الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

عينٌ خضراء في الحصار

عبد الحفيظ الحافظ

ترددتُ في الكتابة إليك، وأنتَ ترقدُ في مستشفى العيون، لقد نشبَ صراعٌ في صدري بين الكتابة وبين البوح بما يكنُّه قلبي، ووددتُ لو وصلتْ رسالتي التي لمْ ترسلْ، قبل إصابتكَ بشظية طلقة. بدأتْ قصتي معكَ بدهشتي أمام عينيكَ الخضراوين، فأنى وجهت عينيّ حطَّتا على عينيكَ، رأيتُ فيهما ربيعًا آسرًا، يستريح بأمان. ارتبكتُ عندما التقينا أمام مبنى الهلال الأحمر، وكان معي زميلُنا مظهر طيارة، سألتَ ببراءة: – ماذا تفعلان هنا؟ هل تدبران مكيدةً ضدَّ أحد؟ أجبتُ: – حريق فحسب يا أنيس حمدون، نود أن نسهم في إطفائه، فأشحتَ بوجهكَ عنا، ثم أطلّت عيناكَ، وقد اغرورقتا بالدمع. – الله يحمي مدينتنا، ليته كان حريقًا، إنه قصفٌ بالقنابل يا فدوى، إن سطوح المباني زُرعتْ بالقناصين. مرَّتْ الأيام والأسابيع والأشهر، ونحن منهمكون في الهلال الأحمر، نلتقي في سيارات الإسعاف أو بين أنقاض المباني لانتشال الشهداء والجرحى، والشعور بالرضا يغمرنا؛ لأننا نقدم شيئًا لمدينة عريقة بمساجدها وكنائسها وأحيائها وأسواقها القديمة والحديثة. منذ أيام جمعَ شملنا القصفُ العشوائي لحي الخالدية، تحرسنا مئذنتا مسجدِ خالد، كانتا ممشوقتين بقامتيهما بين قبابه، تصدان الريح، وتحميان المدينة. انهمكنا بانتشال القتلى والجرحى، وأعترف -الآن- بأنني، وأنا وسط الدم والدخان والغبار، كنتُ أمني نفسي برؤية عينيكَ الخضراوين. فجأةً سقطتْ بيننا قذيفةُ هاون، مزقت واسطة عقدنا إلى أشلاء، وشاهدْتُكَ تنهضُ كطائر الفينيق من بين الأنقاض، وحاولتَ أن تنقذَ مظهر، فمرت شظيةٌ بقربكَ، وأخذت معها إحدى عينيكَ، فتضرج وجهكَ بلون شقائق النعمان. زحفتُ نحوكَ، احتضنتكَ – وكمْ تمنيتُ احتضانكَ – حملناكَ إلى سيارة الإسعاف، وخرجنا من جهنم، تلاحقُنا طلقاتُ رشاشٍ أعمى. وفي الطريق سقطت عينك، وتدلت على صفحة خدك، حملتُها وخبأتُها، وعندما مسحتُ الدمَ عنها، رأيتُ فيها ربيعًا ما يزال آسرًا يستريح بأمان.


عبد الحفيظ الحافظ

كاتب وقاص سوري