الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

في المشروع الوطني والبحث عن حوامله المجتمعية

جمال الشوفي*

بين أن تطرح فكرة وتبحث عن واقع يحملها، أو تنطلق من واقع لفكرة يمكن أن تصيغه كثافةً، جدل مستمر منذ هيغل وماركس، وما قبل وما بعد، هو عمل واشتغال في قضايا الناس وشؤونهم ومصائرهم وطرق حياتهم. فالواقع قابل للاعقل، كما الفكر والعقل قابل لأن يصبح واقعاً، وبين هذه وتلك ثمة جدل وطرق معرفية ومناهج أيضاً، لكن الأهم قبل طرح هذه أو تلك، وحسب الياس مرقص، هو ردم هذه الهوة بين الفكر والواقع، أو الواقع والفكر، بالعمل والأدوات. المشروع الوطني

تكتظّ الساحة السياسية السورية اليوم بالمشاريع والأوراق السياسية، التي تحاول أن تضع مشروع وثيقة أو مبادئ وطنية، تبحث في الحل والمستقبل السوري، مطعمة برؤية وأهداف ومبادئ حامليها. فالبحث عن تغير سياسي ينصف المظالم، ويحقق العدالة، ويبني دولة تقدّر وتثمّن مواطنيها، هو الخلاصة العامة لهذه الأوراق والجهود؛ خاصة وأنّ حجم المأساة والكارثة السورية بات يفوق حد الخيال، فكيف إذا ما أضفنا، أنّه ثمة شعور عام باقتراب المسألة السورية من نهاياتها، بإشارات روسية وأمريكية متعددة، وبين هذه وتلك، معايير سياسية واقتصادية ناتجة عن مفاعيل قانون “قيصر”، وأثره الملموس على واقع السلطة السورية ورعاتها الإقليمين والدوليين.

التغيير والانتقال السياسي بمرجعية القرار 2254/2015، العدالة الانتقالية، المبادئ العامة للوطنية السورية، روافعها وأسسها الدستورية والقانونية كما في إعلان الوطنية السورية، وبصيغة موسعة أحياناً في مجالسها الانتقالية السياسية والعسكرية والمدنية، كما في العديد من الأوراق والوثائق الوطنية الأخرى، والتي هي مبادئ عامة بمجملها، تحاول النضوج والاكتمال من حيث الرؤى والفكر وطريقة الحل الوحيد والممكن، والذي لا نزاع عليه لليوم منذ 2011، في استحقاق التغيير والانتقال السياسي. لكن السؤال المطروح اليوم من هي الحوامل المجتمعية القادرة على حمل هذا التحول والتغيير؟ وهو ما يعيدنا لموضوعين: الأول، في عمق جدل الفكر والواقع، والثاني أين هي مقومات الحل السوري اليوم؟ المشروع الوطني

لا يخفى على أحد من العاملين في الحقل السياسي الفكري السوري اليوم، أنّ سورية باتت مسألة دولية شائكة تتنازعها طريقتين: طريقة سوتشي الروسية وجنيف الأممية، والتي درست بشكل مدقق ومتكرر، وبات عنوانها الدولي “ما فوق سوتشي وما دون جنيف”، والتي تعني بالتحديد عدم السماح لروسيا بالاستفراد بالحل السوري سياسياً، وهذا ليس لأنّ الشعب السوري وقضيته في الحرية والكرامة محطّ تضامن عالمي، بل لأنّ المسألة السورية باتت محطة دولية كبرى يتصدّر المشهد فيها كيفية إعادة ترتيب النظام العالمي وحيد القطب بنمو وصعود روسيا على حسابها ومن خلالها.

إنّ إدراك الغالبية العظمى من السوريين لهذه المعادلة، يجعل البحث في مقدمات ومتطلبات الحل السوري معضلة شائكة وعقدة صعبة الحل، خاصة وإنّ قوى التماس الأرضية محفوفة بالمخاطر العسكرية الكارثية بوجود كبرى المنظومات العالمية على الأرض السورية، وبالتالي يعتبر البحث في مستقبل سورية وفق إعلان مبادئ وطنية سورية، سواء بورقة عامة أو بوثيقة عمل وعهد وطني، مهم من حيث المبدأ للمستقبل الممكن، لكن ينقصه البحث في الواقع المحلي وحوامله المجتمعية القابلة على حمل هذه المبادئ وتجسيرها فعلياً في الواقع، وهي المبتلية بكل جروحات وكوارث السنوات العشر الماضية، ما يحيلنا مباشرة للسؤال الأول في المقدمة: ما هي الطرق والأدوات لردم هذه الهوة بين الواقع المثخن بالآلام والكوارث والفكرة الحق المطروحة؟

