الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

إرهاصات التأسيس /3/

قدمنا في القسمين السابقين عن الحياة السياسية في كلٍ من سورية و مصر على التوالي قبل وحدة 1958، وسنطرح هنا عن جدلية هذه الحياة المشتركة تاريخياً بما في ذلك المواجهة مع الاستعمار ومخططاته، التي أفضت إلى تلكم التجربة الوحدوية.

حول تجربة الوحدة و قيام الجمهورية العربية المتحدة في 1958:
في أي سياق، عربي ودولي، قامت الوحدة؟ وما مفاعيلها السياسية على الإمبريالية، وعلى (إسرائيل) والرجعيات العربية؟ كيف كانت العلاقة بين الإقليمين المصري والسوري قبل هذه الوحدة وفي إطارها؟
بعد الحرب العالمية الثانية، حين خرجت دول الاستعمار التقليدي للصفوف الخلفية، وصعدت القوتان الجديدتان الرئيسيتان على المسرح الدولي (الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية) وحين استأنفت الشعوب، بعد انتهاء الحرب، نضالها ضد الاستعمار، أصبحت عملية نزع الاستعمار التقليدي مطروحة في أمر اليوم؛ ولم يكن سهلاً على دول الاستعمار التقليدي القبول بهذا الميل التاريخي، فأرادت تسوية بينها وبين الشعوب العربية تكفل لهذه الشعوب انتقالاً ما من التبعية إلى شبه الاستقلال في إطار النفوذ الإمبريالي للدول الغربية؛ وهنا تضافرت، على رغم التناقضات التكتيكية والجزئية، جهود دولتي الاستعمار التقليدي (إنكلترا وفرنسا) مع دول الاستعمار الجديد برعاية (الولايات المتحدة الأمريكية) التي كانت تطمح إلى وراثة التركة الاستعمارية القديمة ليس فقط لمتابعة استغلال الشعوب العربية واضطهادها، بل أيضاً لجعلها مرتكزاً لعملية محاصرة وصد لما كان يسمى حينها الاتحاد السوفياتي التي بدأت مع مشروع “ترومان” وتصاعدت مع سياسة “حافة الحرب” التي مارسها “دالاس” ، وزير الخارجية في عهد “آيزنهاور”.
وفي سياق محاولة إعادة وضع الشعب العربي في دائرة النفوذ الغربية، أي لجعل الاستقلالات السياسية التي يطالبون بها نصف استقلال أو شبه استقلال، طرحت الإمبرياليات مشروع الدفاع عن الشرق الأوسط وميثاق الأمن المتبادل مع مصر (1951- 1953).
وبالنسبة إلى سوريا، توالت المشاريع “الوحدوية” من العراق، متواكبة مع سلسلة من المؤامرات وعمليات الإفساد والرشى للقسم الأكثر تأخراً ويمينية من البنية السياسية السورية (1949- 1957)؛ ولم يلبث المشروع الاستعماري أن أخذ يتبلور، والمطلوب إقامة ’’حلف أطلسي صغير‘‘ لما دعي بالشرق الأوسط، وعلى رغم بعض تناقضات جزئية وثانوية بين أمريكا وإنكلترا، سارت قدماً عملية بناء الحلف الذي سمي ’’حلف بغداد‘‘ في ما بعد، والذي اكتمل تقريباً في تشرين الأول 1955، وكان يضم في عضويته، فضلاً عن إنكلترا، باكستان، تركيا، إيران، والعراق؛ أما أمريكا، فقد اكتفت بعضوية اللجنة العسكرية فقط..
كانت مصر التي وقعت مع إنكلترا اتفاقية الجلاء في تشرين الأول 1954، قد رفضت رفضاً قاطعاً الدخول في أحلاف مع الدول الغربية؛ لذا اتجه حلف بغداد، في محاولة لعزل مصر وإجبارها بالتالي على القبول بالدخول في عضويته، إلى تكثيف مؤامراته وضغوطه على سوريا للسيطرة عليها وإدخالها في الحلف، وعندما أدركت مصر هذه الواقعة بادرت إلى هجوم معاكس؛ كان بداية لانفجار أكبر وأعظم المعارك السياسية والعسكرية التي شهدها الوطن العربي، منذ الاجتياح الاستعماري، هذا الهجوم المعاكس أخذ يتجه رويداً رويداً إلى مزيد من الراديكالية في موقفه من الإمبريالية ورؤيته لها من جهة، كما أنه اتجه، من جهة أخرى، إلى عزل العراق الذي أرادوا له أن يكون جسراً بين الحلف والوطن العربي، عن التأثير ببقية العرب؛ وفي هذه المعركة، كانت سوريا الميدان الرئيسي طوال أكثر من خمس سنوات على الأقل، وبلغت ذروتها خلال السنتين الأخيرتين اللتين سبقتا قيام الوحدة؛ ففضلاً عن المؤامرة الأمريكية – العراقية – الإنكليزية التي كُشف عنها النقاب في تشرين الأول 1956، والتي تواطأ فيها قطاع غير قليل من الكتلة السياسية التقليدية السورية، إذ حيكت مؤامرة أخرى للقيام بانقلاب مسلح ينفذ، في وقت واحد مع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956؛ وما لبثت الولايات المتحدة، بعد فشل العدوان الثلاثي، أن بادرت للعمل منفردة للإعداد لانقلاب عسكري (مؤامرة “هوارد ستون”)، لكنه أُحبط وكُشف عنه النقاب في 12 آب 1957، وتابعت الإمبريالية الأمريكية جهودها لقلب سوريا عبر الحشود العسكرية التركية على الحدود الشمالية لسوريا.
