الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

إرهاصات التأسيس /1/


إن الحديث عن إرهاصات تأسيس حزب الاتحاد الاشتراكي العربي في سورية، تُلزمنا التحدث حول البذور الأولى للحراك الحزبي السوري التي كانت تفرضها وتمليها التطورات والتحولات في طبيعة الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومدى تأثير التطورات الإقليمية والدولية في كل مرحلة.
فكيف كانت البداية؟
الحزبية في سورية تعود الى أواخر القرن التاسع عشر، فقد عرف الشارع السوري وقتها بعض من الجمعيات والأحزاب والتيارات والحركات السياسية والاجتماعية؛ وجميعها أحزاب هزيلة وهشة، وذات برامج سياسية غير واضحة المعالم، وهي حركات اجتماعية بدائية استهدفت الغاء الأقطاع وتحرير المرابعين والفلاحين . كما أن كثيراً منها هو جمعيات خيرية وثقافية يدفعها، على التشكل، الحماس الوطني للمطالبة بإقامة حكم ذاتي في ظل الحكم العثماني.
فظهرت جمعيات أدبية وعلمية عديدة مثل جمعية العلوم والفنون في بيروت عام 1847 ثم الجمعية العلمية السورية عام 1857 وكانت تهدف تلك الجمعيات إلى ايقاظ الوعي القومي وتوعية الناشئة وبث الروح القومية بينهم وبعث الأدب والتاريخ العربي.. أما الجمعيات السياسية فتُعد الجمعية السرية في بيروت عام 1875 أول جمعية سياسية في الوطن العربي نادت بالاستقلال الذاتي لسورية متحدة مع لبنان وبجعل اللغة العربية لغة رسمية في الولايات العربية وجعل الخدمة العسكرية محلية ورفع القيود عن حرية التعبير، كما ظهرت جمعيات اجتماعية مثل الجمعية الخيرية في دمشق عام 1878 والتي تهدف الى نشر التعليم والقيام بأعمال البر والاحسان.
وفي القرن العشرين كان الحزب الاتحادي مطلع العقد الثاني منه أول التجمعات التي أخذت شكل واسم الحزب بالظهور، ثم تلا ذلك توالي الأحزاب بالتشكل والظهور العلني، فظهر في العام 1911 مجموعة من التوجهات الحزبية كان أهمها الجمعية العربية الفتاة التي ظهرت في باريس ثم انتقل مقرها إلى لبنان فدمشق وتعد من أكثر الجمعيات التي صاغت بأهدافها مستقبل الأمة العربية، حينها، إذ هدفت إلى النهوض بالأمة إلى مصافي الأمم المتقدمة وتحقيق الاستقلال الذاتي للبلاد العربية؛ كما ظهر في نفس العام عدة أحزاب صغيرة منها حزب الاتحاد العثماني أو الحزب الصادق وحزب الأحرار ..
وفي أواخر العام 1912 تأسس في القاهرة “حزب اللامركزية الإدارية العثماني” على يد مجموعة من الزعماء السياسيين والمفكرين أبناء الجالية السورية في مصر.. وكان لهذا الحزب دوراً مهماً إلى جانب زعماء النهضة وقادة التيارات السياسية والثقافية في بلاد الشام للتحضير لـ المؤتمر العربي الذي سينعقد في باريس عام 1913 للمطالبة بإصلاحات إدارية ومالية وسياسية في ظل حكم لا مركزي في بلاد الشام.
إعلان الدولة السورية:
تعود عملياً الولادة النشطة والفعلية للأحزاب السياسية السورية إلى نشوء الدولة السورية ككيان مستقل بذاته عن السلطة العثمانية، وتطورت مع وقوع هذا الكيان بعدها تحت سلطة الانتداب الفرنسي.
استمرت النشاطات السياسية والثقافية بالظهور العلني في البلاد من جهة ومنعها وملاحقة رجالاتها من جهة أخرى حتى نجاح الثورة العربية الكبرى في 30 أيلول عام 1918.. حيث أخذ السوريون يتجهزون لاختبار تجربتهم الأولى في إدارة بلادهم بأنفسهم في ظل حكم وطني.. فشهدت تلك الفترة، التي قاد حكمها الملك فيصل والممتدة على مدى عامان من أيلول عام 1918، ولادة عدة أحزاب ظهر أغلبها في أوساط السوريين في مصر من مثل:
حزب الاتحاد والذي تأسس في القاهرة في كانون أول من العام 1918 من قبل بعض المسلمين والمسيحيين السوريين اللاجئين في مصر بالإضافة إلى بعض أعضاء حزب اللامركزية الإدارية واقتصرت مطالب هذا الحزب بوحدة سوريا الطبيعية.
– حزب “اللجان اللبنانية السورية” الذي نادى بضرورة سلخ سورية عن كل سلطة تركية فعلية كانت أو اسمية واستقلال سوريا ووحدتها التامة بالإضافة إلى الفصل التام بين القضية العربية والقضية السورية.. ويُعد هذا الحزب نواة القومية السورية التي شقت طريقها في ثلاثينيات القرن العشرين فيما بعد .
– ونشأ في مصر أيضاً الحزب الحر المعتدل والذي يختلف عن الحزبين السابقين في أنه يطالب بأن تكون الولايات المتحدة الأمريكية وصية على سوريا.
– كما ظهر في شباط من العام 1919 حزب الاستقلال العربي ليكون مظهراً خارجياً لنشاط الجمعية العربية الفتاة “السرية” والتي كان الأمير فيصل عضواً بها، ويعتبر هذا الحزب بمثابة الهيئة السياسية الأولى في العهد الفيصلي وأكثر التنظيمات السياسية تماسكاً في تلك الفترة ويطالب هذا الحزب بضرورة استقلال العرب ووحدتهم الشاملة ضمن حدود الوطن العربي الطبيعية، من أبرز اعضائها كان “يوسف العظمة- هاشم الاتاسي- شكري القوتلي و أحمد مريّود “.
كذلك ظهر في نفس العام حزب التقدم ليكون واجهة علنية نيابياً للجمعية العربية الفتاة.. وكان آخر الأحزاب ظهوراً في هذا العهد هو الحزب الوطني السوري أواخر كانون ثاني عام 1920.
وتمتاز هذه الاحزاب ضمن هذه الفترة بالبساطة وغياب الخبرة الحزبية على إدارة وتنظيم نفسها.. لكن الأمر اختلف في فترة الاحتلال الفرنسي خصوصاً في أيامه الأخيرة.. كما أن الطابع العام لهذه الأحزاب غلبه التوجه الوطني العلماني، حيث يعد خطاب الملك فيصل عند دخوله سوريا المردد “الدين لله والوطن للجميع” المظلة الشرعية لتلك الأحزاب وقانونها الأساسي طوال تلك السنتين.
