت الأحداث في ما بعد) أي احتمال لتحول سياسي يقوده الحزب الشيوعي العراقي، ففي تلك الفترة كتبت صحيفة الـ “نيويورك تايمز” الأمريكية: ” … نظرياً، قرارنا الذي اتخذ حول التدخل العسكري جاء تلبية لطلب عاجل من الرئيس ’شمعون‘ وللمحافظة على المواطنين الأميركيين، أما في الواقع، فإننا تحركنا لكي نصد الثورة في العراق ولكي نمنع الحريق من الانتشار.. إن أحداث العراق هي بالتأكيد موحى بها من قبل الناصرية… “، وكتبت مجلة “كريستيان ساينس مونيتور” الأمريكية أيضاً: ” …إن غزو المظليين البريطانيين في الأردن ورماة البحرية الأميركيين في لبنان يبدو كمحاولة جريئة وحاسمة لإلغاء النتائج المحتملة للثورة العراقية.. وربما كان هذا التدخل بمثابة تمهيد لعملية عسكرية أكثر اتساعاً في الشرق الأوسط … “، وهذا يؤكد: أن ليس للإنزال الأمريكي والإنكليزي من هدف سوى تدارك امتداد العدوى القادمة من العراق، وإن هذه العدوى هي، بكلام صريح، القومية العربية.
في كبح هذا الموج الوحدوي لعبت عناصر وعوامل كثيرة: محلية وعربية ودولية، حديثة وتقليدية، رأسمالية واشتراكية، إمبريالية وسوفياتية، قومية عربية وشيوعية عربية؛ بيد أن المسؤولية الرئيسية إنما تقع على الصف الوطني العربي، في فرعه القومي العربي والشيوعي العربي، ومرة أخرى يثّبُت أن الوعي العربي ليس على مستوى حاجات الثورة العربية وأن الايديولوجية العربية على درجة من التأخر والتقليدية تجعلها عاجزة عن الوفاء بمتطلبات التحرر والتقدم العربيين، لكن إذا كان من الطبيعي أن تؤثر سياسة المحاور والمنافسة التقليدية بين مصر والعراق على الفئات والعناصر والسياسات العراقية التقليدية فتدفعها إلى موقع معارض للوحدة بين العراق والجمهورية العربية المتحدة، واذا كان من الطبيعي أن تنساق إلى الموقف نفسه من الأقلية الكردية، وإذا كان من الطبيعي أن تتوجس منها العناصر المتأخرة الأكثر تأثراً بالأيديولوجيا الطائفية، فليس من الطبيعي ولا بالمفهوم أن ينساق الحزب الشيوعي العراقي إلى المواقع نفسها، وهو الذي كان يدعو إلى اتحاد مع الجمهورية العربية المتحدة قبل 14 تموز؛ ليس في نيتنا البتة أن نبرئ الصف القومي العربي من القصور ومن اتباع تكتيكات وحدوية ساذجة ومن التشبث بنظرة سُكونيـة تكرارية للوحدة مصبوبة في قالب دستوري – إداري واحد نموذجه المطلق والوحيد هو التجربة المصرية، إلا أن هذه الرؤية القاصرة وإن كانت عاجزة عن خدمة المشروع الوحدوي إلا أنها لا تعترضه، كما أنها لا تنقض سيرورة ومنحى التقدم والتحرر العربيين، في حين أن المواقع اللاوحدوية تعترض وتنقض موضوعياً، تلك السيرورة؛ كان ممكناً لموقف الحزب الشيوعي العراقي المعارض للوحدة والذي لعب فيه دوراً ما عنصر ايديولوجي تقليدي، أن يكون مفهوماً ومبرراً لو أنه كان يضع في منظور