في هذه المعركة، أيضاً، برزت مصر وسوريا بوصفهما المركزين العصبيين والقلعتين الأماميتين للأمة العربية بأسرها، وكان من الطبيعي، في غمار هذه المعمعة المُميتة، أن يتقارب هذان المركزان، أن يشعر كل واحد أنه بحاجة لحماية الآخر والتضامن معه.
من هنا بالضبط بدأ الطريق الوحدوي الذي قاد إلى قيام الجمهورية العربية المتحدة؛ وفي هذا الطريق، أيضاً، خاض كل من البلدين معركةَ سويسٍ خاصةٌ به: مصر خاضت، “سويسها” دفعة واحدة في 29 تشرين الأول 1956، أما سوريا فقد خاضت “سويسها” مقسّطة على أربع أو خمس سنوات، امتدت منذ العام 1953 و حتى قيام الوحدة؛ (.. فإن الدول العربية الكبرى قد عمدت، منذ نشوء أزمة السويس، إلى تأييد خطة العزل التي اتبعتها وزارة الخارجية الأميركية على سوريا، وقد أسفرت هذه السياسة عن نتائج ضئيلة، إذ استطاعت القاهرة ودمشق إنشاء وحدة بينهما..) والسبب الذي جعل السويس المصرية تأتي دفعة واحدة، يعود أساساً إلى أن عبد الناصر استطاع أن يوحد الجبهة الداخلية المصرية وأن يشل القوى السياسية التي يمكن للاستعمار أن يلعب بها أو يحركها من جهة، ومن جهة أخرى يعود إلى كون مصر عبد الناصر كانت، بالطبع، أكثر فاعلية وتأثيراً من سوريا، كما أنها كانت مَوّقداً ومحركاً لحركة الكفاح ضد الاستعمار في طول الوطن العربي وعرضه، بل وفي قسم من أفريقيا والعالم أيضاً.
وفي المقابل فإن تخلخل البنية السياسية السورية وتناثرها، جعل الإمبريالية قادرة على الدوام على أن تلعب بالقوى السياسية التقليدية المتأخرة وهذا ما أبقى لها الأمل، بالتالي، في أن ترى سوريا ساقطة في دائرة النفوذ الإمبريالي؛ الأمر الذي سرع ودفع مجموعة من السوريين، عسكريين وبعثيين مدنيين، للقيام بزيارة عبد الناصر للإسراع بالوحدة وأقنعوه بحل الأحزاب في سورية أسوةً بما جرى في مصر وأعلموه بأنهم قد حلوا حزبهم “حزب البعث” في سورية.
إذاً، ففي الصراع في سبيل الاستقلال، وضد حلف بغداد، ثم مرورا بالعدوان الثلاثي، ووصولا إلى مبدأ “آيزنهاور” (الذي جاء ذروة السياسة الهجومية الاستعمارية الأمريكية بعد تصفية قواعد الاستعمار القديم) وعلى أشلائه قامت وحدة العام 1958، أي إنها الوحدة التي قامت (إثر حالة حرب، بل وسط حالة حرب سياسية من أكبر حالات الحرب الباردة التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية)؛ وهكذا، ففي هذه المعركة الطويلة المريرة ضد الاستعمار، السياسية حيناً والعسكرية حيناً آخر، كان النزوع الوحدوي يتحدد ويتبلور بوصفه نزوعاً معادياً للاستعمار، بحكم السياق الذي اندرج فيه، والعدو الذي قاتله والقوى التي حملت لواءه.
من هنا يبدو بمثابة توتولوجيا ’’أي قول الشيء نفسه.. علاكلوجيا‘‘؛ الاشتراط الذي طرحه بعض الماركساويين حول ضرورة قيام الوحدة العربية على أسس معادية للاستعمار، ذلك لأن المنحى التاريخي للنضال الوحدوي هو منحى معادٍ للاستعمار.. وبالتالي فإن اشتراطاً كهذا إن لم يكن نافلة، فهو، بكل تأكيد، مطلب أقل جدية وأقل تطلباً من السيرورة العملية للنزوع الوحدوي، والمشاريع الوحدوية المناقضة لهذا النزوع، و مثالها الاتحاد الهاشمي بين الأردن والعراق الذي قام رداً على الجمهورية العربية المتحدة، هو الاستثناء المصطنع الذي يثبت القاعدة، وليس العكس.. العامل الخارجي، إذاً، هو الذي لعب الدور الحاسم في صنع الوحدة عام 1958.