فبموجب اتفاقية سايكس بيكو سيئة الصيت اتجهت فرنسا وبريطانيا تقتسمان البلاد العربية شرق المتوسط، فهاجمت الجيوش الفرنسية لبنان وسوريا، ثم دخلت دمشق في 24 تموز 1920 منهيةً بذلك حكم الملك فيصل؛ وطوال مدة الانتداب الفرنسي والممتدة حتى نيسان 1946 ظهرت في البلاد أحزاب وجمعيات وطنية عديدة يدفعها تنظيم نفسها والتفاف الشباب حولها لرغبتها في الوقوف في وجه الانتداب، وبالمقابل سعت تلك الحكومة للقضاء على الأحزاب الوطنية وتهميش دورها في الحياة السياسية وتأسيس ودعم بعض الأحزاب الموالية لها.
أولى الأحزاب المشكلة في هذه المرحلة كان “جمعية القبضة الحديدية” أو ما كان يعرف باسم الحزب الحديدي والتي شكلها مجموعة من الوطنيين في صيف 1921 وترأسها عبد الرحمن الشهبندر، وقد عملت هذه الجمعية بسرية تامة بسبب الأحكام العرفية التي منعت السوريين من تشكيل أياً من التنظيمات السياسية.. اذ لم يستمر هذا الحزب في الحياة طويلاً وسرعان ما غاب عن الساحة.. لكن بعد فترة قليلة قام سعد الله الجابري في حلب بتشكيل جمعية شبيهة بها أطلق عليها اسم جمعية “الكف الأحمر” وكان إلى جانبه في هذه الجمعية عدد من الوطنيين أمثال: “إبراهيم هنانو وعبد الرحمن الكيالي وفاتح المرعشلي“؛ لكن هذان الحزبان وأحزاب أخرى صغيرة جداً لم تستمر طويلاً لغياب برامج واضحة لتلك الأحزاب ولقلة التنظيم بين صفوفها، على عكس أحزاب أخرى كانت على غاية من التنظيم والتي لاقت دعم خارجي وأخذت تتشكل وتسير بقوة مثل الحزب الشيوعي السوري – اللبناني الذي تأسس عام 1924 من التفاف بعض الشيوعيين السوريين واللبنانيين “فؤاد شمالي، يوسف ابراهيم يزبك” وغيرهم.. إذ تبنى الحزب منذ انطلاقته التعاليم الماركسية اللينينية واعتبر نفسه جزء من الحركة الشيوعية العالمية بتبعية كاملة للحزب الشيوعي السوفييتي، وكان يطلق على نفسه حزب الأممية الصحيحة إذ أن مفهوم الأممية لديه مندمج بمفهوم الوطنية.
بقيت السرية مسيطرة على تشكيل الأحزاب في البلاد حتى مجيء المفوض السامي الجنرال ساراي لدمشق والذي رأى أن الحكمة تقتضي إعطاء الشعب بعض الحرية السياسية لتخفيف الاحتقان الشعبي على حكومة الانتداب، نتيجة لذلك تأسس “حزب الشعب” أوائل العام 1925على اعتباره أول حزب سياسي واضح المعالم ويمارس نشاطه السياسي بشكل علني في عهد الانتداب.. وتم الإعلان رسمياً عن هذا الحزب في 25/6/1925 وترأسه عبد الرحمن الشهبندر والذي تمكن من اجراء تنسيق بين حزبه وقوى سلطان باشا الاطرش في جبل العرب.. لكن تنامي نشاط هذا الحزب ودوره البارز في مناهضة الانتداب دفع حكومة الانتداب لتشكيل حزب “الوحدة السورية” برئاسة صبحي بركات رئيس الدولة السورية آنذاك للحد من تنامي حزب الشعب، إذ أن غالبية أعضاء الحزب هم من الموظفين الرسميين الموالين لحكومة الانتداب.. لكن بسبب عجز الحزب عن القيام بدوره وعدم قدرته عن منافسة حزب الشعب ولعب دور مهم في تخفيف التوتر ضد حكومة الانتداب، اصدرت نتيجة ذلك حكومة الانتداب قرارها رقم 413 في 1/10/1925 بحل الحزب وإلغاء الهيئات والجمعيات السياسية كلها في جميع أنحاء الدولة باستثناء الجمعيات الخيرية.. ويعتبر هذا القرار أحد الأسباب التي اججت الاحتقان وكانت سبباً من أسباب كثيرة لاشتعال الثورة ضد الفرنسيين (1925-1927).
قدم السوريين خلال الثورة الكثير من التضحيات  قد اثبتت الحركات الوطنية مدى تماسكها، لكن ما أن انتهت الثورة حتى تفاقمت الخلافات الحزبية بين الوطنيين السوريين وعلى الأخص ضمن إطار المؤتمر السوري الفلسطيني والذي يمثل الحركة الوطنية السورية في الخارج؛ حيث انقسم المؤتمر إلى جناحان، جناح يضم العلمانيين المنادين بالصداقة مع الهاشميين وعلى رأسهم عبد الرحمن الشهبندر وجناح الاستقلاليين والمنادين بصداقة آل سعود وعلى رأسهم شكري القوتلي.
نتيجة لهذه الظروف التفت القوى الوطنية السورية حول نفسها باسم “الكتلة الوطنية” وذلك أواخر العام 1927 والتي ضمت في صفوفها “أعداد كبيرة من أعضاء حزب الشعب وحزب الاستقلال العربي بالإضافة إلى معظم الوطنيين الذين اشتركوا في الوحدة والاستقلال ومقاومة الانتداب“.
وهذا الحراك الوطني والبطولات التي سطرها السوريين في ثورتهم ضد الانتداب دفعت السلطات الفرنسية في نيسان 1928 للاستجابة لمطالب الشعب، إذ أجرت على أثره انتخابات عامة شاركت فيها الكتلة الوطنية إلى جانب أحزاب اخرى فاز فيها الوطنيين فوزاً ساحقاً.
