الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

التحول في دور البرلمان


سام دلّـة *

ترجع فكرة البرلمان في وجودها الحديث كأحد متطلبات مبدأ الفصل بين السلطات الذي نظر إليه مونتسكيو في كتابه “روح الشرائع”، والذي حدد دور البرلمان تقليدياً بالوظيفة التشريعية، ولذلك سمي وظيفياً بالسلطة التشريعية، وتطور دوره التقليدي مع تطور التجربة الديمقراطية لتضاف إليه وظيفة أخرى هي الوظيفة الرقابية على السلطة التنفيذية، حيث تفاوتت قوة ممارسة هذه الوظيفة بحسب طبيعة نظام الحكم (برلماني/ رئاسي/ شبه رئاسي).
لكن الوظيفة الأهم، التي تبرر وتفسر الوظيفتين الدستوريتين التشريعية والرقابية بما تتضمنان من سلطات واسعة، تتمثل بالوظيفة التمثيلية للشعب وهي الوظيفة السياسية والدستورية الأساس والأهم، حيث البرلمان يُمثل التعبير الأسمى عن “سيادة الأمة”، وبالتالي كان يُنظر إليه، حتى بدايات القرن العشرين، على أنه السلطة الأكثر قدرةً على تأمين وحماية العدالة الاجتماعية.
بيد أنه ومنذ ثلاثينات القرن العشرين، بدأت الكفة تميل لصالح السلطة التنفيذية. فمع حدوث الأزمة الاقتصادية العالمية عام 1929، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية بدأ يحدث تطور في المفاهيم الدستورية للأنظمة الديمقراطية، تجسد خاصةً في تقوية (بل طغيان) السلطة التنفيذية على حساب السلطة التشريعية. وهذا الاتجاه نحو تدعيم السلطة التنفيذية، تمثل مؤسساتياً من خلال ظاهرة تراجع الوظيفة التشريعية لصالح الحكومة التي أصبح لها الكلمة النافذة، وحتى الأخيرة، في عملية التشريع، وذلك تحت ضرورات وذرائع الاستجابة للتحديات الاقتصادية. هذه الظاهرة مثلاً بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية منذ العام 1933 مع وصول الرئيس روزفلت إلى السلطة، وفي بريطانيا منذ العام 1940 ووصول تشرشل إلى السلطة، أما في فرنسا فقد كرست هذه الظاهرة مع دستور الجمهورية الخامسة عام 1958 ووصول ديغول للحكم.
في الواقع، تُعد الأزمة الاقتصادية التي حدثت عام 1929 نقطة تحول هامة في التاريخ المعاصر، حيث امتد أثرها على الكثير من مجالات الحكم، ولاسيما الدستورية منها. ففي القرن التاسع عشر عندما اتجه المواطنون في دول الديمقراطيات الغربية لتحقيق قدر كاف من العدالة الاجتماعية (دولة الرعاية)، أخذ البرلمان المبادرة في هذا المجال معتمداً بذلك على سلطاته الواسعة والإمكانات المتاحة أمامه، وتمكن من خلال وظيفته التشريعية من تحقيق ذلك بشكل فعال (إعادة توزيع الثروة من خلال الضرائب التصاعدية، وكذلك الإعفاءات الممنوحة للطبقات ذات الدخل المحدود…إلخ). وبالطبع عند حدوث أزمة 1929 لجأ المواطنون مجدداً نحو الدولة بحثاً عن حلول لها أو للتخفيف من آثارها السيئة على الطبقات الميسورة والفقيرة معاً. وحتى هذا التاريخ كان المطلب الوحيد من الدولة (السلطات العامة) هو تحقيق نوع من العدالة الاجتماعية من خلال إعادة توزيع الدخل القومي الموجود. ولكن الأزمة الاقتصادية، وما أنتجته من آثار خطيرة، لم يعد كافياً استخدام إعادة توزيع الدخل القومي لتحقيق العدالة الاجتماعية، بل توجب على الدولة العمل أيضاً على تحقيق قدرٍ عالٍ من نمو الدخل الإجمالي للناتج المحلي.
لذلك، في هذه المرحلة ظهر المذهب الاقتصادي الكينزي الداعي إلى تدخل الدولة في عملية نمو الإنتاج ومكافحة البطالة، وذلك من خلال الاستخدام الأمثل للموارد الإنسانية والمادية. وتطلب الاستخدام الأمثل لهذه الموارد السيطرة على حجوم الاستهلاك والادخار. لذلك نشأت في هذه الفترة ظاهرة التأميم وخاصةً لقطاعات البنوك (التي تسيطر على القروض، وبالتالي على حجم الاستثمارات)، والتأمين (الذي يلعب دوراً أساسياً في عملية الادخار، وبالتالي في حجم الاستهلاك) والمشاريع المنتجة للطاقة (نظراً لدورها الحاسم في العملية الاقتصادية). هذه الظاهرة أعطت الدولة أداة هامة من أجل لعب دور أساسي كمنسق للأنشطة الاقتصادية.
