الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

  صحيفة الجماهير العدد (76) الخميس 17 محرم 1379 ــا 23 تموز/يوليو 1959

ملف 23 تموز/ يوليو

   د.جمال أتاسي                         

عهد على الثورة..

عهد على الثورة، عهد على النضال، وهذا مهرجان الثورة اليوم، مهرجان الثالث والعشرون من تموز، مهرجان للشعب العربي في كل أقطاره، فثورة 23 يوليو التي قامت في عصر لم تعد لمصر، والأهداف التي قامت عليها تلك الثورة، أخذت مداها وامتلأت بمحتواها، لتصبح شعارات لثورة القومية العربية في كل مكان. هذه الثورة ليست ذكرى ثورة، كانت انطلاقة وكل ما فيها لغدها. الثورة في مستقبلنا، الثورة في تحقيق وحدتنا الكبرى، الثورة في تحقيق تحررنا الأكمل. الثورة في انعتاق الأمة العربية من كل قيود الرجعية والتخلف والاستغلال، الثورة تحطيم لكل القيود ليكون للإنسان العربي آفاق الحرية، آفاق الإبداع، آفاق الحضارة الإنسانية.

الثورة في مستقبلنا، هذا هو شعار الثورة التي لا تتوقف أو تحيد. فالثورة هنا بدأت ولا تنتهي، وكل ما تحقق مقدمة لها وتمهيد. وهكذا قال قائد الشعب، قائد ثورتنا، ثورة القومية العربية. فالثورة عملية خلق وتجديد لا ينضب معينها. والثورة عودة لرابطة أصيلة تنبع من أعماق التاريخ، والثورة نضال لا يتوقف، وهدم لكل ما يعترض طريق أهداف الثورة ولكل ما يعيق بناءها.

كل ثورة تنادي بالحرية والانعتاق، ولكن من الثورات ما تفجر عنيفاً صاخباً يمزق كل ما حوله ثم يتمزق ليسلم الأمر لتسلط جديد وعبودية جديدة. ومن الثورات ما جاء يحمل تخطيطاً كاملاً ومذهباً منتهياً، وإذا بالثورة التي تقول بالتحرر الكلي للإنسان تتوقف وتدور وتصبح جهداً للمحافظة على مذهب الدولة فتخلق عبودية جديدة وقيوداً جديدة للإنسان. وأمامنا هذه الثورة التي قامت مغامرتها الأولى على يد الضباط الأحرار في مصر في تموز عام 1952، وأعلنت عن أهدافها في:

القضاء على الاستعمار وأعوانه.

القضاء على الإقطاع.

القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم.

إنشاء جيش وطني قومي قوي.

إقامة عدالة اجتماعية شاملة.

إقامة حياة دمقراطية سليمة في ظل مجتمع اشتراكي ترفرف عليه الرفاهية.

وأطلقت هذه الأهداف شعارات للشعب، شعارات للعمل والنضال التزمت بها، واندفعت نحو المستقبل وهي تترك للتجربة وللمستقبل أن يعطي لأهدافها كل حياتها وكل معناها. إنها تعط الوعود الضخمة، ولكنها كانت هي الوعد، في صدقها وأخلاقها وانفتاحها على الشعب. وقلة هم الذين أدركوا في البداية أن هذه الثورة يمكن أن تتفتح بعد سنوات عن هذا المدى وهذه الآفاق.