وتعتبر تلك الانتخابات وحتى ثلاثينيات القرن الماضي من أكثر الفترات التي شهدت حراك حزبي حتى ذاك الوقت، إذ لمس السوريين وقتها أنه بالإمكان إحداث تغيير وتأسيس حكم ذاتي عبر النضال ضمن تنظيمات حزبية، وتلك القناعة كانت سبباً في ولادة تكتلات وتنظيمات حزبية بقي اسم بعضها ممتداً إلى اليوم على الساحة السياسية السورية لكن المتغيرات الإقليمية والدولية قضى على بعضها وأجبر بعضها الأخر على تعديل برامجه لتتوافق مع نظام الدولة العام ومع متطلبات المرحلة.. كما استفادت تلك الأحزاب من الأخطاء الحزبية للمرحلة السابقة، الأمر الذي دفع تلك الأحزاب إلى الانضمام إلى تكتلات حزبية أكبر وحدوث اندماجات مع بعضها البعض تقيها الاستضعاف والانحلال كما حصل مع غيرها.. ومن الأحزاب التي ظهرت في هذه الفترة الممتدة من (1928 -1940)، وهي أحزاب تمتاز بالشخصنة أو احزاب عقائدية ذات توجهات قومية، إذ تعد أحزاب هذه الفترة من أقوى الأحزاب وأكثرها تماسكاً وتنظيماً والتي لازال بعضها يرسم مستقبل سوريا لليوم وأهمها:
– حزب الأمة الملكي الذي تأسس في صيف 1928 وضم كبار الضباط المتقاعدين وينادي بعودة الملكية التي نشأت في عهد الملك فيصل، وقد دخل هذا الحزب بقوة في الانتخابات التي جرت عام 1932 تحت اسم الرابطة الوطنية الملكية.
– وفي نفس الفترة ظهر حزب آخر هو “حزب الاصلاح” الذي أسسه حقي العظم عام 1929 والذي ضم في صفوفه أعضاء متعاونين مع سلطة الانتداب من الطبقة الارستقراطية وكبار الموظفين، لكن سرعان ما انحل هذا الحزب وظهر بديلاً عنه جسم حزبي بديل انشأه حقي العظم في اذار 1932 باسم “حزب الائتلاف” الذي ضم نواب من الجنوب المؤيدين للسلطة الفرنسية.

بعضهم لديه هوية أخرى:
و بينما كانت كل الأحزاب والهيئات السياسية السورية تتشكل على أسس وطنية واضحة جاء أنطون سعادة بدعوته إلى القومية السورية التي حملها “الحزب السوري القومي الاجتماعي” من أكثر الأحزاب التي كانت مثار جدل وقتها، إذ يعتبر أنطون سعادة مهندس القومية الاجتماعية السورية الذي عرفها وحددها وصاغ تفاصيلها، وأسس حزبه في 16 تشرين ثاني 1932، بمثابة حزب سياسي إقليمي الانتشار يتخذ من البيئة السورية التي حددها ’انطون سعادة‘ بالهلال الخصيب مركزاً لبعث نهضة أمة “توهم الواهمون أنها زالت للأبد”، إذ أعلن أن الوطن العربي مكوناً من أربع أمم تكون فيه القيادة للأمة السورية، ولم يرد سعادة لحزبه أن يكون مختلفاً عن كل التشكيلات السياسية في سوريا في ذاك الوقت وحسب بل أراد منه أن يمثل ديناً جديداً.. ولازال يعاني من عزلة جماهيرية فرضتها عليه أمور عديدة منها ما يتعلق بخطه العروبي الغامض ومنها ما يتعلق بعقيدته والتي توصف دائماً بأنها عقيدة نازية.. إذ إن تأثره بالحزب القومي الألماني بزعامة هتلر تبدو واضحة جداً من خلال زوبعته بأطرافها الأربعة “حرية – واجب – نظام – قوة” والتي تكاد تتطابق مع الصليب النازي المعقوف، كما أن الفلسفة القومية الاجتماعية السورية مُستقاة بطريقة لا تدع مجال للشك من الفلسفة القومية الاجتماعية الألمانية.. لعب الحزب دوراً هاماً في الحياة السياسية السورية بعد الاستقلال وأثبت قدرة فائقة على التنظيم والانضباط وسبقاً في التعاطي مع العمل المسلح عن باقي التشكيلات السياسية في سوريا ولبنان، كما أنه يُعد، مع البعث والشيوعي، عرّابي الانقلابات التي حصلت في البلاد بعد الاستقلال.
هذه النزعة الجديدة والتوجه الجديد، دفع في آب 1933 ثلاث شبان من ذوي الاتجاه القومي العروبي وهم “فريد زين الدين من لبنان والسوري نافع شبلي والفلسطيني درويش مقداد” بالاتفاق في ’قرنايل‘ في لبنان على ضرورة تشكيل تنظيم سري من القوميين العرب يواجه النزعات القومية الضيقة، وقد عُرف هذا التنظيم باسم “عصبة العمل القومي” وكانت الواجهة العلنية له باسم “جمعية التحرير العربية” والتي اتخذت من دمشق مركزاً لها وأخذت تدعو إلى ضرورة تحرير الأجزاء العربية والسعي لإنشاء تكتل قومي عربي.. وقد تغذت العصبة في سوريا من ثلاثة جذور (تنظيم الشباب الوطني – الحركة الكشفية – المدارس الثانوية الحكومية).. لكن لم تستمر العصبة طويلاً لأنها قد خلطت ما بين سلطة الحكم و أجهزة الدولة ولرفضها السعي للسلطة ما أفقدها مبرر وجودها كحزب سياسي وجعلها أقرب ما تكون لنادي ثقافي أو جمعية فكرية سياسية.
أيضاً ظهر في نهاية الثلاثينيات مجموعة من الأحزاب بعضها استمر وأخذ يرسم ملامح السياسة وشكل السلطة بعد الاستقلال، وبعضها الأخر لم يُكمل لأسباب بنيوية وذاتية داخل كل حزب..  وأهم تلك الأحزاب:
1-” حزب الشباب العربي الاشتراكي” الذي اسسه عثمان حوراني 1938 والذي آلت قيادته فيما بعد لابنه أكرم الحوراني الذي بقي على حاله حتى اندماجه مع حزب البعث عام 1952.
2-” الحزب الوطني” وهو الوريث الشرعي للكتلة الوطنية، شكله في دمشق ائتلاف من وجهاء الممثلين فيها أبرزهم: “شكري القوتلي، سعد الله الجابري، جميل مردم، صبري العسلي، عبد الرحمن الكيالي، لطفي حفار وآخرون“.. وهو حزب كبار الملاك ورموز الحركة الوطنية ويعتبر في دستوره أن العرب أمة واحدة، كما يدعو للتقارب مع السعودية على اعتبارها ممثلاً للبرجوازية الكبيرة والرجعية التقليدية، وقد شُل نشاط هذا الحزب منذ 1949 بعد استيلاء حسني الزعيم على الحكم ونفيه قيادات الحزب خارج البلاد.
