الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

خاتمة كتاب (الحروب الصليبية كما رآها العرب) للكاتب «أمين معلوف»


عزت الشيخ سعيد

في كتاب (الحروب الصليبية كما رآها العرب) للكاتب المبدع والمتميز «أمين معلوف»؛ وهو عبارة عن رواية وسردية تاريخية يوثقها بالمراجع العربية وأحيانا بالمراجع الأجنبية .

يسرد فيها تاريخ تلك الحقبة المهمة من تاريخ الشرق العربي، والتي ماتزال تلقي بظلالها علينا وتؤثر فينا وفي رؤيتنا وقراراتنا حتى هذا اليوم .

مئتا عام من الحروب الصليبية على المشرق العربي استنفذت طاقاته وأهلكت الزرع والضرع وغيرت من بنيته وتركيبته السكانية (تقدّر بعض الوثائق أن عدد من قتلوا على مدار قرني الاحتلال الفرنجي بحوالي 20 مليوناً من السكان قضوا حرقاً وقتلاً وتجويعاً)، ومدن بأكملها دُمرت فوق رؤوس سكانها .

إن القارئ لهذه الرواية التاريخية الموثقة (كما أسلفنا) ليكاد يشعر أن تلك الأيام مرت على المنطقة وكأنها يوم القيامة .

ومع الخاتمة التي أنهى بها «أمين معلوف» روايته، وهي خاتمة تحتاج لتأمل وتفكر في أحوالنا منذ ألف عام وإلى اليوم .

  • ●●●●●● خاتمة  ●●●●●●●

لقد حاز العالم العربي في الظاهر نصراً مُبيناً . وإذا كان الغرب قد سعى باجتياحاته المتلاحقة إلى احتواء المدّ الإسلامي فقد جاءت النتيجة معاكسة تماماً . فما كان للدويلات الفرنجية في الشرق أن تُقتلع وحسب بعد قرنين من الاستعمار، بل إن المسلمين نهضوا إلى درجة أنهم سوف ينطلقون لغزو أوروبا بالذات تحت الراية العثمانية . ففي عام 1453 م وقعت القسطنطينية في قبضتهم . وفي عام 1529 م کان فرسانهم يُعسكرون تحت أسوار فيينا.

ولكنّه لم يكن، كما قلنا، سوی مظهر . إذ لا بد بعد مرور الزمن من ملاحظة: كان العالم العربي في عهد الحروب الصليبية من إسبانيا إلى العراق لا يزال فكرياً ومادياً خازن أرقی حضارة على وجه الأرض.

ولسوف ينتقل مركز العالم بعدها بعزم وتصميم إلى الغرب . أيكون في ذلك علاقة سبب إلى نتيجة؟ وهل يمكن الذهاب إلى حد التأكيد بأن الحروب الصليبية قد أطلقت إشارة نهضة أوروبا الغربية – التي ستتوصل بالتدريج إلى الهيمنة على العالم – ودقت نفير موت الحضارة العربية؟ .

ومن غير أن يكون هذا الحكم خاطئاً ينبغي تمييز فوارقه . لقد كان العرب يشكون، حتى قبل الحروب الصليبية، من بعض “العاهات”

العامل الاولى ظهور الفرنجة في ديارهم وتاريخهم، وربما فاقمها هذا الوجود، ولكنه لم يخلقها من لا شيء .

لقد كان شعب الرسول الكريم قد فقد منذ القرن التاسع التحكم بمصيره .

فمسؤولوه كانوا جميعهم عملياً من الغرباء .

فمن الذي كان عربياً من كل هذا الحشد من الأشخاص الذين رأيناهم يمرون أمامنا خلال قرني الاحتلال الفرنجي؟.

باستثناء المؤرخين والقضاة وبعض الملوك المحليين الصغار( ابن عمار وابن منقذ، والخلفاء الذين لا حول لهم ولا قوة).

وأما القابضون الحقيقيون على دفة الحكم، وحتى أبطال مجاهدة الفرنج الرئيسيون (زنكي ونور الدين وقطز وبيبرس وقلاوون) كانوا أتراكاً والأفضل كان أرمنياً، وشيركوه وصلاح الدين والعادل والكامل كانوا أكراداً .