بالأمس قال عن الثورة هذه، قائد حكم الثورة، إنها كانت مغامرة في سبيل الثورة . ولكننا اليوم وبعد مرور سبع سنوات على تلك المغامرة، نُدرك أنها مغامرة تعرف طريق الثورة، أو أنها كشفت طريقاً صحيحة للثورة . ومن هنا كانت البداية، كانت الثورة في قلب المغامرة، وأمسكت بها من داخلها حتى لا تسلك طريق المغامرات، وكي لا تتجمد حول وضع أو سلطة أو مذهب. لم تأت هذه المغامرات للسيطرة على حكم، ولكنها عرفت أن الحكم، والحكم الذي تستجيب له غالبية الشعب العظمى، هو الطريق لتحقيق أهداف الثورة، وقامت أول ما قامت بتطهير القيادة من نزعات حب السيطرة. لم تأت هذه المغامرة تسوية لوضع، وإن أجازت لنفسها بعض التسويات. إنها كانت مطمئنة لنفسها وقيادتها، وجاءت بنزعة أصيلة للتبديل الجذري، ولكنها كانت تعرف ظروفها وتعرف أعدائها، واستطاعت أن تجزئ جبهات الأعداء، وأن تخوض كل معركة في أوانها، لتسير من نصر إلى نصر.

ونحن الذين كنا هنا في هذا الإقليم، نتعثر بين الانقلاب والردة وتسلط ضعف النفوس وحكم القيادة الهزيلة الوصولية، فبالرغم من قوة الاندفاعة الثورية للقاعدة الشعبية وبالرغم من الوعي الشعبي للأهداف الثورية، فإن ضعف القيادة وانعدام الخطة إلى جانب تآمر الأعداء وتكاثر الأعداء وخبث أساليبهم، كان يحول ثورية الانقلاب إلى تسوية، وكان يحول القيادة إلى سيطرة فردية على الحكم ووصولية تسلك سبيل الانتهاز.

وكنا هنا نقف حائرين أمام تلك الثورة العاقلة التي تمشي في مصر، لقد حكمنا عليها في البدء من خلال مرحلة ومن خلال تحقيقات معينة وظنناً أنها توقفت واستنفذت ثوريتها، وإذا بها تقفز من فوق المرحلة، وإذا بها تسير في تفتح دائم . أكثر الثورات التي نعرفها جاءت من القاعدة، من الشعب، ثم انفصلت عن الشعب بما أحاطت به نفسها من أجهزة ومصالح. وهذه ثورة بدأت بين فئة من الشعب، ثم صعدت وإذا بها لكل الشعب، وإذا بهذا الشعب ليس ذلك الذي أحاطت به نفسها في إقليمها فحسب، بل هو أمة تهتز جماهيرها بنداء واحد للثورة، بنداء واحد للبعث القومي الجديد، على مد الأقطار العربية كلها.

لقد بدأت هذه الثورة تمرداً على وضع. وضعت هدفاً لها التحرر، وللتحرر آفاق لا تنتهي:

لم تضع هذه الثورة أمامها غاية منتهية، وبهذا كانت ثورة فعلية كل خطوة فيها تدل إلى طريقها وأهدافها . من الخير إن لم يكن لها فلسفة كاملة أو مذهباً متبلوراً تحبس نفسها في إطارها، من الخير أنها كانت مبادئ للعمل، وكشفت نفسها وفلسفتها بالعمل والنضال. كل معركة كانت تدل على فكرة وتكشف حقيقة، وكل خطوة كانت تدل على ما سيأتي. النظام الملكي والإقطاع…لم تأت هذه الثورة الإجهاز عليهما، ولكنها لم تقض عليهما بضربة واحدة. إذ كان عليها أن تحمي ظهرها وأن تكون رصيدها الشعبي، ودخلت قيادة الثورة منذ البداية في صراع مع نفسها، وفي صراع مع الأوضاع المتخلفة، وجابهت تهديد الرجعية وقواها، وكانت عاقلة، وخرجت ظافرة وهي ما تزال تحمل كل تصميم الثورة. وكان الشيء الأساسي في الثورة أن تجد قائدها وأن لا تضيع تنازع القيادة، وكان القائد هناك منذ البداية، لم تفرضه سلطة بفرضه كتلة، ولكن الخلق الثوري والفكر الثوري يفرضان وجودهما.