قريب مشروع ثورة، غير أن الاستراتيجية السوفياتية التي كان الحزب الشيوعي العراقي يستوحيها ويعيش في مناخها، كانت، ولا تزال، تستبعد هذا المنظور.. ولعل هذا الواقع هو الذي يفسر كيف أن الإمبريالية أقدمت على التدخل العسكري في وقتٍ كان يلوح فيه “الخطر” الوحدوي الداهم، ثم لم تلبث أن سحبت جيوشها عندما تبدد الاحتمال الوحدوي، في وقتٍ كانت فيه “المرحلة الكاستروية” في العراق في أوجها، طبعاً من السذاجة القول إن الإمبريالية كانت لا تبالي بتحول شيوعي في العراق، لكن يبدو أنها كانت على يقين من أن “المرحلة الكاستروية” لن تصل إلى نهاياتها الطبيعية وبخاصة في منطقة بترولية حساسة، وأن لها دوراً تلعبه وتنتهي؛ وهذا ما جرى فعلاً: قام الحزب الشيوعي العراقي بدور سياسي حاسم في إحباط المشروع الوحدوي، وبعد سنة بالضبط، في تموز 1959 قُصت أجنحته بحل “لجان حماية الجمهورية” و “منظمات القاعدة الشعبية” ثم تعايش، طوال خمس سنوات تقريباً، مع حكم عسكري فردي متخلف، إلى أن سحقه نهائياً في شباط سنة 1963؛ لقد اتخذ الحزب الشيوعي العراقي من الديمقراطية، مفهومةً في صيغتها السياسية المفقرة والمُسطحة، سلاحاً ضد المبادرة الوحدوية، وإذا كانت الديمقراطية، في أحد مستوياتها، تعبيراً عن انطلاق وإطلاق المبادرة الجماهيرية في سيرها نحو التحرر، فإن التقدم في طريق الوحدة يخلق جدلية تدفع إلى الاصطدام بالإمبريالية؛ هذا الاصطدام يفرض، في ظروف طبيعية، انخراط أوسع الجماهير في النضال، الأمر الذي يقوي فرص الديمقراطية.. لذا فإن المشروع الوحدوي، المفهوم بصورة جدلية، كان سيفتح على الأرجح الطريق لتوسيع فرص الديمقراطية عبر توسيع وتعميق حركة الجماهير.
مرة أخرى نقول: إن الواقع السياسي العربي الجديد الذي جاءت به وحدة العام 1958 وميزان القوى المحلي الجديد الذي فرضته (والذي لم يعد لصالح الاستعمار وإسرائيل والرجعية العربية)، والاحتمالات الثورية، سواء الوطنية أو الوحدوية، التي أطلقتها (التمرد الوطني اللبناني أو ثورة 14 تموز بالعراق)، هذه الوقائع كلها تجلو وتُبرز للعيان عظمة، أهمية، واقعية، عقلانية المشروع الوحدوي؛ وفي المقابل، فإن اختناق هذه الاحتمالات وارتطام المشروع الوحدوي ثم انتكاسه ثم مقتله، وبالتالي انقلاب التيار لغير صالح القوى الوطنية العربية ( بدأ مع الانفصال، وحقق أول نجاحاته الساحقة فيما بعد ذلك ببضع سنين!)، إنما يكشف قصور الوعي العربي في سائر مستوياته السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية؛ لذا، لسنا، كما يزعم البعض، إزاء لا واقعية أو لاعقلانية المشروع الوحدوي، بل إزاء تأخر في الوعي فحسب، تأخر جعل القوى الوطنية العربية غير قادرة على تذليل العقبات والعرقلات التي تقف أمام هذا المشروع الذي يشكل أرضية مناسبة للتقدم العربي.