لا شك في أن ايديولوجيا القومية العربية، ذات الجذور التاريخية العريقة والتأثير الوازن في سوريا، هي التي جعلت الشعب السوري يعتبر على الدوام تخلّيه عن كيانه السياسي بمثابة انتصار، إلا أن الصراع الذي فرضته الإمبريالية على الأمة العربية عموماً، وعلى مصر وسوريا خصوصاً ، لعب الدور الحاسم والمُسرع في إقامة هذه الوحدة، العامل الخارجي (ولعب أيضاً دوراً كبيراً في الوحدة الألمانية، كما لاحظ “أنجلز”)، وليس التطور البرجوازي، المصري أو السوري، هو الذي لعب دور المحرك للنزوع الوحدوي.. ولعل افتقار هذه الوحدة إلى هذا العامل كان عاملاً في ضعفها وثغرة في بنيانها، فالتطور البرجوازي الكولونيالي، بتبعيته للخارج، شكل عنصر نبذ مضاداً للنزوع الوحدوي، خلافاً للتطور البرجوازي الغربي الذي كان عامل جذب وتوحيد قومي.. إن افتقار الجمهورية العربية المتحدة إلى طبقة برجوازية حقة (والبرجوازية الكولونيالية ليست سوى كاريكاتير برجوازية) جعلها ترتكز على البرجوازية الصغيرة؛ غير أن الأخيرة هذه ليست طبقة بالمعنى العلمي للكلمة، وبخاصة في  البلدان المتخلفة، لكونها (فراطة) لا تجمعها مصالح مشتركة، ولا تربطها، إيجابياً، ايديولوجيا مشتركة، ولا ترتكز على قاعدة محددة من وسائل الإنتاج.. ولأن البنية السياسية لا تستطيع أن تجّبُل وتبلور طبقة سياسية حديثة من الفراطات البرجوازية الصغيرة، فقد بقي بنيان دولة الوحدة هذه مثلوماً، فاستطاعت الإمبريالية أن تنفذ إليها، مستفيدة من عوامل متعددة، على رأسها عامل الافتقار إلى تواصل الأرض، وتضربه من الداخل، والواقع أننا عندما نتحدث عن طبقات في المجتمع العربي إنما نفعل ذلك على سبيل التقريب، فلم يشهد مجتمعنا الإقطاعية ولا الرأسمالية في صيغتيهما الأوروبية، والبنى التقليدية ما قبل البرجوازية والتطور الرأسمالي المحدود والمشوه ما زالت تحجز الاستقطاب الطبقي وتشوهه؛ لذا فإن ما نسميه طبقات هو، في الواقع، بالأحرى فئات اجتماعية متشابكة ومتفاوتة في السُلم الاجتماعي، تتصارع فيما بينها وتمارس الواحدة إزاء الأخرى اضطهاداً ما أو استغلالاً ما، وبالتالي فما نزال إزاء (بداوة طبقية) أو (طبقية مبدونة)، إذا صح التعبير؛ فالمسرح السياسي السوري، حيث عاشت برلمانية شرقية بكل قباحاتها وحسناتها (قياساً بالمملوكيات ’’الثورية‘‘)، كان يقدم عينة من هذه الحقيقة الواقعية التي قدمنا، فالكتل والتيارات السياسية لم تكن منقسمة وموزعة على أساس اعتبار طبقي ما وحده؛ لا شك في أننا كنا نتبين ملمحاً طبقياً عاماً في ثنايا الايديولوجيا والبنية الاجتماعية لهذه الكتلة أو ذاك الحزب، لكن الاعتبارات المحلية والعشائرية والطائفية والايديولوجية كانت تلعب، بصورة واعية أو غير واعية، دوراً وازناً في الخريطة السياسية لسوريا؛ إذا أخذنا هذا التحفظ بالاعتبار، واذا أخذنا بالاعتبار أيضاً كون النزوع الوحدوي في سوريا كان يجد ديناميته خلال الصراع مع الإمبريالية، يمكننا القول، خلافاً للماركساوية الاقتصادية التبسيطية المبتذلة، إن القوى السياسية التي وقفت مع الوحدة هي عينها القوى التي ناضلت ضد الإمبريالية خلال الفترة 1954- 1958 (مع استثناء ضعيف المغزى، تمثل في موقف الحزب الشيوعي السوري المعارض للوحدة)، وهذه القوى مكونة أساساً من حزب البعث والجيش السوري، فضلاً عن كسور من الكتلة السياسية التقليدية، كانت مجرورة أكثر مما هي مندفعة؛ أما القوى التي عارضت الوحدة أو توجست منها، فهي نفسها تقريباً القوى التي كانت إما خائفة من الإمبريالية أو ميالة للمصالحة معها أو مرتبطة بها، وهي قوى يغلب فيها الملمح التقليدي المختلط بالمتبرجز، فضلاً، عن كسور مهمة من الكتلة البرجوازية الصغيرة (الإخوان المسلمين).
في بلدٍ لم تخترقه السياسة بمعناها الحديث، أي لم تمارس السياسة بمعناها العصري، وبالتالي حيث الالتزام بالمصلحة القومية والتصرف وفقاً لها من قبل الكتل الشعبية، مثقل ومغموس بقبليات، ما قبل وطنية وقومية، وحيث الرابطة بين النخبة السياسية وقواعدها الشعبية تذهب إلى أبعد وأعمق من الموقف السياسي للنخبة لتصل إلى ولاء معزول إلى هذا الحد أو ذاك عن الموقف السياسي – في بلد كهذا حيث ذهبت الجماهير السورية، لعمق النزوع الوحدوي في سوريا وللصورة البطولية التي خرج بها عبد الناصر من معركة السويس، إلى مواقع أخرى بعيدة، بالنسبة إلى مسألة الوحدة مع مصر، عن مواقع النخبة السورية التقليدية – المتبرجزة، فاندفعت في موج زاخر هادر يهتف للوحدة، (وبالمأتم القومي الذي عاشته عند الانفصال)، لا بد أن يصاب الإنسان بالذهول إزاء هذه الظاهرة..

قصور الوعي وخطره على الوحدة:
في تلك المعركة الضارية التي فرضتها على سوريا الإمبريالية والقوى الرجعية العربية الضالعة معها، كانت البنية السياسية السورية تتمزق، كما بينا، وهي البنية التي كانت مُخلخلة بالأساس ، بفعل التناثر السوري ذي الجذور التاريخية، والقول بأن ’’سوريا أصبحت في أواخر صيف 1957 على شفا الانحلال كمجتمع سياسي منظم‘‘ ينطوي على مبالغة ولا ريب، لكن فيه بعضُ الحقيقة؛ ثم إن الانفصال بين الكتلة الرئيسية من النخبة السياسية والجماهير، والتمزق الذي أصاب هذه النخبة، وأخيراً ابتعاد أو إبعاد القسم من هذه النخبة، الذي دفع سوريا في طريق الوحدة، عن مركز القرار في الجمهورية العربية المتحدة، خلق في سوريا فراغاً سياسياً لم يستطع أن يملأه هذا السديم الشعبي، وإن الملتهب، الذي سار وراء عبد الناصر، ومن هذا الفراغ، الناجم بالطبع عن قصور في الوعي، الذي يفصل القائد عن الجماهير، استطاعت الرجعية السورية، مستفيدة من التناقض بين البيروقراطيتين العسكريتين السورية والمصرية، والمُرتكزة على دعم الرجعية العربية والدول الإمبريالية (حتى فرنسا الديغولية لم تكن بعيدة، ناهيك عن أمريكا وإنكلترا، عن مؤامرة الانفصال) أن تنفذ إلى بناء الوحدة وتضربه من الداخل؛ إن مسألة إسقاط الوحدة (ولا نقول سقوط ولا نقول  فشل) تعود، في التحليل الأخير، إلى مسألة الوعي، وهذا القصور في الوعي لا يقتصر على النخب المصرية، بل يتعداها إلى جماع حركة القومية العربية المشرقية، التي يتجلى قصور وعيها ليس فقط في كونها عجزت عن استشراف السيرورة المعقدة والشاقة للنضال الوحدوي، بل أيضاً في كونها عجزت عن وضع المسألة القومية في صلب قضية التقدم العربي حينها، وعن رؤية التفاعل الجدلي بين التقدم والتوحيد القومي العربي، وأخيراً لمسألة تقدم المجتمع العربي بوجه عام.