هذه الثورة وكثير المرونة أحياناً، حتى تظهر بأنها تكاد تحالف أعداءها، لأن تجربتها جعلتها حذرة، وعرفتها إلى مكان الأخطار . فهي تسكت أحياناً وتبدو وكأنها تتردد أمام التراجع، ولكن ما أن تصل الأمور إلى ويضع حل إلا ويأتي الحل جريئاً حاسماً. لقد دخلت في معارك فاصلة مع الرجعية والاستعمار . وخطت خطوات كانت تحمل كل مخاطر المغامرات، لأنه كان عليها أن تخطوها أو أن تتوقف وينحدر مد الثورة. هناك مواقف ماثلة أمام كل إنسان: معركة الجلاء، معركة تأميم القناة، معركة بور سعيد، وهناك معركة الوحدة وقيام هذه الجمهورية، وكل ما سيأتي . فهناك معارك كثيرة ستأتي وهذه الثورة لم تظفر حتى اليوم إلا بأن تؤكد إنها في طريق الثورة .

هناك من يتحدثون اليوم عن الثورة، وكأنها أعطت كل أجوبتها وأنجزت عقيدتها، وحددت أغراضها، وكشفت كل طريقها، ومنهم من ينقطعون للكتابة والتحدي، ولا يخجلون من فقر نفوسهم ومن روح الانتهازية التي تقطر من أقلامهم. هؤلاء تتعبهم المسائل فيتمسكون بكل حل ليصنعوا منه مذهباً، ويتمسكون بالعرض الزائل ليجعلوا منه هدفاً وغاية. هؤلاء الذين يتملقون الثورة، أولئك المترفين، ترف الفكر وترف التمسك بمكاسب الاستقرار والطمأنينة، هؤلاء الكسالى، ومثلهم من الببغاوات الذين يتلقفون الكلمات الكبيرة، كلمات القومية والثورة والاشتراكية ليضعوا فيها ما يظنونه الوضع والبساطة، وهو الفقر والتفاهة والضياع، هؤلاء هم أعداء الثورة، ولو ظهروا بمظهر أكبر أنصارها ودعاتها، والفكر الوصولي أخطر أعداء الثورة .

في وجه هؤلاء وقف قائد الثورة بالأمس وكلماته تمزق كل ما أنتجوا وعبئوا من صفحات، لقد كان حكم الثورة حتى اليوم تلمساً لطريق الثورة، وكشفاً لحقيقة العمل الثوري بالممارسة والمعاناة، والآن يجب أن تبدأ الثورة. لا تأتي هكذا ظافرة هينة، الثورة لا تنزل من السماء، الثورة تنبت من الأرض من الجهد والدم والعناء، وترفها الأيدي بتراب الأرض، أيدي المناضلين والكادحين. وهؤلاء هم الذين تحركهم الثورة، هؤلاء دعامة الثورة، وهؤلاء هم الذين تناديهم اليوم قيادة الثورة، وإيمانهم بها والتفاهم من حولها هو القوة وهو الضمانة.

الثورة اليوم تعرف نفسها، وتعرف مهمتها، وتعرف أنها قومية عربية وأنها اشتراكية وأنها شعبية تنبت على أرض راسخة. والآن وبعد سبع سنوات يأتي الرئيس ليقول أن الثورة ستبدأ الآن . ولكننا اليوم أيضاً وبعد سبع سنوات نتطلع إلى الطريق التي سارت فيها قيادة الثورة فنعرف أنها كانت في الخط الثوري منذ مغامرتها الأولى.