الانفصال.. المقّتل:
في 28 أيلول 1961 قُتلت وحدة العام 1958 بين مصر وسوريا، أول وحدة في تاريخ العرب المعاصر، لكن عملية القتل، هذه لم تُنه المسألة: حقاً إن الوحدة – الجسد، الوحدة – الكيان قد اغتيلت، لكن الوحدة – الفكرة، الوحدة – المثل، الوحدة – الطوبى لا تزال قائمة؛ والمطلوب بعد القتل هو دفن الأخيرة عن طريق تعهيـر الأولى التي تُلاحَق بعد قتلها أكثر مما لوحقت في حياتها، وبالفعل، هذا ما عمل له (ومازال يعمل) خليط متنافر يبدأ بالطائفيين والإقليميين ويمر بالماركساويين ليصل إلى القوماويين العرب؛ ولا غرابة في هذه المفارقة، فما دامت مسألة الوحدة مسألة وعي بالدرجة الأولى، لذا يلعب الحجب الايديولوجي، في مختلف تـلاوينه الطائفية والإقليمية والماركساوية والقوماوية العربية، دوره في تشويه وتلطيخ تلك الوحدة – الكيان واظهار اللاعقلانية ولا واقعية الوحدة – الطوبى؛ هذا الخليط المتنافر الذي اكتشف ’’أخطاء‘‘ الوحدة و أعلن ’’فشلها‘‘، يحوم في العموميات والمظاهر، إذ إنه عاجز عن مناقشة جوهر المسألة والتقاط التفاصيل والكلية الجامعة معاً؛ بالطبع، من الممكن نقد هذه السياسة أو تلك التي سارت عليها دولة الوحدة، شأن نقد أية سياسة لأية دولة، لذا لنا الحق في أن نفترض أن ما يسمى بـ “أخطاء” عهد الوحدة هي فقط “الأخطاء” التي أتاحت لقوى معادية للوحدة أن تنفذ إلى الجيش الأول (الجيش السوري) وأن تحركه لتقصم البنيان السياسي لدولة الوحدة، مستغلة الفاصل الجغرافي بين إقليمي الجمهورية العربية المتحدة؛ إذاً، لسنا إزاء ما يمكن تسميته بـ “فشل الوحدة”، وذلك لأن معايير الفشل والنجاح مرتبطة باعتبارات أوسع وأعمق؛ أولاً: موقف الشعب السوري بخاصة ثم الشعب المصري من الوحدة؛ ثانياً: مفاعيل الوحدة على موازين القوى إزاء “إسرائيل” والرجعيات العربية والاستعمار؛ ثالثاً: تأثير هذه الوحدة على البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لكل من سوريا ومصر، الخ … فقط إذا شهدت هذه الاعتبارات ضد الوحدة يصبح ممكناً اعتبارها فاشلة، أما إذا شهدت لصالحها، فيغدو لزاماً، في المقابل، أن نعتبرها، على رغم مقتلها، ناجحة .
   إن حركة التاريخ ليست سلسلة تقدمات متصلة لا تتخللها هزائم وتراجعات، وهي لا تجري على الدوام بالقدر الذي نريد من الملاسة والسلاسة، وإلا فما أسهل صنع التاريخ وصنع الثورات؛ لقد قُتلت هذه الوحدة ولم تفشل، وإذا كان مجرد مقتلها برهان فشلها، فلنقل إن كل الشهداء فاشلون، ولنقل إن كل مشروع ثوري لم يصمد أمام الريح الرجعية فاشل .
لنقل أولاً، بادئ ذي بدء، إنه لولا هذا الفاصل الجغرافي لكان مستحيلاً ضرب هذه الوحدة، وبالتالي لما طلعت، أو خرجت، علينا هذه الخربشات النظرية التي تتحدث عن ’’وحدة مدروسة‘‘ و’’وحدة ديمقراطية‘‘ و’’وحدة جماهيرية‘‘ و’’وحدة متكافئة‘‘ و’’وحدة لا تنفصم‘‘، إلخ، ولا تحدّث المُخربشون عن ’’اختلاف الظروف الموضوعية‘‘ ولما استجَرّوا ’’العظات‘‘ و’’الدروس‘‘ للتجارب الوحدوية المقبلة؛ لولا هذا الفاصل الأرضي ما كان فصل محافظة الحسكة عن دمشق أسهل بكثير من فصل سوريا عن مصر، وما كان فصل أسيوط عن القاهرة أسهل بكثير من فصل القاهرة عن دمشق؛
ولنقل، ثانياً