وقد انشق عن الحزب الوطني في نهاية الثلاثينيات مجموعة من الشخصيات الوطنية أغلبها من حلب وأسسوا “حزب الشعب“، تمتع أعضاء الحزب بالشفافية وحب الجماهير وكان الحزب الجديد من مناصري مشاريع الاتحاد العربي وخاصة مشروع الهلال الخصيب.. وتعتبر أولى اهتمامات هذا الحزب معالجة المشاكل السياسية والاجتماعية بأسلوب سياسي بعيداً عن الصراعات العسكرية.. فانبرى يصارع أديب الشيشكلي ما أدى إلى انقسامه عام 1954.. وفي نفس التوقيت كان هناك العديد من الأحزاب التي لم تستمر طويلاً وقضت نحبها بُعيد فترة لا تتعدى بضعة سنوات إن لم يكن أقل من تأسيسها وقد تجاوز عددها في هذه الفترة أكثر من 25 حزباً.. والجدير بالذكر أن جميع هذه الأحزاب والجمعيات لم تكن تملك ترخيصاً لا من الحكومة المحلية ولا من ممثلي الانتداب، إذ اختفت غالبيتها عن ساحة العمل السياسي لأسباب وعوامل تتعلق بمجمل الأوضاع الداخلية وتطورها، وبعضها يتعلق ببنية وتركيبة الحزب وطروحاته السياسية وبرامجه المختلفة، ونذكر منها: (حزب الميثاقيينحزب المجاهدينحزب لجنة الشبابحزب الحرس الملكي الجديدحزب الشباب الوطنيالهيئة الشعبيةالحزب التعاوني الاشتراكيالحزب القومي العربيحزب الاتحاد الوطني الحزب الدستوري الحر ..)
ومع بداية الاربعينيات سمحت الحكومة الفرنسية بقيام حكومة وطنية ائتلافية بعد أن عطل المفوض السامي الفرنسي العمل بالدستور وحل المجلس النيابي وعاد للحكم العسكري الفرنسي المباشر في الفترة الممتدة من 8 تموز 1939 الى ايلول 1941 وضمت تلك الحكومة صفوف الكتلة الوطنية برئاسة شكري القوتلي وحزب الشعب.
أولى الجماعات السياسية وأشهرها على الاطلاق والمشكلة في ذاك العقد كانت “حركة الاحياء العربي” و”حركة الاخوان المسلمين في سوريا” وهما طرفي النقيض؛
* فالأولى أسسها ميشيل عفلق عام 1941، وتعتبر هذه الحركة النواة الاساسية الأولى لحزب البعث، حيث اصدرت هذه الحركة بيانها الأول في شباط من نفس العام 1941 وما لبثت أن وضعت مبادئها القومية موضع التنفيذ عندما أعلنت تأييدها لثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق ضد الاحتلال البريطاني عام 1941 ، وعلى أثره تم انشاء حركة نصرة العراق، وبمساعدة صلاح الدين البيطار تم تأسيس حركة البعث العربي عام 1943.
* أما حركة الإخوان المسلمين تم تأسيسها في العام 1945 على هيئة جمعية دينية شكلها الدكتور مصطفى السباعي، وقد حققت الحركة نجاحاً شعبياً وأخذت تمارس دورها كمنظمة سياسية تحت اسم “الكتلة الإسلامية الاشتراكية“، وفي عام 1954 وقفت ضد الضباط الأحرار في مصر وناصرت المرشد العام للإخوان في مصر حسن الهضيبي، إلا أنها بعد تحقيق مصر إنجازات سياسية أيدوا عبد الناصر.. وقد لعب مراقبها العام مصطفى السباعي دوراً أساسياً في تميّز موقف الإخوان تجاه عبد الناصر عن بقية الإخوان في الوطن العربي لأنه كان أكثر وعياً بالمسألة القومية وكان يركز على الدور العربي ويؤيد الوحدة العربية.
وفي نهاية الأربعينيات لم يكن في سوريا قوة سياسية حائزة على تأييد جماهيري واسع، فتمكن شكري القوتلي وسعد الله الجابري من جمع أحزاب إقليمية الى جانب الكتلة الوطنية وتشكيل معارضة وطنية أخذت تستقطب تأييداً شعبياً حتى انتخب القوتلي رئيساً للجمهورية وكُلف ’سعد الله الجابري‘ بتشكيل الحكومة..
بالإضافة إلي الأحزاب التي تفرعت عن الكتلة الوطنية، والتي اعتبرت في هذه الفترة الكتلة الحزبية الأبرز على الساحة السياسية بعد الاستقلال، إذ إﻧﻘﺴﻤﺖ – وهي الكتلة ﺍﻟﺤﺎﻛﻤﺔ في البلاد –  ﺇﻟﻰ ﻣﺠﻤﻮﻋﺘﻴﻦ ﺳﻴﺎﺳﻴﺘﻴﻦ (ﺷﻌﺒﻴﺔ ﻭﻟﻴﺒﺮﺍﻟﻴﺔ) ﺗﻮﺣﺪﺗﺎ ﺑﻌﺪ ﺍﻧﺘﺨﺎﺑﺎﺕ ﻋﺎﻡ 1947.. ففي هذه الفترة أخذت الفئات الحزبية الناشئة ذات التوجه الأيديولوجي في الصعود في مقابل تراجع نسبي واضح للأحزاب الليبرالية. فسوريا اليوم والتي هي دولة تامة ومستقلة ظهر جلياً للجميع أن مستقبلها مرهون بزعمائها السياسيين وهم الرجال الذين قادوا النضال لأجل حرية البلاد واستقلالها. لكنهم شكلوا فريقاً لا تجربة له في تسيير أمور الحكم والدولة لذا واجهت السنوات الاولى من الاستقلال بقيادتهم العديد من المشاكل الإدارية الحادة.. حيث تميزت سنتا 1946 و 1947 بإخلال وفساد كبيرين في العمليات الحكومية في شكليها النيابي و الإداري ما جعلها عرضة للصراعات العربية الإقليمية والدولية.
هذا الأمر انعكس بوضوح على الانتخابات التشريعية التي جرت في تموز 1947 والتي هي أول انتخابات في ظل الاستقلال، وقد احتفظ فيها الحزب الوطني الحاكم بـ 40 مقعداً في حين حصل الأحرار أو الشعبيون على 30 مقعداً وهم عبارة عن ائتلاف غير متماسك بمنهاج حزبي غامض، إذ دعا برنامجهم إلى ضرورة احترام الدستور والمساواة والعدالة الاجتماعية واستقلال الأقطار العربية جميعها وانقاذ سوريا من الاستعمار الاقتصادي.. كما نجح أكرم الحوراني في تلك الانتخابات عن حزب الشباب ورشاد برمدا عن الحزب القومي العربي كذلك فاز الاخوان المسلمون بمقعد واحد ولم ينجح ’ميشيل عفلق‘ و’صلاح الدين البيطار‘ و’جميل مردم‘ عن الكتلة الجمهورية؛ ولم ينجح أكثر من 50 من المستقلين بأي مقعد.