مع الأيام.. القومية والإيمان:

يقول فيلسوف الوجودية المسيحية ’’كيركارد‘‘ (لا يوجد الإنسان مؤمناً، بل يصبح مؤمناً) فلا يسمى إيماناً ذلك الشعور الغامض بأننا مرتبطون بقضية أو عقيدة، ولا يسمى إيماناً هذا الارتباط الذي كونته مجموعة من الظروف خارجة عن إرادة الإنسان وعن يقظة حسه ووعيه. نعم، ليس إيماناً حراً ذلك الارتباط العاطفي أو الابتدائي بمجموعة من القيم والتقاليد يتلقنها الإنسان هكذا من المجتمع كما هي، غامضة أو ميتة جامدة، وينشأ عليها متعصباً متزمتاً، بل الإيمان هو ثورة في النفس يتفتح في كل خطوة، وتجربة في الحياة لا يغلق بابها؛ وهنا يلتقي الإيمان بحرية الإنسان في اختيار مصيره وغايته، بل من هنا يبدأ الإيمان ولا يتوقف عند حد ولا ينتهي.

وهذا ما ينطبق قبل كل شيء على إيماننا بقضية القومية العربية؛ وبهذا المعنى يمكن أن نقول، وبالرغم من كل المقومات التاريخية والموضوعية للقومية العربية:
… بأننا نصبح قوميين فالقومية العربية لم تولد مجموعة من المبادئ والأفكار والبرامج جاهزة كاملة يأخذ بها الإنسان أو يؤمن بها هكذا فيصبح قومياً عربياً.

القومية العربية قضية حقيقية وحياة لا تكسب إلا بالجهد ولا تدرك إلا بالنضال والتجربة والعمل، هي وعي في الفكر وخلق في النضال وهي اليقظة الدائمة والتجدد الدائب والتطلع أبداً إلى الأمام… وهذا تفتح الإيمان .

للقومية العربية كل التاريخ وكل الماضي، ولكنها اليوم وكل أهدافها المستقبل، بل هي المستقبل . إنها ينبوع من النور نتطلع إليه وهو في ذروة طريق طويلة صاعدة، ونسير نحوه ونحن نحث الخطى، وكلما اقتربنا من النور أضاءنا واستضاء به طريقنا مرحلة، مرحلة، إذ تنكشف لأعيننا في كل خطوة نحوه آفاق وفسحة من النور ومعالم وأشكال المكان، وهكذا غاياتنا تنيرنا في كل خطوة، وتتجلى لوعينا وتتوضح، وهكذا يكون الإيمان واعياً.

يقظة أهل الكهف:

من قبل أن تكون لنا ثورة شعبية وجمهورية عربية، ومن قبل أن تتفتح هذه الآمال الكبيرة للقومية العربية، كان أستاذي يشبه حالة أمتنا بقصة أهل الكهف، وقصة أهل الكهف بابلية النشأة عربية التعبير والرواية..

فلقد أتت على العرب عهود طويلة أصبحوا فيها وهم لا يقرأون التاريخ ولا يحيونه إلا على أنه تسلسل من بدء إلى نهاية . فالتاريخ بهذا المنطق (البعيد عن كل روح ثورية وثابة) إنما يسير بين عصر ذهبي مضى وهو مبلغ الذروة، وبين غاية نهائية ينحدر إليها العالم . فنهاية عالم الأرض ظلمة يتفتح من بعدها عالم السماء والأبدية . والبحث لا يكون إلا لعالم آخر ليس فيه للإنسان من شيء إلا غفوة الوعي الذي استيقظ به الإنسان على وجوده الأرضي في هذا العالم. فبين الحنين للعهد الذهبي الآفل وبين الانقياد للنور ينحدر بالعالم إلى الهاوية، ما كان مجهود المحافظين إلا التلاؤم مع هذا المنطق للتاريخ بحصر فعاليتهم كلها في المحافظة على ما بين أيديهم، وأوغلوا في الابتعاد عن كل مفهوم للثورة أو للتمرد على هذا السباق المنحدر للتاريخ فحتى الرحبة للعصر الذهبي أغلقت دونهم بابها فأصبحوا لا يمثلون شيئاً إلا التوقف، وإذ لا توقف نراهم يتطورون على منحدر…

وهكذا فمنذ أبعد العصور، ينام في نفوسنا أهل الكهف ويستيقظون بين الفينة والفينة، ليعودوا بعدها إلى سباتهم الطويل: تتفتح أنفس عربية للمعرفة مذكورة بنور عصور سابقة، ولكنها ما أن تستيقظ وتبعث رسولها، حتى تصطدم بروح الجماعة وما يثقل المجتمع من أشباح القرون الأولى، فتصطرح اليقظة مع الحلم ويغمر الوعي من جديد إلى عالمه الكهفي السحيق، وتنام الجماعة كلها نومه أهل الكهف تنتظر البعث في يقظة أخرى. وهكذا يكون تحقق وجودنا العربي ماضياً أو مؤجل التنفيذ.