، إنه ما كان لعملية اغتيال الوحدة أن تتم لولا تردد عبد الناصر ’’وثقل الامبريالية عنصر في هذا التردد‘‘، الناجم عن روح إنسانية شرقية وعزوف عن العنف، وكذلك عن تصوره الواهم أن عملية قمع الانفصال يمكن أن تحمل اقتتالا مصرياً – سورياً؛ أقول لولا هذا التردد، لصُفي الانقلاب الانفصالي بخسائر لا تكاد تذكر، لا لأن أغلبية الشعب السوري الساحقة كانت ضد الانفصال، بل لأن الجيش السوري إجمالاً كان ضده أيضاً؛ لكن لا يسعنا القول إن المؤامرة الانفصالية نبتت هكذا في فراغ أو جاءت صدفة بين يوم وليلة، وإذا كان طبيعياً أن تعمل الإمبريالية والرجعيات العربية في فصم هذه الوحدة، إلا أنه ما كان ممكناً لتآمرهما أن يمر لولا تضافر جملة عوامل ذاتية وموضوعية يمكن، في التحليل الأخير، ردها إلى مسألة الوعي، فلا المصلحة، حتى القطرية، تستدعي الانفصال ولا التاريخ يسوّغه، ولا آمال المستقبل تدفع إليه.. إذاً، كيف؟

1ً- في الصراع ضد الإمبريالية الذي خاضته سوريا طوال أريع سنوات سبقت الوحدة، كانت النخبة السياسية السورية التي لم تكن في الأصل موحدة، فضلاً عن تأثيرات التناثر السوري، تتمزق شر تمزيق، خلال هذا الصراع، تم عزل الكسر التقليدي الملوث إمبريالياً منها، الكسر الذي كان على صلة ما بالقوى البرجوازية – الإقطاعية السورية، وما لبث كسرٌ تقليديٌ آخر، ازورّ عن الوحدة، أن لحق بالكسر الأول، مع ذلك، فإن عبد الناصر الذي كان حريصاً على صيغة معينة لوحدة قومية على مستوى سوريا، اختار أحد أقطابها البارزين، ’’صبري العسلي‘‘، وعينه في منصب رمزي، منصب نائب رئيس جمهورية، غير أن الأسرار والوثائق التي كشفت عنها ثورة 14 تموز في العراق بينت أنه كان ضالعاً في إحدى المؤامرات التي كان “حلف بغداد” والحكم العراقي يحبكانها على سوريا فأقيل فعلياً واستقال شكلياً؛ إذا أضفنا إلى ذلك أن كسرين آخرين أُبعدا وابتعدا، هما الكسر الذي في مناخ “الإخوان المسلمين” والكسر الذي في مناخ “الحزب الشيوعي”؛ يتضح لنا أن الكسرين الباقيين هما اللذان يتحملان مع عبد الناصر مسؤولية الوحدة، وهما “حزب البعث”، و”الجيش السوري” الذي كان قوة سياسية وازنة خلال تلك الفترة كلها، غير أن عناصر “حزب البعث” الذي حل نفسه قبل إعلان الوحدة تسهيلاً لإقامة تنظيم سياسي واحد هو “الاتحاد القومي”، ما لبثت بعد فترة أن ابتعدت عن السلطة، وتحول بعضها ( أكرم الحوراني بخاصة) إلى مواقف عداء شديد لدولة الوحدة ولـ عبد الناصر؛ هذه الصورة تبين أن شرخاً تحول إلى هوة في السنة الأخيرة للوحدة، فصل الكتلة الرئيسية من النخبة السياسية السورية عن حكم الوحدة وعن عبد الناصر، في هذه الهوة التي لم يُتح لـ عبد الناصر الوقت الكافي لردمها، تكونت أولى بذور الانفصال؛ لسنا الآن بصدد تقديم تقسيم تفصيلي لمواقف كل من الطرفين وبيان أيهما الأكثر وعياً للمصلحة القومية، لكن من المناسب الإشارة إلى أن تمصير البنية السياسية السورية وسحب النظام الناصري إلى سوريا وإقامة قيادة مركزية لدولة الوحدة وتشكيل تنظيم سياسي ملحق بالدولة، كان مطلب عبد الناصر الثابت الحاسم الذي قبله الطرف السوري، وأصبح الأساس الدستوري والسياسي لبنيان دولة الوحدة، هذه الواقعية لا تكشف فحسب التغيير الذي طرأ على موقف ذلك الكسر من النخبة السياسية السورية، بل أيضاً واقع أن وعيه السياسي كان وراء وعي عبد الناصر؛ فهل كان هذا الشرخ يعبّر عن تفارق بين خصوصية ما سورية وأخرى مصرية؟ أم إنه كان يعبر فحسب عن تفاوت في مستويي وعييهما؟ أم إنه، أخيراً، كان يعبر عن رفض النخبة السورية ما توهمته أو ما زعمته عن هيمنة مصرية على سوريا؟