وكان رجال الدولة هؤلاء بالطبع قد تعرّبوا ثقافياً وعاطفياً؛ ولكن لا ننسى أننا رأينا في عام 1134 م السلطان مسعوداً يناقش الخليفة المسترشد عبر ترجمان لأن السلطان السلجوقيّ لم يكن يتكلم كلمة عربية واحدة حتى بعد ثمانين عاماً من استيلاء عشيرته على بغداد . وأخطر من هذا أن عدداً لا يستهان به من محاربي السهوب الذين لا تربطهم أيّة رابطة بالحضارة العربية أو المتوسطية كانوا يندمجون بانتظام في الطبقة العسكرية الحاكمة.

وإذ كان العرب محكومين ومضطهدين ومُهانين وغرباء في عقر دارهم فإنّهم لم يكونوا قادرين على إكمال تفتّحهم الثقافي الذي بدأ في القرن السابع (الميلادي) . ولدى وصول الفرنج كانوا قد أصبحوا يراوحون مكانهم قانعين بالعيش على مُكتسبات ماضيهم . وإذا كانوا لا يزالون متقدِّمين بشكل جلي على أولئك الغُزاة الجدد في معظم الميادين فإن أفول نجمهم كان قد بدأ .

و” عــاهـة ” العرب الثانية التي ترتبط بالأولى هي عجزهم عن بناء مؤسسات ثابتة . وقد نجح الفرنج منذ وصولهم إلى الشرق في خلق دول حقيقية . فكانت الخلافة في القدس تتمّ بشكل عام من غير صدامات؛ وكان مجلس المملكة يمارس رقابة فعلية على سياسة العاهل، وكان للكهنوت دورٌ معترف به في لعبة الحكم . ولم يكن شيء من هذا في الدول الإسلامية . فكل نظام ملكي كان مهدداً عند موت الملك، وكل انتقال في الحكم كان يثير حرب أهلية . أفينبغي إلقاء المسؤولية بكاملها في هذه الظاهرة على الاجتياحات المتلاحقة التي كانت تُجدّد باستمرار استدعاء وجود الدول بالذات؟ أفينبغي إلقاء التبعة على الأصول البدوية للشعوب التي سيطرت على هذه المنطقة سواء أكانوا العرب أنفسهم أم الأتراك أم المغول؟ ليس في الإمكان الحسم في هذه المسألة في نطاق هذه الخاتمة . ولنكتفِ بالتأكيد بأنها لا تزال مطروحة بعبارات مختلفة تقريباً في العالم العربي في نهاية القرن العشرين .

فلم يكن بالإمكان ألا يكون لغياب المؤسسات الثابتة المعترف بها من أثر على الحريات. فسلطان الملوك عند الغربيين محكوم في عهد الحروب الصليبية بمبادیء من الصعب تجاوزها . وقد لاحظ ’’أسامة بن منقذ‘‘ خلال زيارة قام بها إلى القدس أنه «حين يُصدر الفرسان حكماً فلا يمكن للملك أن يعدله أو ينقضه» . ولعل هذه الشهادة الصادرة عن ’’ابن جبير‘‘ في أواخر أيام رحلته إلى الشرق أن تكون أعمق مغزى:

« ورحلنا من تبنين (بالقرب من صور) … وطريقنا كله على ضِياع متصلة وعمائر منتظمة، سكانها كلها مسلمون وهم مع الإفرنج على حالة ترفيه – نعوذ بالله من الفتنة (…) ومساكنهم بأيديهم وجميع أحوالهم متروكة لهم . وكل ما بأيدي الإفرنج من المدن بساحل الشام على هذه السبيل، رساتیقها كلها للمسلمين، وهي القرى والضياع . وقد أُشربت الفتنة قلوب أكثرهم لما يبصرون عليه إخوانهم من أهل رساتيق المسلمين وعمّالهم لأنهم على ضدّ أحوالهم من الترفيه والرفق . وهذه من الفجائع الطارئة على المسلمين أن يشتكي الصنف الإسلامي جور صنفه المالك له، ويحمد سيرةَ ضدّه وعدوه المالك من الإفرنج ويأنس بعدله » .