فأمتنا، أمة أهل الكهف، كانت تنام على أقدامها، وتنام وهي تسير . كلما نبهها من العالم المحيط بها منبه أو هزها مثير، فزعت إلى أحلامها تخلق من عالم الرؤى والأشباح خيالات تعطي بها لذلك المنبه صورة أخرى تلهو بها في نومها. مثلها كمثل ذلك النائم الذي حدد في المنبه ساعة ليقظته، ولكنه يشتهي النوم دائماً، حتى إذا ما دقت الساعة بموعدها خيل له في الحلم أنه يسير في موكب تدق به له الأجراس، وهكذا يحول التنبه إلى صورة أخرى يحقق فيها لذة الاستمرار في غفوته.

وكل حكاياتنا الماضية وأقاصيصنا، من حكايات بطولات عنتر إلى ليالي ألف ليلة وليلة…، لم تكن إلا تعويضاً عن لذة وجدانية حية في تصوير لذة موهومة، تظل دائماً غائبة كوعود الأحلام ومؤجلة التنفيذ…

هذا المغني يغني ويصيح ياليل، وهل نادى إلا الظلمة وهل كان صوته إلا الأرجوزة المبشرة بالنوم؟

لقد استيقظ أهل الكهف مرات ومرات، بعد بعثتهم القرآنية الصادقة إنهم ليستيقظون فينا منذ عشرة أجيال ولكنهم ما لبسوا يوماً ثوب مجتمعهم الإنساني ولا تبادلوا عملته، بل ظلوا صدى لنداء بعيد، ورجعة إلى كهفهم وإلى النوم العميق. واليوم إذ يستيقظ أهل الكهف في ثوب المجتمع وزي العصر، إذ تنبعث الأمة العربية من جديد، ويخرج العرب من كهفهم وعزلتهم، فأي سبيل يتبعون وإلى أي نداء يستجيبون؟

كل ما في حياتهم نداء بالثورة.. والثورة أن يصنع الإنسان تاريخه وحياته من جديد.
مع الأيام.. كلاب الصيد وحراس المقابر:

عندما كنا صغاراً نصدق حكايات الجن والأرواح، كنا نظن أن أشد الناس جرأة هم حراس المقابر ومن يتجاوزون في بهمة الليل أسوار القبور. والمقابر في الليل أرواح وأشباح وكل ما لا ترى..ولكننا منذ تلك الطفولة عرفنا قصة ذلك الرجل الذي راهن على دخول المقبرة عند منتصف الليل ليغرس وتداً بين القبور، وأخذ الخوف بعيونه فضل بين الشواهد، وأمسك بحجر يضرب بها الوتد في الأرض، فغرس مع الوتد ثوبه في الأرض، حتى إذا ما انتهى وأراد الرجوع لمراهنيه، أمسكت به الأرض فقتله الرعب وهو يظن أن أرواح المقابر تشد به إلى الجحيم…هذه حكايات ولكن من حراس المقابر عادوا إلى المجتمع الجديد، وعملوا في السياسة والصحافة، وهم مازالوا يحملون في قلوبهم وعقولهم كل “شواهد” القبور.