لكن في إيلول من نفس العام جرى تعديل على الدستور الذي نص على إعادة شكري القوتلي رئيساً للجمهورية لمدة أربع سنوات أخرى والذي بدوره كلف جميل مردم بتشكيل الحكومة، هذا التعديل لاقى معارضة كبيرة في الداخل وعلى أثره دخل حزب البعث في صفوف المعارضة لأنه عدّ إعادة الترشح تجديداً للحكم الديكتاتوري.
وبسبب أحداث أيار في فلسطين سنة 1948، وانتشار الفوضى السياسية وشيوع عدم الاستقرار وعدم قدرة القوى التقليدية في إبرام عقد وطني يجمع كافة الأحزاب والكتل البرلمانية، أدركت القوى الوطنية عجز وافلاس القوى التقليدية عن إدارة البلاد والتي من خلالها أيقن السوريين عدم مقدرة هذه القوى الدفاع عن مصالح الشعب العربي الفلسطيني، ما دفع باتجاه استقالة حكومة جميل مردم وتشكيل حكومة جديدة بعد يومين برئاسته ثم استقالت للمرة الثانية في نفس العام وتم تكليف هاشم الاتاسي بتشكيل الوزارة الجديدة.. وبسبب تلك الأزمة طرأت عدة ﺗﺤﻮﻻﺕ مهمة على الحركة الحزبية السورية، فقد ساهمت في نمو واضح لليسار كمنافس للأحزاب اليمينية المحافظة، ومنها برز تقارب أيديولوجي واضح أدى إلى ﺗﻮﺣﻴﺪ ﺗﻨﻈﻴﻤﻲ ﺑﻴﻦ حزب البعث العربي بزعامة ميشيل عفلق ﻭﺍﻟﺤﺰﺏ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﺍﻻﺷﺘﺮﺍﻛﻲ بزعامة أكرم الحوراني والذي ﺃﺳﻬﻢ ﻓﻲ إعطاء قوة لليسار في المشاركة في الحياة السياسية ومنه للاندماج لاحقاً في حزب البعث العربي الاشتراكي.. كما أصبح الشيوعيين وكذلك الاخوان المسلمون أكثر تنظيماً في المجتمع السوري في هذه الفترة عما سبقها..  تلك الأمور لم تصل لوضع حد لاستمرار السخط الشعبي على الإدارة الحاكمة في البلاد، الأمر الذي طبع الحياة السياسية التي عاشتها سورية في هذه المرحلة بعدم الانتظام وبالاضطراب السياسي وشيوع الفوضى والتظاهرات، ما فتح الباب على مصراعيه للتدخل العسكري المباشر .
فقد السوريين الأمل تماماً من قادتهم السياسيين وآمن الكثير منهم أن الحكومة النيابية نفسها لا تتناسب والأوضاع السورية، فقد كانوا يتوقعوا الشيء الكثير من حكومة يديرها سوريون، لذا كان انقلاب حسني الزعيم بنظر الكثيرين المنقذ الذي ينتظره الشعب لتنقية البلاد من الفساد وضرورة حتمية لتنفيذ ﺍﻟﺘﻐﻴﺮﺍﺕ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﻳﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ – ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺔ وإعادة الثقة بالنفس للشعب.. لهذا حاصرت في 30 آذار سنة 1949 فصائل من الجيش السوري في دمشق مباني رئاسة الدولة ومجلس النواب ومختلف الوزارات؛ فاعتقل رئيس الجمهورية ’شكري القوتلي‘ و رئيس مجلس وزرائه ليخرج بعدها حسني الزعيم معلناً في بيانه عن وقوع الانقلاب العسكري الأول مبرراً ذلك رداً على نكبة فلسطين.
لقي هذا الانقلاب بدايةً ترحيب فئات عريضة من المواطنين ومن الأحزاب السياسية الأيديولوجية منها بالدرجة الأولى كالشيوعي والبعث والقوميين السوريين كعهد جديد يتم فيه التغلب على إخفاقات القوى التقليدية وتحقيق أمانيهم في التقدم والاصلاح والاستقرار، كما أيدت غالبية الصحف فكرة الحكم العسكري بوصفه “يتمتع” ببعض المزايا الإيجابية، وقد برّر مؤيدو الانقلاب هذا الاجراء لحاجة الدولة للاستقرار وللانضباط أكثر من حاجتها للحرية ‘كدولة ناشئة.
وكانت أولى الاجراءات المتبعة للسلطة الجديدة حلّ البرلمان في نيسان وتشكيل لجنة دستورية لوضع دستور جديد ومشروع قانون انتخابي جديد والإعلان عن أن انتخاب رئيس الجمهورية سيتم بالاقتراع السري من الشعب بصورة مباشرة وليس عبر مجلس النواب، وذلك لإبعاد القوى الحزبية عن الساحة السياسية، الأمر الذي سمح لفكرة المرشح الوحيد بالظهور، إذ تم الإعلان في تموز عن فوز ’حسني الزعيم‘ في الانتخابات الرئاسية بنسبة 99،99% ومنذ ذاك الوقت أصبحت تلك النسبة سُنّة جديدة في دنيا العرب.
وصول ’الزعيم‘ لحكم سوريا بهذه الطريقة عززت من مخاوف السلطة اللبنانية وهي الكيان المُشكل حديثاً من جسم الدولة السورية، وتتمثل هذه المخاوف من أن يتحالف القوميين السوريين مع الحكم العسكري في سوريا ضد هذا الكيان.. ويعزز مخاوفهم هو رفض الطرفين الحدود بين البلدين واعتبارها مصطنعة وأن لبنان جزء طبيعي من البيئة والجغرافية السورية.
لهذا وبعد أحداث ’الجميزة’ المفتعلة في لبنان من قبل حزب الكتائب فيها والذي أقدم هذا الأخير وبدفع من السلطة اللبنانية لإحراق مقر الجريدة الرسمية للقوميين السوريين في بلدة الجميزة اللبنانية، بادرت سلطات الأمن إلى مداهمة مركز الحزب وبيوت مُحازبيه واعتقلت اعضاءه في لبنان والذين بلغ عددهم خلال أيام أكثر من 2500 عضواً .
