الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

في ذكرى ’’ثورة 23 يوليو‘‘.. لماذا الهجوم على ناصر وسياساته الخارجية؟

د. حاتم عبدالمنعم أحمد *

أيام قليلة وتحل علينا الذكرى الـ 68 لـ ’’ثورة 23 يوليو 52‘‘ وقد رأيت البعض يهاجم سياسات الزعيم جمال عبد الناصر، وأذكِّر هؤلاء بأنه بعد ضرب اليابان بالقنابل النووية وتدمير ألمانيا تماما في الحرب العالمية في الأربعينيات، وخلال نحو ثلاثين عاما فقط عادت اليابان وألمانيا كقوى عالمية عظمى في الاقتصاد والتكنولوجيا وخلافه، فقد تم بناء دولة قوية بعد أن كانت أنقاضا، ولكن في مصر مازال البعض يهاجم ناصر بشكل مستمر بدعوى أنه سبب كل المشاكل التي تعانى منها مصر الآن، برغم أن الرجل في رحاب ربه منذ خمسين عاماً، ومن جاء بعده غيروا تماما سياسات ناصر شكلاً وموضوعاً، فلماذا لم يُصلحوا في خمسين عاماً ما أفسده الرجل، برغم أن اليابان وألمانيا نهضوا في أقل من ثلاثين عامًا؟

الواقع أن الهجوم المتكرر على ناصر هي شهادة كبيرة لمشروعه ولثورته لأنها أصبحت رمزا للعدالة الاجتماعية والمشروع العربي الواحد وللعداء للمشروع الإسرائيلي، ثم إن الهجوم أو المدح في حد ذاته ليس هو المهم وخاصة أن لكل إنسان أو مشروع ايجابياته وسلبياته، ولكن المهم تحديد الإيجابيات والسلبيات من جانب الخبراء المتخصصين، وبالنسبة لـ ناصر يشهد له كثير من خبراء التاريخ والجغرافيا بأثره الإيجابي الكبير ليس في تاريخ مصر أو الوطن العربي فقط بل أثره تعدى ذلك حيث يؤكد خبير مصر الاستراتيجي ’’جمال حمدان‘‘ أن مصر ناصر قادت حركات التحرير في العالم الثالث كله، سواء تحرير الأراضي بخروج الاستعمار من دول العالم الثالث في إفريقيا أو آسيا أو أمريكا الجنوبية، ثم بنجاحها في تأميم قناة السويس مهدت الطريق لكل دول العالم بتحرير ثرواتها من بترول وخلافة بدون حروب أو مشقة، ومن ثم ناصر هو قائد تحرير أراضي و ثروات العالم الثالث ويعترف ويفخر بذلك كل قيادات العالم الثالث من كاسترو إلى جيفارا إلى بن بيلا إلى نيلسون مانديلا إلى نيريري ولومومـبا وتشيفينيزى وكل قيادات العالم الثالث، ومن هنا نفهم عداء الاستعمار والقوى الكبرى لـ ناصر ومشروعه لدرجة أن أكثر من مسؤول أمريكي صرح بأن أمريكا لن تسمح بظهور ناصر جديد، وتكرر هذا عند غزو العراق وأثناء انتفاضة 2011.

وهذا سبب أول لمهاجمة ناصر من أتباع وخادمي القوى الكبرى التي تنهب ثروات العالم الثالث، ولهذه القوى أتباعها وخدامها والمستفيدين منها في الداخل والخارج، ويؤكد علماء التاريخ على أن المنهج العلمي لتقييم أي شخص أو حاكم يكون من خلال دراسة وتقييم الوضع قبله وأثناء حياته ثم بعده، وهذا هو المنهج العلمي الذي استخدمه مؤلف كتاب العظماء مائة وأعظمهم محمد (صلى الله عليه وسلم) وهذا المنهج يوضح أن ناصر جاء للحكم ومصر كلها محتلة ومعظم العالم العربي ودول العالم الثالث، وبعد وفاته تحررت كل هذه البلدان، وكان هو قائد التحرير والقدوة والمعلم.

هل وضح أثر ناصر في تاريخ العالم الثالث؟ هو القائد والبطل والمعلم، والأخطر: ماذا فعلنا بعده وما هو حال العرب الآن بعد غيابه؟
للأسف نجحت القوى العظمى في تنفيذ كل مشروعات الفوضى الخلاقة التي تصدت لها مصر عندما كانت تقود وطنها الكبير؛ حيث وقفت مصر الستينيات ضد قاسم حاكم العراق حينما هدد باحتلال الكويت، وقالت مصر إن أي اعتداء على الكويت اعتداء على مصر، كما وقفت مصر مع سوريا ضد تهديدات تركيا وأطماعها في سوريا، وضد أطماع وتهديدات إيران للعراق، ووحدت اليمن شمالا وجنوبًا بعد المساعدة في تحرير عدن، وحافظت على وحدة لبنان، وحقنت دماء معركة أيلول/ سبتمبر 1970 بين الأردن والفلسطينيين.