ومن سوء حظ شعبنا أن الخوف لم يقتلهم فهم قد عقدوا صفقات مع الشيطان أن لا تمسهم الأرواح.. أما حراس المقابر هؤلاء فقد أتقنوا عن التستر وتبادل الأدوار والأزياء، فأخفوا “شواهدهم” وكتموا صفقاتهم، ولبسوا للحياة ما يظنونه الأكثر جدة في الحياة، ولكنهم وقد كانوا هناك حراساً لمقابر الرجعية، أصبحوا هنا حملة رسالة تسلية الرجعية، وراحوا يركضون خلف الفضائح، ويسترقون السمع خلف الأبواب، ويسمعون بخفة ورشاقة يتلقون التوافه ويصيغون ما يحلو لهم من الأخبار. فحراس المقابر أصبحوا هنا كلاباً للصيد، وهناك للكلاب أرباب ومدربون.

لقد كانت حكايات الأرواح تخيف طفولتنا، وحكايات كلاب الصيد هل تشغل كثيراً شعبنا؟.. إنها تسلية للمترفين، وكان للترف أيامه وجماله، أما ترف المترفين اليوم، فليس فيه إلا البشاعة والزيف..

هل شاهدتهم سباق كلاب الصيد وهم يجربون خلف أرنب مصنوع من القش.. إن المترفين يحبون هذه الألاعيب ويقامرون عليها بالباهظ، ولكن الكلاب إذا ظلت كلاباً فإن الأرنب مزيف ومروض الكلاب يحرص على أن لا تمسك الكلاب الأرنب فتكشف زيفه فتمسك عن الجري وعن تسلية المترفين فيتوقف اللعب والرهان.

ولا نستغرب أن نرى بعض كتاب الصحف التي عاشت جيل الماضي واستمرت في الحاضر، يتخذون رسالة لهم حراسة سكان القبور. أو أن ينشروا هنا وهناك من نتف الأخبار والكلم أرانب زائفة يركض وراءها من لهم سيقان كلاب الصيد، ولكن جرائد “للشعب” تحمل أملاً لنا في هذا العهد، يحق لنا أن نقف عند بعض من كلماتها، وعند نتف من أخبارها لنتساءل كما يتساءل شعبنا، لمصلحة من هذا الكلام. إن الذين يصيبهم الأذى هنا لا ضير عليهم…فقد اعتادوا أن يمسهم الأذى في سبيل قضية أمتهم. ولكن لا تنسوا أولئك الشباب الذين يعيشون خارج حدود جمهوريتنا، في كل قطر من أقطار العروبة، والذين تحدث عنهم سيادة الرئيس في الأسبوع الماضي وقال “كنا نؤمن بأن هناك جيوشاً (للقومية العربية) متعددة في كل مكان لا نراها ولا نعرفها.. هذه الجيوش هي جيوش الشباب الذي آمن بهذه الفكرة في الماضي والذي يعمل على تحقيقها في الحاضر ويدافع عنها في المستقبل..” أما أولئك الذين يكتبون عن القومية العربية ولا في قلوبهم إيمانها ولا في عقولهم وعيها فلا نطالبهم إلا بقليل من الإنصاف لتاريخ أمتنا، ولأولئك الثوريين من الشباب، الذين يستبسلون في القتال من أجل القومية العربية ويموتون ويسجنون ويعذبون ويشردون في سبيلها، والذين يتطلعون إلينا من كل أقطار العروبة وكل آمالهم في هذه الجمهورية. فإذا تركنا للتاريخ أن ينصف من يعيشون هنا بيننا، هل من قليل من الصدق، هل من قليل من الوفاء لأولئك القوميين العرب على اختلاف اتجاهاتهم والذين يتابعون النضال ببساطة وتضحية، فلا نوجه لهم طعنة في الظهر ولا نخيب لهم أملاً عقدوه على تجربتنا في هذه الجمهورية، التي نريدها جميعاً درعاً للقومية العربية وحصنا للتقدم وموطنا للكرامة الإنسانية….

المصدر: جريدة الجمـاهير الدمشقية في مثل هذا اليوم 23 تموز منذ 61 عام