والواقع أن ما أعطى مسألة الوعي أهميتها الحاسمة بل المحورية في تجربة وحدة عام 1958 بين مصر وسوريا يتمثل بـ:
أولاً
؛ العداء الشرس الذي واجهت به القوى الإمبريالية هذه الوحدة، ناهيك عن العداء المتفاوت الشراسة والاستقتال الذي لقيته من قبل الدول المجاورة للوطن العربي: ففضلاً عن “إسرائيل” – التي رأت في هذه الوحدة تحولاً خطيراً في ميزان القوى – كانت إيران وتركيا تناصبانها العداء، وأخيراً توجس أو حذر أو عدم ارتياح للاتحاد السوفياتي، الصديق التاريخي والاستراتيجي المُلتبس..
أما العامل الثاني؛ الذي أعطى مسألة الوعي هذه الأهمية المحورية فهو عدم الاتصال الأرضي بين سوريا ومصر، ولو أن سوريا كانت جغرافياً، بالنسبة إلى مصر، ليبيا أو السودان، لما أخذت مسألة الوعي هذا الشكل الحاد والمصيري، بل لكان مستحيلاً تقريباً أن يقع انفصال، وبالتالي لما طلعت علينا هذه النظريات حول ’’الوحدة المدروسة‘‘ و’’الوحدة الراسخة‘‘ و’’الوحدة التي تحميها الجماهير المنظمة‘‘ و’’الوحدة الديمقراطية‘‘، و’’الوحدة المتكافئة‘‘ إلى آخر هذه الأسطوانة المكسورة والمشروخة، التي ما برحنا نسمعها منذ صبيحة 28 أيلول 1961، وفي النهاية لما فرحت تلك النظريات التي اكتشفت، من خلال الصفّن، حتمية سقوط الوحدة!!
ما من تجربة عربية أخرى، شكلت رائزاً للوعي العربي وللإيديولوجيا العربية مثل تجربة وحدة العام 1958، فقابلية الانثلام الكامنة في هذه الوحدة، الناجمة عن افتقارها إلى التواصل الأرضي، كانت بوجه عام رائز وعي النخبة السياسية المصرية – السورية، سواء الجزء الذي تحمّل مسؤوليتها أو الذي أزورّ عنها أو الذي عارضها، وفي الوقت نفسه كانت رائز وعي للنخب العربية الأخرى بوجه عام، كيف؟
الجزء الذي تحمّل مسؤوليتها، وقُتلت وهي تحت قيادته، كشف عن عجز وبالتالي عن قصور في قيادة العملية الوحدوية.. إن وحدة قطرين، على رغم عمق ما يجمع بينهما من إرث الماضي، وعلى رغم الطابع التخلفي المتأخر المشترك لحاضرهما، وعلى رغم وحدة الآمال التي يتطلعان إليها في المستقبل، بينهما بعض ما يمايز ( التفاوت في الاندماج أو التناثر القوي لهذا القطر أو ذاك، كثافة أو ثقل النزوع المحافظ في الايديولوجيا السائدة في هذا القطر أو تأخرها في القطر الآخر) كانت تتطلب من تلك النخبة وعياً عيانياً تفصيلياً لهذه الحقائق الواقعية في كلا القطرين يكفل القدرة على التذليل والتذويب بنفس الوقت؛ وخلافاً لمزاعم الايديولوجيا الإقليمية التي تتخذ من عنصر التباين أو التمايز بين الأقطار، كما تفعل الماركساوية العربية الاقتصادية، حجة لوضع الوحدة على الرف واستبعاد النضال الوحدوي واعتباره هدراً لطاقة وجهد الجماهير، وخلافاً لطوباوية الايديولوجيا القوماوية العربية التي تُنكر هذه التباينات الإقليمية أو تستهين بها، فإن هذه التباينات ليست، في التحليل الأخير، سوى مشكلة من مشكلات الواقع العربي ومشكلات التوحيد القومي، مشكلة تتطلب رفع الوعي الوحدوي وليس النكوص إلى الاستنقاع الإقليمي، إذاً ففي مواجهة أسوار التجزئة لسنا بالأحرى إزاء عرقلات تتطلب إرجاء الوحدة، بل إزاء مسألة تنمية الوعي العربي لكي يكون في مستوى مناسب، وما دام الأمر كذلك، تغدو معضلة النضال الوحدوي، شأن معضلات النضال الاشتراكي والتحديثي، سواء بسواء، مسألة وعي، ثم تحويل هذا الوعي، بتملكه للجماهير، إلى قوة مادية؛ وهكذا نعود مرة أخرى، وفي المستوى الأخير، إلى مشكلة التأخر، بوصفها عاهة الايديولوجيا العربية بجميع تلاوينها وتشعباتها: القوماوية، الماركساوية، الاقليمية، الخ.. وقصور الوعي لا يقتصر على هؤلاء الذين تحمّلوا مسؤوليتها، بل يمتد – وهنا المفارقة – إلى هؤلاء الذين ازورّوا عنها أو عارضوها، وبخاصة المنتمين إلى الايديولوجيا القوماوية العربية الذين انتقلوا إلى مواقع إقليمية، عندما شرّطوا وعلّبوا