نتيجة لذلك لجأ ’انطون سعادة‘ زعيم ومهندس الحزب السوري القومي الاجتماعي إلى دمشق بعد تلقيه ضمانات من ’حسني الزعيم‘ بمنحه اللجوء السياسي كما شجعه ووعده بتسليح حزبه ومساندته في تحركه ضد الحكومة اللبنانية . عندها أعلن ‘سعادة’ بثقة مفرطة الثورة المسلحة ضد النظام في لبنان فهاجمت ميليشيا الحزب المخافر التابعة للدرك في عدة مناطق من لبنان.. ولم تمضي اسابيع قليلة حتى قام ‘الزعيم‘ وبدفع من ’محسن البرازي‘ رئيس وزرائه وبالتنسيق مع السفارة الأمريكية في دمشق الى اعتقال ‘سعادة’ وتسليمه الى السلطات اللبنانية ليتم إعدامه في حركة سريعة .
كان لإعدام ‘سعادة’ صدىً واضحاً في الشارع السوري وعلى الخصوص في قوى الجيش السوري ما كان سبباً في قيام بعض الضباط القوميين السوريين بدعم سامي الحناوي في انقلابه العسكري الذي قاده في 14 آب 1949 وليقوم بحركة سرية وسريعة بإعدام كل من حسني الزعيم ورئيس وزرائه محسن البرازي في اشارة للثأر لمقتل ’انطون سعادة‘.
قام ’سامي الحناوي‘ القائد الجديد للبلاد بإجراء انتخابات تشريعية في تشرين ثاني أسفرت عن نجاح 43 مرشحاً من حزب الشعب و 42 مستقلاً نصفهم مناصرين لحزب الشعب ونجح ’جلال السيد‘ الوحيد عن حزب البعث ومرشح واحد عن الحزب السوري القومي الاجتماعي و 13 مرشحاً عن الحزب الوطني و4 مرشحين عن الجبهة الإسلامية من بينهم ‘مصطفى السباعي’، وجاء ‘اكرم الحوراني’ المرشح الوحيد عن حزب الشباب.
فحدث نوع من الاستقرار السياسي في البلاد لكنه لم يستمر طويلاً بحكم الصراعات الاقليمية على سوريا والتي تغذيها النزاعات الحزبية، اذ سارعت السعودية بشكل واضح بدعم العقيد ’اديب الشيشكلي‘ لانقلابه في 19 كانون الأول من نفس العام 1949 في انقلابه ضد الحناوي والذي اقدم على اعتقاله وصهره ’أسعد طلاس‘ .
كان الشيشكلي على علاقة وثيقة بمفهوم سورية الطبيعية المتعلقة بإيديولوجيا الحزب السوري القومي الاجتماعي وآمن بدولة جمهورية غير طائفية، فهو يمتلك خبرة كافية تجعل الكل يتسابق لدعمه في انقلابه، فقد ساعد كلاً من ’حسني الزعيم‘ في انقلابه ثم ’الحناوي‘ ليرسم بعدها سقوط ’الحناوي‘ المُطالب بالاتحاد مع العراق.
لكن تغلغل حزب الشعب في البرلمان والسيطرة على غالبية مقاعده اضطر ‘هاشم الاتاسي‘ إلى تشكيل وزارة جديدة برئاسة ‘معروف الدواليبي’ وبأغلبية من عناصر حزب الشعب مما هدد مواقع العسكريين داخل الحكم، فاعلن الشيشكلي انقلابه الثاني الذي اتهم في بلاغه الصادر بأن الجيش استلم زمام الأمن في البلاد وبأن حزب الشعب يتآمر على البلاد ويسعى الى تخريب جيشه، ثم ختم بلاغه بحله للبرلمان.
مع بداية العام 1952 أعلن ‘الشيشكلي‘ حظره لنشاط الحزب الوطني وحزب الشعب والإخوان المسلمين والحزب التعاوني الاشتراكي واغلاق مكاتبهم، وأبقى على نشاط حزبي البعث والعربي الاشتراكي فقط، لكن لم يأت نيسان حتى كان الحظر شاملاً لجميع الأحزاب دون استثناء.. ثم أعلن عن تشكيله لتنظيم جديد في 25 من تموز باسم “حركة التحرير العربي” وعده الحزب الوحيد في البلاد، إذ تعِد هذه الحركة – وفق بيانها التأسيسي الصادر في حلب – أن العرب امة واحدة بتاريخ مشترك، والقومية العربية هي أساس الحياة للشعب السوري.. وقد لقيت هذه الحركة بداية تشكلها تعاطفاً كبيراً في دمشق لكنها في الواقع ظلت خاملة عملياً لأكثر من عام بعد ولادتها فقد كانت حياتها مرتبطة بحياة زعيمها ومؤسسها، وقد وجهت لها تهم شتى أقساها كان ميولها ﺇﻟﻰ ﺗﻨﻔﻴﺬ ﺃﻫﺪﺍﻑ ﺍﻟﻐﺮﺏ ﻓﻲ ﺳﻮﺭﻳﺔ.
في تلك الاثناء أجرى ‘الشيشكلي‘ استفتاء حول تعديل دستوري يمس شكل الحكم في البلاد والذي ينص على تحويل النظام الحكومي من نظام نيابي إلى نظام رئاسي، ونجم عن هذا الاستفتاء الموافقة على التعديل ونجاح ‘الشيشكلي‘ المرشح الوحيد للرئاسة، وأبرز مؤيديه كانت حركته ورفاقه في الحزب السوري القومي الاجتماعي.. كذلك قام بإصدار قانون جديد للانتخابات خفض فيه عدد أعضاء البرلمان إلى 82 عضو و سمح بعودة النشاط الحزبي باستثناء الحزب الشيوعي.. وأجرى انتخابات قاطعتها القوى السياسية باستثناء حركة التحرير التي حصلت على 72 مقعداً، وسيطر القوميون السوريون الذين تقدموا بصفتهم مستقلون على المقاعد المتبقية، كما انتخب مأمون الكزبري رئيساً لمجلس النواب.

