الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

منفردة في الحصار     

عبد الحفيظ الحافظ

سمع رقم 15 طنينًا، أصاخ السمع، بحث عن مصدره؛ موقنًا أنه صدر من داخل المنفردة رقم 7. ربما في هذه المنفردة جهاز تنصتٍ مخفي بإحكام، لكن الطنين عاد من جديد. تساءل السجين: – أهناك زائرةٌ تسللت من خلف الأسوار، واخترقت الجدران والحراس المنتشرين حول الفرع س. – يا إلهي، كيف عبرت الأسوار والأجهزة والكاميرات؟ – هل لبست طاقية الإخفاء كما في قصص ألف ليلةٍ وليلةٍ أيام الرشيد، ومرَّت بسلام ٍ من الأبواب والحواجز الإسمنتية؟ تتربع المنفردة في صدر السجن، الذي له بابٌ مع قفلٍ من الخارج، وقفلٌ من الداخل، ولا يفتحان إلا بتصريحٍ موقعٍ من مدير السجن. ضحك السجين لتذكره مقطعًا لزجَّالٍ يقول فيه: كلُّ ديكة الدنيا على الصبح بتصبح وتصيح إلا ديكةُ سورية حتى تصيح بدها تصريح لهذا السجن أبوابٌ موصدةٌ وأقفال، والأبواب والكوَّات كلها تصرخ بزعيقٍ حادٍ عند تحركها، فكيف اخترقت الزائرة هذه الأبواب والأقفال والحراس والسجانين، ووصلت إلى المنفردة؟ لا يتذكر أن الباب فُتحَ في هذا اليوم، ربما تسللت عبر الكوة الصغيرة في أعلى الباب في أثناء تلصص السجان، ليخبر مسؤوله: إن كانت روحُه قد غادرت جسده المنهك، أم مازال على قيد الحياة. عجبًا منك أيها السجين: منفردةٌ وقبوٌ وأبوابٌ وأقفالٌ وحراسٌ، وعوضًا عن الترحيب بهذه الصديقة الزائرة؛ تقديرًا لما نالها من مشاق للوصول إليكَ، تشغل نفسك بالبحث عن كيفية الوصول، إنها آنست وحشتكَ، ودفأت الصقيع الذي ينخر عظامك، وامتلأ قلبك سعادةً بوجودها، وقد حلت روحٌ أخرى معك في المنفردة، فتخلصت من وحدتك. دهم السجين سؤال آخر: – ما العمل؟ لكي لا تغادر زائرتي المنفردة، لا بدَّ من منعها من المغادرة من الباب أو من الكوة. – يا الله، ما أجملها! إنها ذبابة زرقاء كالبحر، تطير فراشةً، وتحط حمامةً. أخذ يتابع تنقلها بلهفة في فضاء المنفردة التي لا تتعدى المترين والمتر والمترين، ظنَّ أن صدرها ضاق من ضيق المكان، من رائحة الموت المعششة فيه. حدثها بحنان، ناجاها بتودد عاشق، بثها أشواقه إلى الأهل ولرفاقٍ معه في المنفردات الأخرى، سألها: – إن شاء الله جميعهم بخير؟ أنشدها: أزائرتي في غيهب الغسق أما خشيت من الحراس في الطرق فجأةً فتح السجان الكوة: – مع من تتكلم يا ابن…؟ وكنس المنفردة بعينيه الكلبيتين، فلفحته برودتها، رائحتها العفنة، الرطبة، تنهدات الحرامين المعجونين بالدم والقيح لعابرين مرّوا عليها، فأغلق الكوة؛ شاتمًا أمهات المساجين. تغلغل الخوف إلى قلبه، ليس من عودة رجال السجن، وتعرضه لحفلة تعذيب على بساط الريح تسليةً لفراغٍ يحتارون كيف يملؤونه، خوفه أن تكون زائرته قد خرجت من الكوة الصدئة. بعد دقائق وهو يتقلب على نار الترقب، طنت، فرقص فؤاده فرحًا، خاطبها همسًا: – اقتربي يا حلوتي لأقبلك على وفائك وبقائك بقربي، من أي مدينة أتيت؟ بئس السؤال والسائل، وما يعنيك اسم مدينتها؟ ليعرف إذا قدمت من مدينته الممشوقة القوام، الحوراء، ذات الصدر العامر، أم الحجارة السود، ليسأل عن عاصيها المتدفق منذ القدم، كنيسة أم الزنار القديمة، كنيسة بستان الديوان بقبابها الشاهقة، وعن الجامع الكبير الذي كان معبدًا لإله الشمس، ومسجد ابن الوليد، وهو يصدُّ الريح عن المدينة بمئذنتيه الشامختين، وعن ابنتها جوليانا أمُّ الأباطرة، أذينة وزنوبيا ملكة تدمر، ملك قطنة، وعن ديك الجن. أراد أن يطمئن على صديقته حياة، أهله، أبنائه، أحياء المدينة العتيقة، عن أطفالها المتربين المبتسمين المتشاجرين. كم اشتاق إلى صراخهم المجنون! على الرغم من أنه لم يزر مدنًا أجنبية، لكنه يظن أن مدينته هي الأجمل، وحاراتها. – عن أي حارة تتحدث أيها المسكين؟ لقد ترعرعت طفلًا في حي باب السباع؛ ملتصقًا بمسجد شيخ سعد، وأمضيت شبابك في حي الخالدية في ظلال مسجد خالد، أما كهولتك، فكانت في حي الوعر بهوائه العليل، وبصدره المشرَّع للنازحين. أين ذهبت بك الأسئلة؟ تركت زائرتك وحيدة، تنتظر ملاطفتها، ها هي ترنو إليك بناظريها، سألها: – ألك أحبة في هذه الأقبية المشؤومة يا سيدتي؟ – أتخافين على حياتهم؟ إنني أرى دموعًا حائرةً في عينيك. بعد يومين عاد الرشد إلى رأسه، فحزَّ في نفسه تقمصه روح السجان، وتماهيه معه: – كيف حكم على زائرته بالسجن وهو سجين؟ ناجى ربه: – اغفر لي يا رب، أصبحت سجانًا، منعت زائرتي من مغادرة المنفردة، إن عدوى انتهاك الحرمات والحريات والحقوق حلَّت فيَّ. استراحت صديقته على راحة كفه، اعتذر منها، فقبلت الاعتذار: – سيدتي الجميلة، لك الحرية، وهذا حقك في المغادرة متى تشائين، وهو متوقفٌ على فتح الكوة، ومن جهتي سأترك الباب مفتوحًا عند ذهابي إلى دورة المياه. فُتحت الكوة للمراقبة وللتنفس، فخرجت الزائرة تحفُّ بها أحرُّ آيات الوداع. – رافقتك السلامة. جلس السجين يجترُّ ذكرياتٍ مرَّت بخاطره طوال اليومين بصحبة زائرته الكريمة، وكانا أسعد أيامه، أمعن النظر بما جرى، تنبّه إلى أن زائرته ذبابةٌ زرقاء، فكيف غاب هذا عنه؟ وهي مضرب المثل على ألسنة السلاطين الذين تعاقبوا على حكم بلاده: – سأضعك في مكانٍ لا يعرف الذباب الأزرق طريقًا إليك. قدم له أحد السجانين كأسًا من الشاي قائلًا: اشربها بسرعة قبل أن يرانا الوشاة. – ربما انهارت مملكة الصمت والخوف والموت، وسيبعث تموز من العالم السفلي. – لمَ لا تهبين يا عشتار لإنقاذ حبيبك؟ – نعم زارت ذبابةٌ زرقاء سجينًا في المنفردة، فآنست وحشته ووحدته.

عبد الحفيظ الحافط

كاتب وقاص سوري