الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

مؤلف “شخصية مصر” متحدثا عن “استراتيجية الاستعمار والتحرير”.. تفكيك هزيمة يونيو 1967

     أشرف راضي *

من المفارقات التي لا تخلو من دلالة أن الطبعة الأولى لكتاب “شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان”، لعالم الجغرافيا المصري الفذ ’’جمال حمدان‘‘، صدرت عام 1967 في نحو 300 صفحة من القطع الصغير، قبل اكتمال صيغتها النهائية، التي عكف ’حمدان‘ مدة عشر سنوات على وضعها، وصدرت في أربعة مجلدات بين عامي 1981 و 1984 . كان كتاب “شخصية مصر” مع كتابه الآخر “اليهود أنثروبولوجيا”، الذي صدر عام 1967 أيضاً، بمثابة رفض للهزيمة ومحاولة من جانب الباحث للكشف عن مكامن القوة في شخصية مصر التي تؤهلها للصمود ورد الهزيمة وإماطة اللثام عن أسطورة “الشعب اليهودي” التي قامت عليها إسرائيل.

حظي كتاب “شخصية مصر”، ولا يزال يحظى، باهتمام كبير من الباحثين والدارسين في مصر وخارجها، وهو اهتمام فاق كثيراً الاهتمام الذي حظيت به مؤلفات ’حمدان‘ الأخرى – رغم أهميتها – ومن بينها كتاب “استراتيجية الاستعمار والتحرير” الذي صيغت فكرته الرئيسية عام 1964، وتنبأ فيها بتفكك الكتلة الاشتراكية وزوالها وصدرت طبعته الأولى عام 1983، ثم صدر في طبعة أخرى عام 1984 . وكتاب “سيناء في الاستراتيجية والسياسة والجغرافية”، الذي صدر في طبعتين عام 1993.

ويُبرز الكتابان معاً جانباً من المرتكزات الفكرية التي تقوم عليها رؤية ’حمدان‘، كما يُبرزان قدراته الكبيرة على التفكير الاستراتيجي . ولعل هذا الجانب المتعلق بتفكير ’’جمال حمدان‘‘ الاستراتيجي، تحديداً، من أكثر الجوانب التي جرى تجاهلها بشدة، هذا الجانب في مشروعه الذي يعكس رغبته في تجاوز الأحداث الآنية أو الظواهر الجزئية وسعيه الدؤوب إلى وضعها في سياق تاريخي أعم وأشمل وذي بعد مستقبلي.

وإذا كان كتاب “سيناء” وثيق الصلة بحرب 1967 وما نجم عنها، فيظل السؤال عن علاقة “استراتيجية الاستعمار والتحرير” بنكسة عام 1967 مشروعاً، ولماذا نستحضر هذا الكتاب تحديداً في الحديث عن النكسة؟

الصلة واضحة . ففي هذا الكتاب، يتناول ’حمدان‘ الصراع الذي يعيشه العالم المعاصر وعلاقته بتوزيع القوى والأوزان بين الدول والأمم والقارات، ويحاول استشراف مستقبل نمط توزيع القوى السياسية والاستراتيجية في مستقبل سيخلو من الإمبراطورية واحتكار القوة والعلم؟ ويسعى حمدان إلى الإجابة عن هذا السؤال من خلال الغوص في مراحل التاريخ السياسي والاستراتيجي المتعاقبة، ليتكشف له “نمطاً ثلاثياً متواتراً لصراع القوى”، ثابتاً في الأسس والجوهر، ومختلفاً في التفاصيل والظلال والأبعاد.

والدراسة التي تشكل لب الكتاب وموضوعه تتناول بعدين لا انفصال لهما في الواقع، هما الاستعمار كحركة توسع وتسلط وصراع القوى الاستراتيجية كعملية بقاء أو تضخم، لكن يظل التمييز بين ظاهرة التوسع الاستعماري وظاهرة صراع القوى الاستراتيجية تمييزاً مهما لفهم العالم القديم والمعاصر . وسعى حمدان إلى استخلاص نظرية عامة في الاستراتيجية العالمية تستند إلى قراءة متأنية لتاريخ الظاهرة الاستعمارية في العصور القديمة وصولاً إلى ما أطلق عليه “قرن الاستعمار” وحاول استشراف المستقبل في ضوء ثورة التحرير وظهور كتلة عدم الانحياز في السياسة العالمية على مدى 446 صفحة من القطع الكبير، موزعة على ثلاثة أبواب و 15 فصلاً.