العوامل التي كونت هذا الشرخ أكثر أهمية وأثقل وزناً بكثير من هذا الذي أوردناه في هذه التساؤلات، مع ذلك لا يسعنا أن نُنكر أن شيئاً من هذا القبيل يكمن في أساس هذا الشرخ: أولاً، إن وعي عبد الناصر كان بلا شك أقل تأخراً من وعي النخبة السياسية السورية كلها؛ ثانياً، إن النخبة السورية قد شعرت أنها دون النخبة المصرية منزلةً في عمارة دولة الوحدة؛ ثالثاً، على رغم أن ما هو مشترك بين الشعبين المصري والسوري، ممثلا بالميل التاريخي لدى البلدين إلى التواصل والوحدة فضلاً عن وحدة اللغة والدين وتشابه ظروف التأخر الاجتماعي والاقتصادي والايديولوجي، يُرسي أساساً لمشابهة بينهما، لكن من السذاجة والتبسيط إنكار ما يمايز بينهما؛ عناصر التمايز هذه أقل من الخصوصية بكثير، لكنها تستدعي الانتباه والاعتبار، بالطبع لا لتكريسها وتبخيرها، بل لتذليلها وتذويبها؛ أما الملامح الرئيسية في هذا التمايز فهي التالية: في سوريا ضربٌ من تناثر، أما في مصر فضربٌ من اندماج وإن تقليدي، وهذا ما يجعل النزوع إلى المركزية ودور السلطة أقوى في مصر منه في سوريا، ومن هنا فإن الروح الامتثالية أوضح في مصر، في حين أن روح المنازعة أو المناكفة أوضح في سوريا؛ كما أن الأيديولوجيا المصرية أشد محافظة من الأيديولوجيا السورية، إلا أن الأخيرة أكثر تأخراً من الأولى، وأخيراً فإن الناصرية موسومة ببراغماتية قومية عربية ذات تلاوين مصرية، في حين أن كتلة النخبة السياسية السورية قد تلبستّها أيديولوجيا ومعتقدية قوماوية عربية خالصة؛ إذا كانت هذه التمايزات تكمن في أساس هذا الشرخ، إلا أن أساس هذا الشرخ الذي وجد من قبل بين عبد الناصر والنخبة السياسية المصرية لما قبل ثورة 23 تموز 1952، يعود إلى كون عبد الناصر قد استحوذ، طبقاً للأسس السياسية و الدستورية التي أعطيت لدولة الوحدة، على مركز القرار السياسي.. ولقد كان ممكناً أن يكون التناقض الذي نشأ عن هذا الواقع أقل حدة وقابلاً للحل لو كان ثمة تطابق في منظوراتهما ومنهاجيتهما وأساليبهما؛ لقد كان عبد الناصر يحلم بنهضة مصرية ثم عربية تضع الأمة العربية في مستوى العصر، هذا الحلم الذي كان يؤرق ويحرك عبد الناصر، هو بالضبط ما كان غائباً عن النخبة السياسية السورية بجميع كسورها، التي كانت تفتقر إلى العظمة والخيال السياسي في آنٍ معاً، فبقيت إما أسيرة شكليات أيديولوجية قومية عقيمة في أحسن الأحوال أو كانت تقليدية أو شبه إصلاحية في أسوأ الأحوال؛ ولم يكن المنظور السياسي للكسر الماركساوي من هذه النخبة بعيداً عن هذا المناخ العام الذي يلف الجميع، بل لقد كان يستبعد ضمنياً تارة وصراحة تارة أخرى كل مشروع ثوري، كما ذكر (مكسيم رودنسون)، وكما كان واضحاً لكل مراقب موضوعي في تلك الفترة، من هنا لم يكن إبعاد النخبة السياسية السورية عن مركز القرار السياسي شيئاً يؤسف له بحد ذاته، ولا يغير من هذه الحقيقية في شيء كون الزلزلة التي أحدثها عبد الناصر في البنية التحية لـ الجمهورية العربية المتحدة لم تستطع، بسبب منظوراته الاقتصادية، أن تضع الأخيرة التي على عتبة الحداثة ولا أن تقطع بها شوطاً مناسباً في طريق النهضة، إذ إن الرؤية الاقتصادية المبتسرة لطريق التقدم العربي كانت ولا تزال قاسماً مشتركاً لجميع كسور الإنتلجنسيا العربية، ولم يكن ممكناً لـ عبد الناصر أن يتجاوز، منفرداً، هذه الرؤية.