هذا الدور الجديد للدولة أعطى مفهوماً جديداً في المذهب الليبرالي القائم على الحرية وعدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي. فالبرجوازية منشئة هذا المذهب، رغم اعتراضها على قيام الدولة في القرن التاسع عشر بلعب دور المنصف الاجتماعي (العدالة الاجتماعية)، قبلت بالدور الجديد للدولة كمنسق للعملية الاقتصادية، لأنه من مصلحتها -كما هو من الصالح العام- وجود إنتاج قوي مستخدم بشكل جيد، ولأنّها أرادت أيضاً الاستفادة من مزايا الوسائل التي وضعتها الدولة تحت تصرف المشاريع الاقتصادية (قروض بفوائد متدنية، إعفاءات ضريبية، إعانات…).
لقد تغيرت الدولة، فالدولة التي كانت، في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تمارس وظيفة المنصف الاجتماعي بواسطة البرلمان من خلال وسيلة التشريع/القانون، تحولت نحو وظيفة المنسق والمحفز للنشاط الاقتصادي التي لا يستطيع البرلمان القيام بها من خلال التشريع، فأخذ دوره ينحسر لصالح السلطة التنفيذية التي أخذت تلعب دور المحرك الرئيسي لهذه الوظيفة الجديدة للدولة.
فحتى بداية الأزمة الاقتصادية كان البرلمان مؤهلاً وقادراً للعب الدور الرئيسي في مهمة الدولة كمنصف اجتماعي، حيث كان يكفيه أن يضع النواب أنفسهم تحت تصرف الجماهير من خلال الاستماع إلى الناخبين والتعاطف معهم من أجل إرضائهم، وتأمين انتخاب أنفسهم، وذلك من خلال القوانين المتعلقة بالإيجارات، والضرائب، وتحديد عدد ساعات العمل…إلخ، وكان البرلمان قادراً من الناحية الفنية على تحقيقها دون أي صعوبات. لكن مع تغير مفهوم الدولة ومهمتها، لم يعد كافياً الاستماع إلى طموحات وأماني الجماهير التي أصبحت معروفة (النمو، ورفع مستوى المعيشة…). فمن أجل تحقيق هذه الطموحات والأماني لا بد من جمع ودراسة الإحصاءات والمعطيات الاقتصادية، واستخلاص المؤشرات المؤثرة على النشاط الاقتصادي (ركود، تضخم…). هذا العمل في الحقيقة يتطلب معلومات دائمة ويومية بل أحياناً ساعية. وهذه المعلومات لا يملكها البرلمان، بل تملكها الإدارة أي السلطة التنفيذية، وكما نعلم فإن المعلومة في عصرنا الحالي أضحت العامل الأساسي في تعاظم القوة والقدرة على السيطرة.
ولكن ليس هذا هو المهم في العملية، فلا يكفي تشخيص المشكلة الاقتصادية بل يجب إيجاد وإدارة الحلول لمعالجة المشكلة الاقتصادية. وفي هذا الصدد يعتبر البرلمان غير قادر ولا مؤهل للقيام بذلك. فالوسيلة الفنية الإيجابية الوحيدة التي يملكها –وهي التشريع- غير ملائمة لإدارة سياسة ذات معطيات اقتصادية ظرفية ومتنوعة. فبواسطة القانون يستطيع البرلمان إنشاء قواعد عامة ومجردة ومستمرة من حيث المبدأ، في حين أنّ الإجراءات التي يجب اتخاذها لتحفيز النشاط الاقتصادي هي إجراءات ذات طابع تقني خاصة ببعض القطاعات الاقتصادية، حتى بعض المشاريع المحددة هي في أغلب الأحيان ظرفية. فهذه المجموعة من القرارات اليومية لا يمكن أن تترك لتقرر من قبل جمعية ذات عدد كبير من الأعضاء (البرلمان) بل من خلال سلطة فعالة، والسلطة التنفيذية هي التي تتوافر فيها هذه الصفة.
في جميع الأحوال، هذا لا يعني تجريد البرلمان من جميع سلطاته وإنما تراجعها بشكل كبير، حيث إنه لم تتبق له الكلمة الحسم في مسألة التشريع، وبدأت سلطته الرقابية في تراجع، حيث إن مسألة الحكومة يستبع غالباً/دائماً حل البرلمان أو الدعوة لانتخابات مبكرة. ولذلك بدأت وظيفة أساسية للبرلمان تأخذ حجماً أكبر من السابق هي وظيفة التمثيل، والتي تتجسد مؤسساتياً بإضفاء صفة الشرعية على الحكومة (لاسيما في أنظمة الحكم البرلمانية وشبه الرئاسية). وهذه الشرعية تتوقف على صحة وسلامة انتخاب البرلمان، الذي يحكم تكوين الحكومة بالاتساق مع نتائج الانتخابات. وبالتالي أي برلمان لا يُنتخب وفق معايير دقيقة من التنافسية في إطار واسع من الحريات العامة والفردية لا قيمة له ولا يضمن أدنى غطاء لشرعية الحكم.

* أستاذ في القانون العام

المصدر: الناس نيوز