وقننوا العملية الوحدوية، والواقع أن هذه الأيديولوجيا، بسذاجتها وشعوريتها، تُنطنط وتقفز من مطلق إلى مطلق، لأنها عاجزة عن تصور المسار الوحدوي كصعود شاق يتواكب مع الوعي السياسي السائد ومع الايديولوجيا السائدة، وبالتالي اعتبار الوعي الوحدوي خلاصة وزبدة الوعي العام لمجتمع يعاني شقاءً قومياً من جهة، ويواجه ضغوطاً ساحقة من قبل الإمبريالية من جهة أخرى؛ ولأن الإيديولوجيا القوماوية العربية اعتبرت الوحدة طوباوية أو مثالاً وليس واقعاً يتطور مع تطور وعي البشر الذين يناضلون في سبيل المشروع الوحدوي، رأينا قطاعات غير صغيرة من قطاعاتها تنتقل، دونما شعور بعميق تناقض، عبر شقلبة ميتافيزيائية، إلى مواقع إقليمية وانفصالية؛ ولعل أبرز مثال على هذه الحقيقة الواقعة هو المناداة بـ ’’الوحدة المدروسة‘‘ التي انتهت عملياً إلى انفصالات أو انفصاليات مدروسة.. في تجربة وحدة 1958، أعطت الايديولوجيا القوماوية العربية كل ما لديها، ومنذ ذلك الحين تثبت هذه الايديولوجيا أنها إما عاجزة عن خدمة المشروع الوحدوي أو أنها تحولت إلى عقبة في وجهه؛ والمهمة المطروحة أمام الثوريين العرب هي دفن – عبر الدحض والتفنيد – هذه الايديولوجيا القوماوية واستبقاء هذا العنصر الثمين والعظيم منها، عنصر يشكل أرضية المستقبل العربي هي الوحدة العربية.

الزلزلة السياسية قبل وبعد الوحدة:
أحرزت حركة القومية العربية، بعد نضال استمر حوالى نصف قرن، أول انتصار قومي وحدوي في تاريخ العرب المعاصر، تمثل في وحدة مصر وسوريا في إطار دولة موحدة اسمها ’’الجمهورية العربية المتحدة‘‘، فإذا كانت وحدة العام 1958 قد جاءت نتيجة زلزلة سياسية، فإنها لم تلبث، بدورها، أن أحدثت زلزلة سياسية؛ وفيما لو أن هذه الزلزلة أخذت كل مداها، بتوفر وعي مناسب لدى الصف الوطني العربي، لقطعت الثورة العربية مسافة أطول بكثير ولوفرت للتقدم العربي أرضية أكثر مؤاتاة بكثير؛ أخذت هذه الزلزلة بعض مداها بانفجار ثورة 14 تموز 1958 في العراق، لكنها لم تلبث أن تجمدت مع ارتطام البعد الوحدوي لهذه الثورة، ارتطام تلاه انطفاء جذوتها وتحولها إلى حكم عسكري.
هذه خطوط عريضة للتطور السياسي العربي تهدف فقط إلى توضيح وإبراز: أولاً، مكان العام 1958 في التطور العربي خلال الفترة التي بدأت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ثانياً، كيف تندرج العملية الوحدوية في صلب التطور العام للنضال العربي في سائر صعده وتكون مرآته وخلاصته.. وبالتالي تُبين كيف أن النضال ضد الاستعمار يمكن أن يتحول إلى أكثر من احتجاج سياسي، أي يمكن أن يمكث في الأرض، إذا صُب في أقنية ومجارٍ وحدوية ( أو إذا صب في عملية تغيير جذرية لبنى المجتمع لا الاقتصادية فقط ، بل السياسية والثقافية أيضاً وأولاً ).. إن المشروع الوحدوي يشكل أرضية مناسبة للتقدم العربي، يذلل هذه العقبة أو يشل ذاك الضغط ، بل قد يشكل رافعة على هذا الصعيد أو ذاك، أما إذا بني على وعي مناسب بآفاق التقدم العربي ونهضت به قوى اشتراكية وحديثة فيشكل رافعة لا مثيل لها للنهضة العربية.
قلنا إن تلك الوحدة التي جاءت حصيلة زلزلة سياسية، ما لبثت أن أحدثت، بدورها، زلزلة أخرى، كيف تجلت؟ ما هي تظاهراتها؟ وما هي مفاعيلها؟ فعندما كان المشروع الوحدوي بين سوريا ومصر يتجسد ويتبلور خلال معركة ضارية فرضتها الإمبريالية الأمريكية، ويصل بالبلدان إلى الوحدة من خلال معارضة مشتركة لا تردد فيها ولا التباس لمبدأ ’’آيزنهاور‘‘، كانت الأقطار العربية الأخرى: لبنان، العراق، تونس، ليبيا، الأردن، السعودية، يرتبط الواحد بعد الآخر بهذا المبدأ الأمريكي، هذا الارتباط الذي قنن امتداد الهيمنة الأمريكية على الوطن العربي وصفى بقايا نفوذ دولتي الاستعمار القديم (إنكلترا وفرنسا)، بحيث إن حلف بغداد نفسه أصبح مظهراً من مظاهر مبدأ ’’آيزنهاور‘‘.