2ً- بالإضافة إلى الشرخ الذي باعد بين النخبة السياسية السورية وعبد الناصر و تكونت فيه أولى بذور الانفصال، جاء شرخٌ ثانٍ نمت فيه هذه البذور ونسلت (من النسل)، بتضافر مع عوامل أخرى إمبريالية ورجعية عربية، مؤامرة الانفصال، هذا الشرخ الثاني يتمثل في الصراع الطبقي المكشوف الذي فتحه عبد الناصر على رغم كل دعاواه حول الوحدة القومية والاشتراكية التعاونية، ضد الطبقات الرجعية والفئات الطفيلية في المجتمع السوري، فضلاً عن دعامتها الخارجية المتمثلة بالإمبريالية؛ وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الطبقات الرجعية السورية، بما في ذلك البرجوازية، التي لم تؤيد الوحدة تأييداً حقيقياً، رأت نفسها في وحشة سياسية عندما استبعد عبد الناصر ممثليها السياسيين التقليديين مكتفياً بإشراك أحدهم في مركز رمزي، وبذا دشنت الوحدة نهاية اليمين التقليدي السياسية، وتتالت الضربات وعمليات تضييق الخناق عليها، فأخذت تنتقل رويداً رويداً، إلى مواقع معارضة وعداء مكشوف بلغت ذروتها المستقتلة مع صدور تأميمات تموز 1961، وراء كل ذلك كان حلم عبد الناصر في النهضة التي اختزلها إلى تنمية وتصنيع، وفي سبيل ذلك سوّرت المصارف، أصدر قانوناً للإصلاح الزراعي، أُممت المصارف وقسم  من التجارة الخارجية وقسم كبير من القطاع الصناعي، وبكلمة وضعت سوريا، بحسب مصطلح الماركسية المُسفية، في طريق التطور اللارأسمالي؛ في هذه السيرورة كانت سوريا تتزلزل وتنقسم لأول مرة انقساماً تقدمياً، أي انقساماً ذا طبيعة طبقية.. وجاءت ساعة البرهان عندما نُفذت مؤامرة الانفصال في 28 أيلول 1961: “ … الانقسام حول “الوحدة و’’الانفصال‘‘ كان أكبر انقسام طبقي، أكبر بلورة طبقية – سياسية في تاريخ سوريا، 95% من الطبقة العاملة مع الوحدة و95% من كبار الملاك والبرجوازية مع الانفصال … “؛ إلا أن تأخر وعي النخبة السياسية لدولة الوحدة، ولنقل وعيها البرجوازي الصغير الزائف السابح في إطار أيديولوجيا قوماوية تفصل المسألة القومية عن مسألة تجديد بنيان الأمة؟ وبالتالي لأن هذه النخبة ” … لم تعِ الخط الذي سارت عليه عملياً … “، أي أطلقت صراعاً طبقياً بلا وعي طبقي – أقول هذا الوعي المتأخر والزائف أستنفر مزيداً من القوى الاجتماعية والسياسية ضد دولة الوحدة ووقف في الوقت نفسه سداً أمام عملية توعية وتسييس أوسع الجماهير الشعبية في سوريا توعية عيانية تفصيلية، ومن ثم تأطيرها سياسياً على نحو يكفل فاعليتها و يشحذ قواها؛ هنا، في هذا التناقض تحقق الانكشاف الثاني الذي أتاح للعدو تمرير مؤامراته؛ إذاً، فالردة الانفصالية لم تأت احتجاجاً على “ابتلاع” برجوازي مصري لـ سوريا، ولا على “ابتلاع” قومي مصري لسوريا، بل جاءت رداً رجعياً تقليدياً على الزلزلة الطبقية والسياسية التي أطلقها عبد الناصر في سياق مشروع النهضة العربية الذي كان يحلم ويناضل في سبيله.