فإذا سلّمنا بأنّ الحل السوري بات دولياً بامتياز، وأنّ التغيير السياسي هو مفتاحه، فما على السوريين فعله؟ هل انتظار هذا الحل والتغيير، أو العودة لعلاج ما لم تعالجه السياسة لليوم، إلا وفق جملة من المقترحات والتوصيات على أهميتها، لكنها أبداً لا تعالج مشاكل الواقع والهوية السورية؟

علاج الشروخ العميقة بين المكونات السورية المجتمعية الأهلية والدينية والسياسية أيضاً، يقود تلقائياً للطرق والأدوات الممكنة للعمل ولكن بمبادرات محدثة، تقوم على:

– ترميم الصدوع العنفية كمنتج للسياسة والحرب في كل منطقة سورية، كالكرد والعرب شمال شرق سورية، درعا والسويداء جنوبها مثلاً، وعموم نقاط التماس المحلي بين مكونات المجتمع بصيغته الأهلية.

– تقارب الرؤى بين الأديان وموقعها في حياة المجتمع ومستقبل الدولة الممكنة.

– استعادة مقولة العيش المشترك ووحدة المصير، ونبذ العنف والطائفية وتنازع الهويات دون الوطنية.

هو عمل يقوم على الإقرار بأنّ الحل الفكري السياسي المتقدّم، يحتاج ويتطلب لحوامل مجتمعية واقعية تقوم به وتنهض فيه، وهي تتحمل كامل مسؤوليتها التاريخية والوطنية عن مستقبل هذا البلد الذي يعمه الخراب من كل جهة.. هو العودة للبحث في محامل الواقع المجتمعي، أولاً، كطريقة وإدارة عمل لردم الهوة بين فكرة التغيير السياسي وبناء الدولة الحديثة، وبين واقع تفترسه كل موبقات المشاريع السياسية للدول الكبرى، وما ينتج عنها من عنف وتهجير وقتل وتذكية النزاعات البينية والأهلية لتفتيت هذا النسيج الوطني، بغية الاستفراد به قطعة قطعة، كما حدث طوال السنوات الماضية، ترسيخاً لسياسة القوة وسلطة العسكر. المشروع الوطني

ثمّة ما يمكن الاستناد له مرة أخرى بقول قديم حديث بآن: إذا كان مشروع الدولة السورية الحديثة مرتبط وثيقاً بالتغيير والانتقال السياسي، فالوصول لهذا التغيير وتحقيق مفاعيله، من عدالة اجتماعية وانتقالية وإنصاف حقوق ومظالم يبدأ من الواقع بكل تعييناته وتفاصيله، الذي تعبث به كل نزعات الشرور والجريمة والسياسات الدولية الماكرة، هو عمل بالواقع والحوامل الوطنية الممكنة لردم تلك الهوة العميقة بين الفكرة والواقع.

كان لسيفوكليس الروائي والمسرحي اليوناني مأثرة هامة في المسرح، حين أضاف ممثلاً ثالثاً للمشهد، بدل الاكتفاء بممثلين متحاورين في وقتها، ومأثرته أنّ هذه الفكرة جعلت المسرحية تتحرّك بسرعة ومنحتها روحاً وعمقاً وحياة، فهل يمكن للمشهد السوري أن يُمنح بعداً وحياة، إذا ما أضفنا للمشهد الثنائي الدولي (السوتشاوي الروسي والجنيفي الأممي) أو المحلي السوري (المعارض والموالي) لاعباً ثالثاً هو المجتمع بحوامله الوطنية، والذي تدعي كل الثنائيات هذه تمثيله؟ هذا البعد المجتمعي بواقعيته وتاريخه الوطني هو القادر على تحريك دفة المسرح السوري من الجمود والهدر المتتالي إلى الحياة بكل معاناتها، وتجسير العقد الاجتماعي بحوامله المجتمعية توافقياً، والمعبر الأوضح عن وحدة الأرض والشعب، وهدفه الوصول لعقد اجتماعي وطني، التغيير السياسي ليس نهاية مطافه، بل بدايته الفعلية لاستعادة الهوية الوطنية التي تذروها مفاعيل السياسية الدولية وارتهان المحلي لها معارض وموالٍ.

هو سؤال الهوية مرة أخرى، لكن من بوابة الحوامل المجتمعية صاحبة الحق بردم معيقات وجودها وهدرها الوطني المتتالي والمتفاقم، وفق بوصلة التغيير الوطني الحقة.

* كاتب وباحث سوري

المصدر: ذي ليفانت