هذا المناخ السياسي، بدأت عناصره تتجمع منذ حرب السويس، الذي ولدت فيه الجمهورية العربية المتحدة، أطلق في طول الوطن العربي وعرضه موجة حماسة وتحركاً جماهيرياً لم يشهدهما من قبل، وأصبحت هذه الجمهورية محط آمال الشعب العربي في تحقيق الوحدة العربية وتحرير الوطن العربي من النفوذ الاستعماري.
هذه الحماسة القومية، بل الهيجان القومي، زادت من أرتباك، بل من ذعر الرجعيات العربية و”إسرائيل” والقوى الإمبريالية، ومن يتأمل الأوضاع السياسية العربية في ذلك الحين كان يرى ارتسامات أو إرهاصات تغييرات مهمة في الأوضاع السياسية العربية، تغييرات أصبحت مُدرجة في أمر تلك الأيام، وتحققها أصبح مسألة وقت، فلقد عبرت مجلة نيوزويك حينها عن قلق المعسكر الإمبريالي بوضوح عن ’’… أن الخطر الأكبر يكمن في المستقبل، بخطة القاهرة لإقامة دولة عربية كبرى، تعتمد في قوتها على بترول الشرق الأوسط، إن القاهرة لا تُخفي خططها، وهي لا تفتأ تعلن أن بترول العرب للعرب، لذا فإن الولايات المتحدة تؤيد الدول العربية الأخرى المدافعة عن استقلالها والمناوئة للمتحدة …‘‘.
ولم تخب التوقعات: صدرت ردود فعل وانفجرت أحداث جلت وأكدت الاحتمالات الثورية التي انطوى عليها ذلك المشروع الوحدوي، وإذا كانت هذه الاحتمالات الثورية قد خُنقت الواحد بعد الآخر وصولاً إلى المشروع الأصلي، الجمهورية العربية المتحدة، فإن هذا لا يثلم مشروعية وواقعية و عقلانية المشروع الوحدوي، بل يكشف فقط قصور وعي حركة القومية العربية بوجه خاص والحركة الوطنية بكل الأقطار العربية بوجه عام، فضلاً عن دور العوامل الدولية التي لعبت، هي أيضاً، دوراً في خنق تلك الاحتمالات، دوراً كان من الممكن شله لو أن الوعي العربي كان، ونكرر ذلك، على مستوى مناسب.
بعض ما هو رئيسي من تلك الأحداث وردود الفعل كان التالي:
أولاً– لقد كان قيام “إسرائيل” واستمرار وجودها نتيجة طبيعية لميزان القوى المحلي الذي لم يكن لصالحها إلا بسبب واقعّي التأخر والتجزئة؛ وهذا يفسر لِمَ كان، ولا يزال، حجر الزاوية في استراتيجية “إسرائيل” السياسية هو منع الوحدة العربية عبر عزل مصر عن الشرق العربي (والقضاء على القومية العربية بالتالي عبر الدفاع عن التجزئة الراهنة، بل وتفتيت الكيانات الصغيرة القائمة إلى كيانات طائفية أصغر).. كذلك الأمر، فإن حجر الزاوية في استراتيجيتها العسكرية إنما يقوم على منازلة الجيوش العربية في ظروف تتمكن فيها من منازلة كل جيش عربي على حدة باعتبارها قادرة على تأمين تفوّق عسكري على كل جيش عربي ما دام منفرداً، من هنا فإن ضربات “إسرائيل” العسكرية تبقى مرهونة بوجود ظروف تحارب فيها الجيوش العربية كجيوش متعددة؛ وهنا نُذكر بتصريح “نهرو“ (رئيس وزراء الهند السابق) في خطاب ألقاه في البرلمان الهندي يوم 19شباط 1958 كما يلي: ’’… إني أرحب بوحدة مصر وسوريا، إن هذه الوحدة وحدة طبيعية، ولا شك في أنها انبثقت عن إرادة الشعب؛ وهذا الذي يجري في الشرق الأوسط أدى إلى سماع صوت التشاؤم من “إسرائيل”، وهناك بعض الخطر في أن تقوم “إسرائيل” بعمل طائش نتيجة لما حدث في الشرق الأوسط، وإذا ما حدث شيء من هذا النوع، فإن المرء ليعجز عن معرفة ما قد يؤدي إليه …‘‘؛ لهذا السبب كانت وحدة العام 1958 بمثابة ضربة شديدة لكل استراتيجية “إسرائيل” السياسية والعسكرية معاً، وهذا يفسر الهياج والشعور بالمأزق الذي تملّك النخبة السياسية الإسرائيلية عند قيام الوحدة، وفي البرلمان الإسرائيلي، وقف “بن غوريون” وهو في حالة هياج ليقول: ’’… هذه ليست جمهورية، ولا عربية، ولا هي متحدة …‘‘، بل إن جناحاً في السلطة الإسرائيلية ( لعل “بن غوريون” هو الذي يمثله) كان يفكر بتسديد ضربة عسكرية لأحد إقليمي الجمهورية العربية المتحدة تفتح شرخاً، إن لم يكن انهياراً، في بنيان دولة الوحدة، لكن يبدو أن حسابات كل السلطة الإسرائيلية لم تؤيد مثل هذه العملية.. كيف أصبح الموقف العربي – الإسرائيلي بعد العام 1958؟ وكيف أصبح ميزان القوى المحلي، العربي- الإسرائيلي، بعد قيامها؟