وابن جبير على حقّ في أن يقلق، فقد اكتشف على طرقات لبنان الجنوبي الحالي حقيقة مثقلة بالنتائج؛ فحتى لو كان لمفهوم العدل عند الفرنج بعض المظاهر التي يمكن نعتها بـ «البربرية»، كما أشار أسامة، فإن لمجتمعهم امتيازاً هو أنه «يُحسِنُ توزيع الحقوق» . ولم يكن مفهوم المواطن قد وجد بعدُ بالطبع، ولكن الاقطاعيين والفرسان ورجال الكهنوت والجامعة والبرجوازيين، وحتى الفلاحين «الكفرة»، لهم جميعاً حقوق مشروعة واضحة .

وأما في الشرق فإن الاجراءات القضائية أكثر عقلانية؛ ومع ذلك فليس هناك حدّ لسلطة الأمير الاعتباطية . وعليه فإنه لم يكن بالإمكان إلا أن يتأخر نموّ المدن التجارية، وكذلك تطورُ الأفكار .

بل إن رد فعل ’’ابن جبير‘‘ يستحق فحصاً أدق . فإذا كان يملك الشهامة للاعتراف بالمحامد لـ « العدو عليه لعنة الله » فإنه لا يُعتِّم أن ينهال بالابتهالات معتبراً أن عدل الفرنج وحسن إدارتهم يشكلان خطراً مميتاً على المسلمين . ألا يوشك هؤلاء بالفعل أن يُديروا ظهورهم لإخوتهم في الدين – بل لدينهم – إذا وجدوا رغد العيش في المجتمع الفرنجي؟ . وإذا كان من الممكن فهم موقف الرحالة فإنه لا يخلو أن يكون مشخِّصاً لداء يشكو منه إخوته: لقد رفض العرب طوال الحروب الصليبية أن ينفتحوا للأفكار الوافدة من الغرب . وربما كان ذلك نتيجة أسوأ الاعتداءات التي كانوا ضحيتها .

وكان تعلم الغازي لغة الشعب المغزوّ مهارة منه؛ وكان تعلم هؤلاء لغة الغازي شبهة، بل خيانة . والحقّ أن الذين تعلّموا العربية من الفرنج كانوا كُثراً، بينما ظل أهل البلاد، باستثناء بعض المسيحيين، منغلقين على لغات الغربيين .

وبالإمكان مضاعفة الأمثلة لأن الفرنج قد أقبلوا على المدرسة العربية في جميع الميادين، سواء في بلاد الشام أو في إسبانيا أو في صقلية . وكان من غير الممكن الاستغناء عمّا تعلموه منها لتوسعهم وانتشارهم فيما بعد . فتراث الحضارة الإغريقية ما كان لينتقل إلى أوروبا الغربية إلا عن طريق العرب مترجمين ومكمِّلين . ففي الطب والفلك والكيمياء والجغرافيا والرياضيات والعمارة استقى الفرنج معارفهم من الكتب العربية التي هضموها وحاكوها وتجاوزوها .  تشهد بذلك آلاف الكلمات المستخدمة في شتى العلوم وفي الحياة اليومية، وفي مجال الصناعة استخدم الأوروبيون ما استخدمه العرب من طرق – قبل أن يحسنها الأولون ويطوروها – في صنع الورق والاشتغال بالجلود والنسيج وتقطير الكحول واستخراج السكر، والكحول (Alcool) والسكر (Sucre) كلمتان أخريان مقترضتان من العربية . ولا يمكن أن نغفل إلى أي مدى اغتنت الزراعة عن طريق الاتصال بالشرق: المشمش والباذنجان والكرّاث والبرتقال والبطيخ… ولائحة الكلمات «العربية» لا تنتهي .