تراجع نسبي لليمين المحافظ وصعود ملفت لليسار:
لكن تلك السياسة الفردانية التي انتهجها ‘أديب الشيشكلي‘ هو وحركته ولفيف من القوميين السوريين قد حددت مصيره، إذ دفعت في الرابع والعشرين من شباط لقيام حركة تمرد في الجيش ضد حكمه بدأت في حلب وما لبثت أن أيدتها كافة قطاعات الجيش، الأمر الذي دفع به إلى مغادرة البلاد في اليوم التالي.. وبعد خروجه ﺗﻢ ﺣﻞ حركة ‏”ﺍﻟﺘﺤﺮﻳﺮ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ” ﻭﺍﻟﺘﺨﻠﺺ ﻣﻦ ﻛﻞ من له علاقة بالحكم السابق، وأُعلنت القوانين العرفية حتى عادهاشم الاتاسي” لرئاسة الجمهورية فشكل ﺑﻌﺪ خمسة أﻳﺎﻡ ﻣﻦ رحيل ‘أديب الشيشكلي‘ بداية آذار من العام 1954 ﻭﺯﺍﺭﺗﻪ ﺑﺮﺋﺎﺳﺔ ‏”ﺻﺒﺮﻱ ﺍﻟﻌﺴﻠﻲ”، فكانت هذه الحكومة مثار جدل لدى البعثيين لخلوها منهم، الأمر الذي دفع “ﺃﻛﺮﻡ ﺍﻟﺤﻮﺭﺍﻧﻲ” للمطالبة بتشكيل حكومة موسعة فتم على أثرها تعيين ‏”ﺳﻌﻴﺪ ﺍلغزي” ﻛﺮﺋﻴﺲ ﻟﻠﻮﺯﺭﺍﺀ ﻭالذي بدوره ﺷﻜﻞ ﺣﻜﻮﻣﺔ ﻣﺼﻐﺮﺓ.

ﺗﻤﻜﻨﺖ ﺍﻟﺒﻼﺩ خلال هذه الفترة ﻣﻦ إﺳﺘﻌﺎﺩﺓ ﺣﻴﺎﺗﻬﺎ ﺍﻟﺪﻳﻤﻮﻗﺮﺍﻃﻴّﺔ ﻓﻌﻠﻴﺎً على ﺇﺛﺮ ﺗﻨﺤﻲ “ﺃﺩﻳﺐ ﺍﻟﺸﻴﺸﻜﻠﻲ”، حيث امتازت الحركة الحزبية في هذه المرحلة والتي هي جزء من ﻋﻬﺪ ﺍﻟﺠﻤﻬﻮﺭﻳّﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ بالمرونة وﺑﺎﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺪﻳﻤﻮﻗﺮﺍﻃﻴﺔ ﻭالتداول السلمي للسلطة، وقد ساعدها في ذلك وجود نظام جمهوري برلماني أقرب ما يكون إلى التجربه البرلمانية الأوروبية منه إلى بلد نامي والتي أصبحت تجربة تحتذى للتطبيق في بلدان العالم الثالث، وقد شكل حزب الشعب والكتلة الوطنية عماد الحركة الحزبية والسياسية في هذه المرحلة، حيث أخذت أسهم الأحزاب ذات الايديولوجيا اليمينية وفي مقدمتها الحزب الوطني بالإرتفاع مع عودة الزعيم شكري القوتلي من منفاه في مصر ﻓﻲ السابع من تموز 1954، لكن سرعان ما طفت على السطح منافسة حامية بينه وﺑﻴﻦ ﺣﺰﺏ ﺍﻟﺸﻌﺐ الأمر الذي انعكس سلباً على شعبية كل منهما ما ﺃﺩﻯ ﻻﺿﻌﺎﻓﻬﻤﺎ ﻭﺳﻘﻮﻁ ﻫﻴﺒﺘﻬﻤﺎ في الشارع السوري.. كما ساهم ذاك التنافس بإعطاء الأحزاب اليسارية دفعاً شعبياً فانقسمت الأحزاب السورية ولأول مرة في مسار الحركة الحزبية السورية إلى أحزاب تقدمية (يسارية) ورجعية (يمينية محافظة)، (الأمر الذي مهد الطريق لتوظيف هذه المصطلحات من قبل القوميين العرب وخصوصاً نحن الناصريين مع ظهور المد الناصري في الساحة السورية)، والذي تم توظيفه في الانتخابات البرلمانية ذائعة الصيت ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻤﺖ ﻓﻲ 24 ﻭ25 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ 1954، وقد ﺗﺮﺍﺟﻊ ﺑﻨﺘﺎﺋﺠﻬﺎ ﺷﻌﺒﻴﺔ ﺍﻷﺣﺰﺍﺏ ﺍﻟﺴﻮﺭﻳﺔ ككل ومن كافة التوجهات ﻣﻘﺎﺑﻞ صعود الكتلة المستقلة واحرازها على 60 مقعداً وهي ﻓﻲ ﺍﻟﻐﺎﻟﺐ من الوجهاء والمشايخ ومن قادة المجتمعات المحلية والتي عدت ﺃﻛﺒﺮ ﻛﺘﻠﺔ ﻣﺴﺘﻘﻠﺔ ﻓﻲ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻧﺎﺕ ﺍﻟﺴﻮﺭﻳﺔ.. وقد حصل البعث فيها على 22 مقعداً ﻭﺍﻟﺴﻮﺭﻱ ﺍﻟﻘﻮﻣﻲ الاجتماعي على مقعدين ﻓﻲ حين ﺣﺎﻓﻆ ﺍﻹﺧﻮﺍﻥ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﻣﻮﻗﻌﻬﻢ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ﺑﺄﺭﺑﻊ مقاعد.. ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺣﺼﻞ ﺣﺰﺏ ﺍﻟﺸﻌﺐ ﻋﻠﻰ المركز الاول بـ 30 ﻣﻘﻌﺪ ﻭﺍﻟﻮﻃﻨﻲ ﻋﻠﻰ 19مقعد.. وبهذه النتائج وحصول الكتلة المستقلة على هذا العدد من الأصوات وضعف وتراجع الأحزاب اليمينية بشكل واضح مع عدم قدرة أي حزب من حصد وتشكيل أغلبية برلمانية ولو بسيطة شكل ذلك أزمة سياسية أعطت اليسار وخصوصاً الاشتراكي منه قوة في التحرك في الشارع يساعده في ذلك نمو الاشتراكية العربية بشكلٍ مضطرد.
على أثر تلك الانتخابات (التي ﺗﻤﺖ ﻓﻲ 24 ﻭ 25 أيلول 1954) حقق حزب البعث والشيوعيون أعظم تقدم لهما – حتى ذاك الوقت على الأقل – فاحتل البعثيون لذلك النصر المراكز الهامة في الجيش وانتشروا في الجهاز الحكومي كله، لا سيما في مكاتب الدعاية الحكومية وفي الصحافة السورية، كما كان كثيرون منهم معلمين وأساتذة في جميع أنحاء البلاد.. ذلك التوغل التدريجي أثار الحزب الوطني ودفعه لمقاطعة الانتخابات احتجاجاً على تدخل الضباط البعثيين في شؤون السياسة.