لوحظ أن “إسرائيل” قد أوقفت تقريباً اعتداءاتها على حدود الجمهورية العربية المتحدة، وبخاصة على حدود سوريا، حتى إذا افترضنا أن قوات الطوارئ الدولية، على الحدود المصرية – الإسرائيلية، كانت حاجزاً أمام الاعتداءات الإسرائيلية؛ إن العدوانين الإسرائيليين الوحيدين في شباط  وآذار 1960 على الحدود السورية قد قوبلا برد عسكري كان لأول مرة رداً ذا مغزى، كما قام الجيش الأول (الجيش السوري) برد مضاد كان أشد من العدوانين الإسرائيليين، طبعاً لم تتعدّ الجمهورية العربية المتحدة، خلال فترة الوحدة موقف الدفاع، لكن إسرائيل تخلّت، كما يبدو، مؤقتاً على الأقل، عن موقف الهجوم والردع، وهذا يفسر بأن ميزان القوى العسكري المحلي أصبح متأرجحاً، هذا التأرجح في ميزان القوى العسكري لم ينجم بالطبع عن مجرد الجمع العددي للقوة العسكرية المصرية مع القوة العسكرية السورية، بل عن وحدة الجيشين، وامكانية عملهما كجيش واحد؛ من الزاوية السياسية، أخذت “إسرائيل” تتحدث لغة جديدة إلى حد ما؛ يقيناً، إن “إسرائيل” لم تتراجع عن مواقعها الأساسية، لكن لغة التهديد بالقوة قد خفتت، وقد أشار عبد الناصر إلى ذلك، في خطابه بمناسبة الذكرى الأولى للوحدة، باعتباره ثمرة من ثمار الوحدة، ومن جهة أخرى، اتجه تحرك “إسرائيل” السياسي، بسبب قيام الوحدة بالطبع، إلى إقامة حلف بين الدول القائمة على أطراف الوطن العربي، فاقترح “دايان”، في أيار 1958، بدعم من “بن غوريون”، على “مونتغمري” إقامة حلف بين “إسرائيل” و”تركيا” و”الحبشة”، كما حاول “بن غوريون” الحصول على تعهدات وضمانات من الحلف الأطلسي لحماية حدود “إسرائيل”، وأخيرأ باشرت الولايات المتحدة الأمريكية، لأول مرة وبصورة علنية، تزويد “إسرائيل” بالأسلحة وخاصة بالصواريخ، وزادت المساعدات والقروض السنوية المقدمة من الغرب الإمبريالي خلال فترة الوحدة بنسبة قدرها 35 بالمئة عن السنوات الثلاث السابقة للوحدة، وبعد الوحدة فقط نبتت في “إسرائيل” فكرة صنع قنبلة ذرية تساعدها في ذلك “فرنسا”، ولوحظ أيضاً أن المعدل السنوي للهجرة إلى إسرائيل الذي كان، خلال السنوات الأربع السابقة للوحدة (1954- 1957)، 44600 مهاجر، أصبح خلال سنوات الوحدة (1958- 1961) 29750 مهاجراً، وهذا يعني أن المعدل الوسطي للهجرة قد هبط خلال سني الوحدة بنسبة قدرهـا 66 بالمئة.
 ثانياً– في رد فعل يكاد يكون غريزياً على الوحدة بين مصر وسوريا، أقام الاستعمار اتحاداً بين المملكة الأردنية والمملكة العراقية، الهاشميتين، بالطبع لم يكن هذا ’’الاتحاد‘‘ اتحاداً، وإلا لِـمَ لَـمّ تُقمه العائلة الهاشمية من قبل خلال ربع قرن من حكمها في شرقي الأردن وفي العراق، وهذا الاتحاد لم يكن فقط اتحاداً مضحكاً، كهاكه، بل أكثر من ذلك، كان رد التجزئة المعاكس للسيرورة الوحدوية التي حققت أول إنجاز لها، كما كان، بالإضافة إلى ذلك، رد الرجعية التقليدية المعاكس على الصيغة الناصرية التي لبستها وارتدتها الثورة العربية في تلك المرحلة، لقد كان مثالاً للتضامن التجزئي – من التجزئة؛ ففي التصريح نفسه، لـ “جواهر لال نهرو” قال: ’’… إن الوحدة المصرية – السورية قد انبثقت من إرادة الشعب، لذلك قدمنا تهنئتنا له، ولو كان شعبا الأردن والعراق يحبذان الاتحاد الفدرالي بين البلدين لكان ذلك مدعاة للسرور، لكن إذا لم يكن هذا الاتحاد سوى رد فعل سياسي لإعلان الوحدة المصرية – السورية، فإن الأمر يكون مختلفاً تمام الاختلاف …‘‘؛ لقد جاءت وحدة العام 1958 بمثابة ضربة هزت أسس النظامين، بل الكيانين، الأردني بخاصة ثم العراقي، فجاء هذا الاتحاد الكهاكه، المُضحكة، محاولة للتماسك وللصمود في وجه هذا الموج الوحدوي الزاحف، إن شعب الأردن (إذا كان لا بد من التمييز بين ما هو أردني وفلسطيني، في ما يتعلق بالموقف من الوحدة)، الذي يعاني شعوراً بعدم الاكتفاء الكياني نظراً لافتقار المملكة إلى مقومات الدولة وبسبب مواجهته المباشرة العاجزة لإسرائيل، كان من أكثر الشعوب العربية تحسساً بالوحدة المصرية – السورية وتجاوباً معها؛ والملاحظة نفسها تصدق على الشعب الفلسطيني الذي كان يعتبر الوحدة طوق النجاة والمقدمة اللازمة لاستعادة حقوقه القومية؛ إذاً، فموقف الشعب الأردني – الفلسطيني هذا، الذي وضع كيانه السياسي موضع شك شديد عند قيام وحدة العام 1958، هو الذي دفع إلى إقامة هذا ’’الاتحاد‘‘، وبالتالي فإنه كان تضامناً تجزّئياً مقاتلاً، وليس وحدة عربية رجعية فقط، كما زعم البعض، والأحداث اللاحقة، وبخاصة بعد انفجار ثورة 14 تموز في العراق والإنزال الإنكليزي في الأردن، توضح هذه الحقيقة الواقعية؛ ’’… يجب المحافظة على استقلال