في برقيته الشهيرة إلى ’’مأمون الكزبري‘‘ غداة الانفصال، هنأ “خالد بكداش” بـ “الانتصار الكبير على الاستعمار المصري“، وكان قد أطلق ”باحثيه ومُنظريه” لالتقاط تظاهرات التسلط والابتلاع البرجوازية المصرية، كان نموذجهم المدعو “وليد السمان” بـ (اسم مستعار)، “سلسلة مقالات حول الوضع في سوريا” بدورية الوقت، الأعداد 10- 12 (1959)، حيث يقول فيها إن البرجوازية السورية لم تستطع الصمود أمام منافسة البرجوازية المصرية، وجاء بأمثلة عن حالة صناعة النسيج والأحذية والصابون والنشاط المصرفي.. إلا أن المجموعات الإحصائية الرسمية السورية (الصادرة في عهد الانفصال) تعطي معلومات مناقضة: خلال سني الوحدة نما إنتاج النسيج بمعدل 16 بالمئة والأحذية 16 بالمئة والصابون 13 بالمئة، أما بالنسبة إلى القطاع المصرفي الذي كان خاضعاً للاستعمار والبرجوازية الكومبرادورية، فقد جاء عهد الوحدة ليحقق إشرافاً وطنياً عليه وسوّرهُ، وفي تموز 1961 أممه.. وهذا تكذيب للمدعو “وليد السمان” ومن خلفه لـ ’بكداش‘ وزعمهم.. فمن النافل تكرار الحديث عن أمور عاد هو نفسه، ’بكداش‘، عنها وأدانها الحزب الذي يقوده .
لكن لا بد من قول كلمة قد تكون صادمة، وينبغي أن تكون صادمة، لأنها تستهدف تبديد وهم أو فضح أيديولوجيا:
في وحدة بين سوريا ومصر ويقودها عبد الناصر لا بد من أن تدفع طبيعة الأمور ومنطق الأشياء إلى أن تلعب مصر دوراً متفوقاً وراجحاً؛ إن كل وحدة قومية قامت في التاريخ (فرنسا مثلاً) كانت تنطوي على شيء من قبيل الابتلاع، وفي كل دولة تضم أكثر من شعب نلحظ دوراً مميزاً أو راجحاً لشعب معين (في شعب هان في الصين، الروس في الاتحاد السوفياتي، الصرب في يوغوسلافيا)، لذا فالتصور المساواتي الخروفي لدور الأقطار في الوحدة العربية العتيدة ينطوي على سذاجة وطوباوية في الوقت نفسه، لا بد من أن تصب في مواقع انفصالية؛ لا شك في أن شعور (ونقول شعور فحسب) النخبة السياسية السورية المُبعدة عن مركز القرار في دول الوحدة والمعادية لها كان يذهب إلى تصوير دور المصريين على أنه أكثر من متفوق وراجح، لكن لا بد من التذكير بما قلنا قبلاً من أن إزاحتها من الطريق لم تكن، في حد ذاتها، أمراً سلبياً من زاوية التطور التاريخي، فضلاً عن أن مشاعر الجماهير الشعبية السورية كانت بعيدة جداً عن مشاعر الأولى، بل كانت مناقضة لها: لقد كانت تعتبر حكم الوحدة مُحققاً لأمانيها وتطلعاتها.. الحديث عن ’استعمار مصري‘ لسوريا أو ابتلاع برجوازي مصري للبرجوازية السورية لا يتجاهل فقط الطابع الكولونيالي للبرجوازية المصرية، بل يتجاهل أيضاً واقع العلاقات الاقتصادية المصرية – السورية خلال سني الوحدة، وهي علاقات لم تكن متوازنة فحسب، بل كانت محدودة جداً؛ هذه بعض وقائع العلاقات الاقتصادية بين الإقليمين المصري والسوري خلال عهد الوحدة:
أ- في آب 1958 أصدر عبد الناصر مرسوماً بقانون أخضع بموجبه تبادل المنتجات الصناعية بين الإقليمين المصري والسوري لرسم تعويضي خاص، للحيلولة دون إلحاق ضرر بصناعة إقليم على حساب صناعة الآخر.
ب- الميزان التجاري بين الإقليم السوري والإقليم المصري كان، خلال سني الوحدة، لصالح الأول، إجمالاً.