والدراسة توفر خلفية لفهم حرب 1967 في سياق الظاهرة الاستعمارية الأوسع، والتي كان لها “وضع خاص” في العالم العربي، فيرى أن الصراع الأوروبي الحديث في القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين ليس سوى جولات دامية ودرامية ولقاءات عاصفة هوجاء ومريرة ترجع إلى العصور القديمة أيام الاستعمار اليوناني والروماني مرورا بالحروب الصليبية في العصور الوسطى . ويبرر هذا بأن العالم العربي، بمعناه الموسع الذي يضم قطاعات من العالم الإسلامي كتركيا، هو المنطقة الوحيدة خارج أوروبا التي تعد نداً لها، تاريخياً وحضارياً، وكذلك من الناحية السياسية والحربية ومن حيث القوة . فالعالم العربي هو المنطقة الوحيدة قبل أوروبا وخارجها التي كانت في وقت ما القوة العظمى الأولى في العالم، وأحرزت لنفسها السيادة العالمية قروناً وأجيالاً، وأخضعت مناطق شاسعة خارجها بما في ذلك أجزاء من أوروبا نفسها . فالعالم العربي، إلى جانب أوروبا، هما المنطقتان الوحيدتان في العالم اللتان تنازعتا أو تناوبتا أو شاركتا في السيادة العالمية عبر التاريخ وفي تأسيس الإمبراطوريات والفتح والتوسع السياسي، فضلا عن خلق الحضارة الراقية بالمعنى المفهوم . ولهذا كان اختراق العالم العربي هو التحدي الأكبر للاستعمار، بدونه لا تكتمل له السيادة العالمية حقاً، وبه وحده يتحقق تتويج زحفه. وبالمقابل، لم تكن مصادفة أن تبدأ نهاية الاستعمار بشكله التقليدي في المنطقة وأن يكون مقتله على يدها.

ويبين ’حمدان‘ كيف أن الموجة الحديثة للاستعمار الأوروبي كامتداد للحملة الصليبية وتصفيةً للحساب مع العالم العربي وكيف أن هذه المسحة الدينية للاستعمار عادت “مرة أخرى وأخيرة لتُكرر وتؤكد نفسها مع آخر وأدنى موجة من موجات الاستعمار الأوروبي الحديث في المنطقة وهي الاستعمار الصهيوني القميء” . وأن عداء أوروبا الاستعماري يحمل روحا صليبية وطائفية في الدرجة مع العالم العربي والإسلامي، فالفارق الأبرز بين أوروبا والعالم العربي هو الدين لا اللون . ويأتي الاستعمار الصهيوني في فلسطين المحتلة باسم إسرائيل، كحالة خاصة وأخيرة من الاستعمار مكنت له وخلقته فقط تلك القوى الاستعمارية الأوروبية . فبدايات الحركة الصهيونية عاصرت آخر موجة كبرى من موجات الاستعمار الأوروبي الحديث، وتحققها كان معاصراً مع نهايات عصر الاستعمار بوجه عام.

هذه حقائق علمية تاريخية وجغرافية يرصدها عالِمٌ فذ، تساءل عن معنى إسرائيل علمياً وموضوعياً بالنسبة إلى طالب الجغرافيا السياسية؟ والصهيونية في رأيه ليست سوى حركة سياسية تعلقت بأذيال الموجة المدارية الاستعمارية لتركبها وتستثمر المناخ السياسي الاستعماري وصولا إلى تحقيق أهدافها الخاصة في إنشاء “الدولة اليهودية”، لتتخذ من الدين قناعا لخلق أيديولوجية تاريخية ودينية تجمع يهود الشتات حولها، وتخفي بذلك حقيقة أهدافها عن العالم الخارجي، ويفسر بذلك رفضها لعدة اقتراحات لإقامة “الوطن القومي” غير فلسطين . وتصدى ’حمدان‘ نفسه في كتاب آخر، هو كتاب “اليهود أنثروبولوجيا” لتقويض هذه الأسطورة.

ويرى أنه كان من المستحيل منذ البداية تحقيق الحلم الصهيوني إلا بمساعدة كاملة من قوى السيادة العالمية، مما وفر مصلحة استعمارية متبادلة ومشتركة ربطت الحركة الصهيونية بالإمبريالية تنتقل مع انتقال مركز الثقل في زعامة الإمبريالية . فتكوين إسرائيل مر بمرحلتين هما التغلغل ثم الغزو، الذي لم يقف في رأيه عند حدود حرب عام 1948 الذي أنشأ “إسرائيل الصغرى”، وإنما أكملت ذلك بسلسلة من الحروب في 1956 و 1967 بهدف التوسع سعياً لإقامة “إسرائيل الكبرى”.