الأردن بأي ثمن …‘‘ هكذا صرحت “غولدا مائير” لصحيفة نيويورك تايمز في 18 تشرين أول 1958: ’’… إن اتحاد الأردن مع الجمهورية العربية المتحدة سيثير قلقاً شديداً في “إسرائيل” …‘‘، والسبب واضح بالطبع، فالجبهة الأردنية الواسعة، كانت جبهة مجمدة ومفتوحة، فضلاً عن أن وحدة الأردن مع سوريا ومصر تُحكم الطوق على إسرائيل؛ يمكننا اعتبار ’’الاتحاد الهاشمي‘‘ تجزئة مقاتلة، وهذا هو الأصح، كما يمكننا اعتباره الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، القاعدة التي أكدت بوجه عام أن المشروع الوحدوي يتجه، دوماً، على مدى تاريخي استراتيجي، في خط مناقض للمصالح الاستعمارية والقوى الطبقية الضالعة معه، كما أنه يتجه، غالباً، على مدى تكتيكي، في الخط نفسه؛ بل أكثر من ذلك: إن الميل التاريخي للتطور العربي الحديث يدل، بوجه عام، على أن ريح الإقليمية تصعد مع صعود النفوذ الاستعماري والإمبريالي، وأن الريح الوحدوية تصعد، في المقابل، مع الانتصار على الإمبريالية ومواجهتها، وبالتالي فإن الطبقات والفئات الرجعية التقليدية التي تعاونت مع الاستعمار ثم ورثت مواقعه، شأنها على الصعد الأخرى، كانت عامل تكريس وتثبيت لواقع التجزئة، وإنه بقدر ما كان الشعب العربي يحرز من انتصارات على الاستعمار والقوى الرجعية التقليدية يقترب المشروع الوحدوي من الراهنية؛.. لكن، لنفترض، جدلاً، أن ذلك الاتحاد الهاشمي، العراقي – الأردني، كان اتحاداً فعلياً (ولم يكن ثمة ما يحول، بالضرورة، دون ذلك من زاوية البنية السياسية لكل من الدولتين، سواء من حيث طبيعتهما الطبقية و أيديولوجيتهما وارتباطاتهما الخارجية)، ولم يكن اتحاداً كهاكه أو مجرد تجزئة مقاتلة، فما هي المضاعفات التي كان سيفرزها لو أنه استمر؟
1- كانت ثورة 14 تموز في العراق ستنسحب بصورة أتوماتية تقريباً إلى المملكة الأردنية الهاشمية.
2- كان العراق، بكل ثقله وإمكانياته، سينجرّ إلى المشرق، إلى البحر المتوسط، بدلاً من الانثناء إلى وراء، كما أنه كان سينجر إلى الحومة انجراراً نهائياً وكاملاً ودائماً، نعني حومة الصراع العربي – الإسرائيلي.
ولا نعتقد أن هذه النتائج المحتملة لاستمرار الاتحاد كانت في حسابات الرجعية التي أقامته ولا الإمبريالية التي دعمته، كما أنها ليست سلبية بالنسبة إلى المصالح القومية للأمة العربية وللثورة العربية، هذه الحقيقة تبين كم هي ساذجة ومُضللة تلك الأطروحات التي تتحدث عن وحدات رجعية عربية؛ فالواقع أن التطور التاريخي للشعب العربي قد ألغى، بوجه عام، احتمالات وحدات في خدمة الاستعمار أو وحدات رجعية أو برجوازية، لا لأن الاستعمار قد فرض، مع سيطرته على الوطن العربي، تجزئة كولونيالية، مرتكزة جزئياً على بعض عوامل موضوعية قائمة في الواقع الموضوعي العربي، لكنها مرتكزة أساساً على اعتبارات الهيمنة الاقتصادية للإمبريالية، وبخاصة ميكانيتها المتمثلة بربط الاقتصادات العربية المتخلفة والمجزأة باقتصادات المتروبولات؛ إن المشروع الوحدوي ليس اتفاقاً أو إطاراً سياسياً، بل هو أبعد من ذلك وأعمق، إنه عملية تاريخية كاملة: سياسية، ايديولوجية، اقتصادية، اجتماعية؛ من هنا فإن هؤلاء الذين ينظرون إليه كعملية سياسية خالصة يخطئون حقيقته الواقعية، لا يمكن للمرء أن يلتقط كل أبعاد المشروع الوحدوي وايجابياته إذا لم يضعه في منظور تاريخي؛ والواقع أن عبد الناصر الفرد (وليس الناصرية التيار)، كان يملك رؤية تاريخية للمشروع الوحدوي، مهما عانى من بعض قصور في وعي التفاصيل ناجم عن افتقار نظامه إلى طبقة سياسية حديثة، وأن إصراره الغريب، على رغم كل الإخفاقات والعثرات والمصاعب، وعلى رغم عزوف الإنتيليجنسيا المصرية عن هذا المشروع، برهانٌ على هذه الرؤية؛ في المقابل، كانت الايديولوجيا القوماوية العربية والماركساوية الاقتصادوية العربية تفتقران كلياً إلى هذه الرؤية التاريخية، وعلى الرغم من الشطارات النظرية والأستذة الدعيّة، رأينا الأولى تضيع في المُطلقات فتستسلم (والمصالح لعبت دورها أيضاً) عملياً، على رغم ثرثرة وحدوية، للإقليمية، ورأينا الثانية تضيع في التكتيكي والآني، فتزْوّرُ (تبتعد) عن المشروع تارة، وتحاربه تارة أخرى، وتؤيده رفعاً للعتب تارة ثالثة.. فالجناح المعارض لخالد بكداش، يُفصح في اتجاهات مغايرة، ويثمن المشروع الوحدوي ويوليه الأهمية.
يتبع..