ج- إن متوسط قيمة مستوردات الإقليم السوري من الإقليم المصري، خلال فترة الوحدة، على الرغم من اطراد تزايدها (وفي المقابل اطراد تزايد مستوردات الإقليم المصري من السوري)، كان أقل من 6 بالمئة من قيمة مجموع المستوردات السورية..
ولم يكن ممكناً لها أن تتوسع وتتكامل إلا خلال سيرورة تطوير وإنماء متسقين ومتكاملين خلال فترة طويلة، فترة توفر ليس التكامل والاندماج الاقتصاديين فحسب، بل أيضاً تصفية الطبيعة الكولونيالية التابعة لكل من الاقتصادين المصري والسوري.

3ً- بعد هذه القطيعة بين الكتلة الأساسية من النخبة السياسية السورية وحكم الوحدة، بعد هذه المعركة الطبقية الضارية غير المسنودة وغير المسددة بوعي مناسب، التي فتحها عبد الناصر واستنفرت القوى التقليدية والبرجوازية السورية ضده وبالتالي ضد الوحدة، هل كان ممكناً لهذه الوحدة، وهي التي تعاني نقصاً في أحد شروطها الموضوعية، المتمثل بانعدام التواصل الأرضي، أن تصمد؟ إننا لا نعتقد أن ثمة حتميات سياسية.. وبالتالي فما دام حكم الوحدة يحظى بدعم جماهير الشعب السوري، ومن ثم ما دامت النخبة السياسية السورية محدودة الفاعلية ومحدودة النفوذ جداً، في أوساط الجماهير، فقد كان ممكناً أن تستمر هذه الوحدة.. هنا، في هذه التجربة، كما في تجربة حرب حزيران/ يونيو، تجلى التأخر المأساوي الذي وسم مجموعة ’عبد الحكيم عامر‘ العسكرية التي تولت فعلياً زمام قيادة الجيش السوري.. الفرع السوري من هذه المجموعة هو الذي خطط ونفذ مؤامرة الانفصال.. لا شك في أن ثمة تناقضاً بين البيروقراطيتين العسكريتين السورية والمصرية استثمرته هذه المجموعة، ولا شك أيضاً في أن حُمّى الصراع الطبقي لعبت دورها الكبير ووصل لفّحها إلى داخل الجيش، ولا شك أن في إبعاد وابتعاد النخبة السياسية السورية عن مركز القرار لعب دوره المؤثر، لكن كل هذه التظاهرات ما كان باستطاعتها أن تلعب هذا الدور المشؤوم لولا تأخر تلك المجموعة، وذلك لأن التحرك الانفصالي في الجيش، كما أثبتت الأحداث في ما بعد، كان جد محدود وغير ذي جذور، وأن مزاج الجيش السوري الذي كان يواجه الخطر الإسرائيلي، كان أقرب إلى مزاج الجماهير السورية منه إلى مزاج النخبة السورية.

   أخيراً:
’’ … إن فريقاً من السوريين ذهب عام 1958 إلى عبد الناصر، هذا البطل القومي التاريخي، وطالبه بأن يقبل بإلغاء المجتمع المدني، إلغاء التعددية السياسية والثقافية والطائفية وغيرها، بهذا المعنى استطاع عبد الناصر أن يخضع لرغبة فريق ذهب إليه، وقد اعتقد عبد الناصر، وهو الرجل الوحدوي، أنه قد يستطيع تجاوزه في سياق العمل، ولكن الآخر كان أقوى.. أصدر بياناتٍ كثيرة بإلغاء المجتمع المدني بإلغاء الأحزاب بإلغاء التعدد بكل ما هو قائم في سورية؛ وسورية قائمة على فكرةٍ واحدة، على التعدد ولكنها واحدة.. اختلط الأمر، فما كان من هذا الفريق الذي ذهب لمطالبة عبد الناصر بالوحدة قد نجح أخيراً بالإطاحة بالوحدة بعد إنجازها … ‘‘؛ وحصل الانفصال في 28 أيلول عام 1961.. وكأننا أمام ثأرٍ تاريخي من أمتنا وشعوبنا، الثأر الذي لا زال مستمراً وبوحشيةٍ أشد!

يتبع.. بـ (1- 4) من قسم ’’الوحدة وما بعدها‘‘…