الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

  عبد الناصر وعبادة الفرد

محمد عمر كرداس

يُتهم الناصريون ممن يكرهون عبد الناصر أو يحقدون عليه، أنهم عبدة أصنام ويقدسون الفرد والحكم الفردي، وكثير منهم لا يعرفون حقيقيةً لماذا يكرهونه، فمن يعرف ماذا فعل هذا الرجل لا يمكن إن كان وطنياً نزيهاً أن يكرهه أو يحاربه، عدا عن طبقة سياسية فاسدة وجماعات نهب وتسلط أو منحازون لأيديولوجيات متطرفة يساراً أو يميناً مما سبب خراب الوطن العربي من محيطه إلى خليجه، وغير قوى استعمارية أذهلها الزعيم كيف قضى على مخططاتها في المنطقة . لقد جاء عبد الناصر إلى الحكم ومصر مستعمرة، كما السودان الذي كان تابعاً إسمياً لها، وكان الاستعمار الفرنسي البغيض في كل من الجزائر والمغرب وتونس وموريتانيا، وغالبية دول أفريقيا. وكان الاستعمار الانكليزي يحتل الجنوب اليمني والكويت والبحرين والامارات المتصالحة التي أصبحت الإمارات العربية المتحدة بعد الاستقلال، ثم قطر والعراق، والأردن الذي كان قائد جيشه ضابط انكليزي اسمه كلوب أنعم عليه الملك عبد الله الأول الذي قُتل جراء خيانته، بلقب باشا أيضاً، كل ذلك انتهى في زمن عبد الناصر وبدعمه العسكري والإعلامي والسياسي والمالي في بعض الأحيان . فهل يستحق عبد الناصر كرهنا إلا إذا كنا منحازين لمن أعاد إلى بلادنا الاستعمار  في جل أقطارنا العربية ، ومن لا يرتبط بقواعد فهو يدفع المعلوم لحماية نظامه لا شعبه، أو يبيع وطنه مقابل ضمان الكرسي له ولعائلته . لقد جاء عبد الناصر ورفع شعار “على الاستعمار أن يحمل عصاه ويرحل” وهكذا كان في زمانه . أما في بلده مصر، فكان أول حاكم مصري منذ أكثر من ألف عام، رفع شعار القضاء على الإقطاع وسيطرة رأس المال على الحكم، وكانت 20 أسرة غالباً من أصول تركية وألبانية تسيطر على أكثر من 80 بالمائة من الأراضي الزراعية، وتحرم الفلاح المصري من أرضه وتستعبده مقابل فتات لا يُسمن ولا يُغني من جوع، فأزال هذه الطبقة بامتيازاتها وألقابها وأعاد ثروات الوطن إلى أبنائه . نحن هنا لن نعدد إنجازات عبد الناصر وثورته ورجاله الأفذاذ، بل نريد أن نعرف لماذا يكرهون عبد الناصر . إنه حُكم العسكر والانقلابات والمخابرات، وهو من أسس للانقلابات العسكرية في الوطن العربي. وهذا افتراء، ففي 3 تشرين أول/أكتوبر أعلن العراق بلداً مستقلاً ورُفع العلم العراقي على مقر عصبة الأمم، وفي 29 تشرين أول/أكتوبر من نفس العام 1936 أعلن الفريق بكر صدقي رئيس أركان الجيش العراقي قيامه بحركة إصلاحية أطلق على نفسه “قائد القوة الإصلاحية” أجبر الملك فيصل على إقالة الحكومة التي كانت برأيه تهتم بمصالح أفرادها فقط، وبهذا كان انقلاب بكر صدقي أول انقلاب عسكري في الوطن العربي، تبعه بذلك انقلاب حسنى الزعيم رئيس أركان الجيش السوري الذي درس العلوم العسكرية في تركيا وخدم في الجيش الفرنسي المحتل، وأتى به الحكم الوطني رئيساً للأركان، الذي نفذ انقلابه لصالح أجندات استعمارية في 30 آذار 1949، وحكم البلاد 135 يوم وقّع خلالها الهدنة مع العدو الصهيوني ووافق على اتفاقية التابلاين الأمريكية المُجحفة بحق سورية والتي رفض البرلمان السوري الموافقة عليها، وكان انقلابه مقدمة لـ 20 انقلاباً مرت بها سورية بعده، والجدير بالذكر هنا أن انقلابي صدقي والزعيم قاما على حكوماتٍ وطنية، بينما ثورة 23 تموز/يوليو، قامت على حكم لعائلة ألبانية فرضها الحكم العثماني حينها، وأعادت الحكم لأول مرة إلى المصريين .

من ينظر الى الخارطة العربية الآن وإلى نفس الخارطة في فترة عبد الناصر، يعي الفرق الجوهري بين ما كان من صعود وكبرياء ـ وبين ما نعيشه الآن من تردي وهوان وانحطاط في الأنظمة والحكومات ومن لف لفهم .

وحتى نستعيد تلك الأيام وذلك المجد، لا بد من إعادة الالتزام بالمشروع النهضوي العربي الذي أرسى دعائمه جمال عبد الناصر وثورته المجيدة .


محمد عمر كرداس :
كاتب وسياسي سوري