وبهذا يضع ’حمدان‘ إسرائيل وحروبها ضد دول المنطقة في سياق الظاهرة الاستعمارية الأوسع والتي تلقى مقاومة من قبل دول المنطقة، لكن هذه المقاومة تنجح فقط في التصدي للتوسع، الأمر الذي دفع إسرائيل إلى الانتقال من التوسع الأفقي على مساحات أكبر من الأراضي العربية إلى التوسع الرأسي بالتركيز على فلسطين من خلال سياسة الاستيطان . إن البعد المتعلق بالاستعمار لا يصلح وحده لفهم ما يحدث من تحولات شهدها الصراع بين إسرائيل من جهة وبين العرب والفلسطينيين من جهة أخرى، منذ قيامها عام 1948 . ومن هنا لا بد من استحضار البعد الآخر المتعلق بصراع القوى الاستراتيجية، ليس فقط على الصعيد العالمي سواء في مرحلة الحرب الباردة أو ما بعدها، وإنما أيضا على الصعيد الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط.

ففي حين أوجد المستوى الأول العالمي، حالة لإدارة الصراع من خلال التحكم في موازين التسلح ووضع خطوط للأطراف المتحاربة في المنطقة وأخضع الصراع فيما بين إسرائيل والعرب والفلسطينيين لمستوى معين من القيود، قد يجري التساهل فيها فيما يخص إسرائيل، أوجد المستوى الثاني أشكالا من الممانعة، سعت إسرائيل والقوى العالمية إلى تصفيتها أو تليينها على مدى عقود، وحققت درجات من النجاح لكنها لم تنجح بعد بشكل كامل.

فاستراتيجية ’’الاستعمار والتحرير‘‘، تساعدنا على فهم الصراع ووضعه في سياق أوسع يتجاوز تفاصيله وجزئياته، لكننا بحاجة إلى استلهام منهج الكتاب الذي وقف عند حدود ما كان قائما حتى النصف الأول من ثمانينيات القرن العشرين . نحن بحاجة لتحليل دقيق للتحولات الحادثة في المركز الاستعماري القديم، حيث يظهر التناقض جلياً بين الطابع العنصري المطلق للدولة اليهودية وبين القيم الناشئة في سياق حركة الشعوب في هذه المراكز، التي من الممكن أن توفر سنداً لقوى التحرر والممانعة في فلسطين والعالم العربي، وهو تناقض كان واضحاً في مؤتمر مناهضة العنصرية الذي رعته الأمم المتحدة في (دربان) بجنوب أفريقيا في أغسطس 2001، والذي انسحب منه الوفدان الأمريكي والإسرائيلي بعد عزلهما في المؤتمر في مواجهة الهجوم.

هجمات 11 سبتمبر 2001، التي جاءت بعد أقل من أسبوعين على هذا المشهد في ’دربان‘، حدّت من عنفوان هذا التناقض بين القيم العالمية الناشئة وبين الأساس العنصري الذي قامت عليه إسرائيل، لكنها لم تحل هذا التناقض بشكل نهائي، ولا نزال نشهد له صدى في تنامي الحركة المناهضة للاستيطان على الصعيد العالمي، رغم الدعم الأمريكي الثابت لإسرائيل والذي يوفر لها الحماية، لكن يواجه ضغوطا متزايدة، كان آخرها تقرير مجلس العموم البريطاني الذي يدعو الحكومة البريطانية إلى أن تنأى بنفسها عن سياسات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المنطقة . ومثل هذه الضغوط تحد بلا شك من اندفاع ترامب في تأييد سياسات إسرائيل.

إن ’’جمال حمدان‘‘ عانى مثل أنداده من كبار المفكرين الاستراتيجيين في العالم، من عدم قدرة المجتمع المحيط بهم على استيعاب ما يُنتجونه، إذ إنه غالباً ما يكون رؤية سابقة لعصرها بسنوات، وهنا يصبح عنصر الزمن هو الفيصل للحكم على مدى عبقرية هؤلاء الاستراتيجيين . وهذا كان الدافع لاستعراض بعض وليس كل ما جاء في كتابه . الحقيقة أن هذا يتسق مع التعامل مع كتاباته ككل . لكن يظل الأمر الأهم هو استلهام المنهج وليس تكرار المقولات . وإعمالاً لهذا المنهج يصبح السؤال، في ضوء المرحلة الراهنة من الصراع مع إسرائيل مشروعاً عن مدى صلاحية استراتيجية قوى الممانعة وتكتيكاتها في المواجهة؟ وهل يمكن كسب المواجهة مع إسرائيل في ظل تكبيل حركة الشعوب العربية والانتقاص من قدراتها؟ وهل من سبيل لتفكيك هزيمة 1967، بغير تفكيك المنظومة التي أدت إليها؟

حدث هذا بشكل جزئي في المرحلة التالية على يونيو 1967 وصولا إلى حرب أكتوبر 1973 التي لم يكن من الممكن أن تتطور إلى حرب تحرير شاملة في ظل التوازنات الدولية التي قرأها حمدان بعناية وخص حرب أكتوبر بكتاب ربط فيه بشكل مباشر بين هذه الحرب وبين الاستراتيجية العالمية .

* باحث ومترجم مصري

المصدر: الهلال اليوم