ظهر البعثيين في تلك الفترة أكثر خبرة في الإدارة والسياسة من أي فترة مضت.. وأخذت السلطة تقترب منهم أكثر، فقد تمكنوا من التخلص من أبرز خصومهم (القوميين السوريين والشيوعيين) في مؤامرتين هما الأكثر تحطيماً في تاريخ الحزبين، وذلك بعد استغلالهم لقضيتي «اغتيال عدنان المالكي والوحدة مع مصر».
اغتيال عدنان المالكي:
لم يقتصر الأمر على الحزب الوطني في رفضه تدخل البعثيين في أمور الجيش وفي الشؤون السياسية، فقد كان ‘عدنان المالكي‘ وهو أحد القادة البارزين في الجيش السوري قومياً عروبياً واضحاً، ومن مؤيدي حزب البعث، لكنه لم يكن بعثياً كما تتحدث بعض المصادر، وعندما أخذ البعثيين يحتلوا المراكز الهامة في الجيش طفت على السطح خلافات حادة بين البعث و’عدنان المالكي‘ حول الدور الذي يقوم به البعثيين، فجاء اغتياله في نيسان 1955 لتكون قضيته من أكثر القضايا غموضاً في تاريخ الصراع على السلطة في سوريا.
ومعرفة المستفيد تشير إلينا بالفاعل المتخفي وراء القضية، فقد رُتبت عملية الاغتيال وفُصّلت بدقة لتناسب مقاس القوميين السوريين.. حيث نفذ العملية أحد أعضاء الحزب السوري القومي الاجتماعي وهو ضابط برتبة رقيب في الجيش السوري.. ثم بعدها بدقائق قليلة صوّب القاتل السلاح إلى رأسه مطلقاً رصاصةً ومُخفياً سره العظيم.. يرى القوميون السوريون أن عملية الاغتيال كانت عاملاً في تصفية الحزب من سورية وأنها من أكثر المؤامرات تدميراً وغموضاً في تاريخ الحزب.. وظهرت عدة تصريحات وتكهنات في السنوات التي تلت الاغتيال عن مؤامرة قادها البعثيين بالتحالف مع جورج عبد المسيح رئيس الحزب السوري القومي آنذاك، لكن دون أدلة واضحة ودامغة حول ذلك.
وجدت العناصر اليسارية في الجيش أن تلك العملية أكبر فرصهم لتصفية الحزب أحد أقوى المنافسين للبعث في الساحة السياسية، فتمت مداهمة بيوت المحازبين واعتقال قياداته وعلى الأخص ضباط الجيش حتى أنهم اوقفوا ‘حنا الكسواني‘ نائب الحزب الوحيد في البرلمان السوري وهاجمت الشرطة العسكرية مكاتبه و أحرق جمهور غاضب مبنى صحيفة “البناء” لسان حال الحزب وعلت الصرخات المطالبة بالموت للقوميين السوريين.
و في الوقت الذي ارتاحت فيه القوى المحافظة واليسارية على حد سواء من اغتيال “المالكي” أخذ اليسار ممثلاً في البعث حينها على وجه الخصوص في البدء بحملة ضغوط ضخمة على النظام دفعت لاستصدار قرار بحل الحزب القومي السوري الاجتماعي واعتقال قادته وفصل الضباط الموالين له من الجيش، لاحقاً اكتشفت الحكومة – كما زعمت – “مخططًا لانقلاب عسكري يقوم به قوميون سوريون بالتعاون مع السفارة الأمريكية التي تدير شؤونه، وبهدف إعادة أديب الشيشكلي إلى السلطة”.. هذه الخطوة الكاذبة والملفقة، كان لها آثاراً عميقة على السياسة السورية تمثلت بالاحتماء والاقتراب من الفكر الناصري من بوابة القومية العربية، والتي من خلالها تمكن البعثيين من التخلص من خصومهم الشيوعيين.
بوابة القومية العربية:
بعد طرد القوميين السوريين من دمشق واتخاذهم بيروت مقراً نهائياً ووحيداً لهم، ساد الساحة السياسية السورية نوع من الراحة والهدوء وتقارب ملحوظ مع الفكر الناصري..  فبعد انتهاء مدة رئاسة ‘هاشم الأتاسي‘ في آب 1955 عاد ‘شكري القوتلي‘ لرئاسة البلاد وأخذت الأمور تتبدل.. حيث يُعتبر ‘القوتلي‘ من ألد أعداء الحزب الشيوعي، كما أنه أحد رموز القومية العربية في سورية، والذي يرى في الوحدة الحل الطبيعي لكافة المشكلات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تواجه سوريا والعرب في كل بلدانهم، وهذا العشق وذاك الكره والعداء دفعه للتلاقي مع جمال عبد الناصر عملاق القومية العربية آنذاك، والمعروف بعدائه للشيوعيين والذي زاره في القاهرة وتم الاتفاق على تشكيل الوحدة بين البلدين.. إذ أنه بتلك الخطوة إن تمت سيتمكن ‘القوتلي‘ من التخلص من الشيوعيين الذين بات تحركهم ونشاطهم يقلق الجميع سواء في الداخل من قبل القوى اليمينية أو في الخارج من قبل القوى الرأسمالية العالمية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية وخصوصاً بعد وصول (خالد بكداش) إلى البرلمان ليكون أول شيوعي يدخل برلمان عربي، الأمر الذي أثار مخاوف تلك القوى المحلية والدولية من أن يجري نسخ تلك التجربة في برلمانات عربية أخرى وبالتالي من أن يسيطر الشيوعيين على السلطة في البلاد.
وعلى أثر تلك اللقاءات تم توقيع وثيقة دفاع مشترك بين البلدين (سورية ومصر) في أواخر 1955 ثم تلا ذلك محادثات بين الجانبين اسفرت عن إعلان الوحدة في شباط 1958.. لتَحلّ بعدها جميع الأحزاب نفسها كشرط مسبق لقيام الوحدة باستثناء الحزب الشيوعي الذي عد الوحدة تآمر فعلي عليه، الأمر الذي دفع “خالد بكداش” زعيم الحزب للفرار والهروب إلى موسكو في الوقت الذي اجتمع فيه البرلمان السوري للتصويت على قرار الوحدة، وليتحول “بكداش وحزبه” في لحظات إلى عدو الوحدة الأول في نظر الشارع السوري المترع بروح القومية آنذاك، ما أدى إلى تعرض مكاتبه في دمشق للحرق، وأعضائه للاضطهاد والسجن.
يتبع..