بعد ناصر تجددت هذه المؤامرات، ونجحت بعد غيابه، هذه قيمة وقامة ناصر؛ ولذلك يخشون عودته فمصر الستينيات وقفت بنجاح ضد كل مؤامرات إسرائيل والدول الكبرى في تقسيم وتفتيت الوطن العربي، هل واضح الفرق بين العالم العربي في وجود ناصر وبعد غيابه؟ هل واضح من يهاجمون ناصر ولمصلحة من؟ ثم بالنسبة لأمن مصر من المنظور الشامل كان ناصر واعياً لتاريخ وجغرافية مصر بحكم أنه مُدرس بالكلية الحربية، وكان مؤمنًا بفكرة الإمبراطورية الدفاعية كدور أساسي لمصر عبر تاريخها، وأن حماية أمن مصر يُحتم عليها الخروج خارج حدودها؛ حيث يلخص ’’جمال حمدان‘‘ جغرافية وتاريخ مصر في مرحلتين: إمبراطورية دفاعية أو مستعمرة تابعة؛ ولذلك مدت مصر يد المساعدة لكل دول العالم الثالث، وخاصة الدول المحيطة المؤثرة على الأمن القومي؛ حيث كانت كل نظم دول الحدود صديقة لمصر، ولم تكن هذه صدفة، بل نتيجة جهود مباشرة وغير مباشرة؛ ولذلك كان هناك القذافي في ليبيا الذي أخرج القواعد الأمريكية التي كانت تستخدم من قبل العدو، وكان نظام جعفر النميري الصديق في السودان، وياسر عرفات ومنظمة فتح في غزة، وكانت علاقات مصر مميزة بكل  الدول الإفريقية وخاصة دول حوض النيل وإثيوبيا واستطاعت مصر زيادة حصتها من مياه النيل، وكانت جميع الدول الإفريقية كتلة واحدة مع مصر في أي قرار بالأمم المتحدة، وكانت جميع هذه الدول ليس لها علاقات بإسرائيل.

هذه هي أوضاع مصر والعالم العربي والعالم الثالث قبل وبعد ناصر، ثم كانت سياسات السادات ومبارك هي الكمون الإستراتيجي والانكفاء على الذات، ماذا كانت النتيجة؟ ومن المستفيد لنعرف من يهاجم ناصر؟

هذه باختصار الأوضاع الخارجية أو السياسة الخارجية لمصر قبل ناصر وأثناء حكمه وبعده، ويلخص كل ذلك ’حمدان‘ في قوله إن ناصر هو أول حاكم مصري في العصر الحديث يكتشف جوهر شخصية مصر السياسية، ويضع يده على صيغة السياسة الخارجية لمصر في شكلها الأمثل، وناصر لم يخترعها، لكنه أول من تعرف عليها نظريًا ثم طبقها عمليًا فسياسات مصر في العصر الناصري هي سياسة مصر كما ينبغي أن تكون بحكم الجغرافيا والتاريخ، ولا يمكن لأي مصري الخروج عنها إلا إذا خرج عن مصريته؛ ولذلك هذه السياسات هي مستقبل مصر، بل والعرب، وبوصلتنا في المحن والشدائد وهي مستقبل وليست مجرد ماض.

هذه شهادة ’’جمال حمدان‘‘ وهو من تضرر وظُلِم وانعزل وانطوى في عصر ناصر، ولا يمكن لأحد اتهامه في شهادته أو صدقه أو علمه، ومن هنا الهجوم على ناصر لأنه مستقبل للأمة، وليس مجرد ماضٍ وانتهى.

والآن هل وضح من هم أعداء ناصر؟ ولماذا الهجوم المستمر؟ لأن الأزمات والمحن التي يعانى منها العرب تؤكد الحاجة لمشروع ناصر، ومن هنا تجدد الهجوم وهي شهادة تُنبئ بحضور مشروعه وأهميته كمشروع قومي عربي للخروج من المحن.

رحم الله ناصر و ’حمدان‘ فكلاهما أضاء الطريق المظلم وبعث الأمل في مستقبل عربي مشرق قريب بإذن الله.

* باحث وكاتب مصري

المصدر: الأهرام