وفي حين كان عهد الحروب الصليبية شرارة ثورة حقيقية اقتصادية وثقافية معاً بالنسبة إلى أوروبا الغربية فإن هذه الحروب المقدسة ستُفضي في الشرق إلى عصور طويلة من الانحطاط والظلامية . فالعالم الإسلامي المطوَّق من كل صوب انغلق على نفسه . وأصبح يرتعش برداً لكل نسمة ويحاول الدفاع عن نفسه، وانعدم فيه التسامح، وغدا عقيماً، وتكثر المواقف المستفحلة في الوقت الذي تتتابع فيه دورة الكوكب التطورية التي يشعر إزاءها بأنه على الهامش . وبات التقدُّم هو الطرف الآخر، والحداثة هي الطرف الأخر . أفكان عليه تثبيت هويته الثقافية والدينية برفض هذه الحداثة التي يمثلها الغرب؟ أم كان عليه بالعكس من ذلك السير بعزم على درب الحداثة مخاطراً بفقد هويته؟ لم تنجح إيران ولا تركيا ولا العالم العربي في إيجاد حلّ لهذا المأزق؛ وهذا هو السبب في أننا لا نزال نشهد ترجّحاً كثيراً ما تكون عنيفاً بين مراحل من التغرّب الاضطراري وأخرى من الأصولية المفرطة الشديدة الكراهية للأجنبي .

وإذا كان العالم العربي مُعجباً ومرتاعاً معاً من هؤلاء الفرنج الذين عرفهم برابرة وانتصر عليهم، وإن كانوا قد نجحوا مذّاك في الهيمنة على الدنيا، فإنه لا يستطيع أن يهضم أن الحروب الصليبية مجرد فصل من ماضٍ انتهى . وكثيراً ما يدهش المرء عندما يكتشف إلى أي مدى ظل موقف العرب، والمسلمين بعامة، متأثراً، إلى اليوم أيضاً، بأحداث يُفترض أنه انتهى أجلها منذ سبعة قرون .

ومن جهة أخرى فإن المسؤولين السياسيين والدينيين في العالم العربي لا يزالون، عشية الألف الثالث، يستشهدون بصلاح الدين وسقوط القدس واستعادتها . وتُشبَّه (اسرائيل) في المفهوم الشعبي كما في بعض الخُطب الرسمية بدولة صليبية جديدة . ومن فصائل جيش التحرير الفلسطيني الثلاثة يحمل واحد اسم «حطين» وآخر اسم «عين جالوت» . وكان الرئيس جمال عبد الناصر في إبان مجده يقارن بصلاح الدين الذي كان – مثله – قد وحد الشام ومصر، وحتى اليمن ! وأما حملة السويس في عام 1956 م فقد نُظر إليها – على قدم المساواة مع حملة 1191 م – على أنها حملة صليبية بقيادة الفرنسيين والإنكليز .

والحق أن التشبيهات مثيرة . فكيف لا يذكِّـرُ المرء ( السادات) وهو يسمع سبط ابن الجوزي يفضح أمام أهل الشام «خيانة» الكامل صاحب القاهرة الذي تجرأ على الاعتراف بسيادة العدو على المدينة المقدسة؟ وكيف يُميز الماضي من الحاضر حين يكون الصراع دائرة بين دمشق والقدس حول السيطرة على الجولان أو البقاع؟ وكيف لا يبقى الإنسان متفكراً وهو يقرأ ملاحظات «أسامة» عن تفوق الغزاة العسكري؟

إنه لا يمكن في عالم إسلامي معتدى عليه أبداً أن نمنع بروز شعور بالاضطهاد يتخذ عند بعضهم شكل وسواس خطر؛ ألم نَرَ التركي “علي آقا” يطلق النار في الثالث عشر من أيار/ مايو 1981 على البابا بعد أن شرح في رسالة قائلاً: «قررت أن أقتل ’’جان پول الثاني‘‘ قائد الصليبيين الأعلى»؟ وبعيداً عن هذه الواقعة الفردية فإنه واضح أن الشرق العربي لا يزال يری في الغرب عدواً طبيعياً . وكل عمل عدائي ضده، سواء أكان سياسياً أم عسكرياً أم بترولياً، ليس سوى ثأر شرعي . ولا يمكن الشك في أن الصدع بين هذين العالمين يعود تاريخه إلى الحروب الصليبية التي يشعر العرب بأنها، إلى اليوم أيضاً، انتهاك واغتصاب .