الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

لماذا (الحرية أولاً) والآن؟

لماذا (الحرية أولاً) والآن؟

من المعروف أن الوثائق المكتوبة هي المصدر الأول لأيّ بحث تاريخي، بل هي شاهد العيَان الذي ينقل تفاصيل الحدَث التاريخي، بزمانه ومكانه وأشخاصه وجزئياته، والوثيقة هي تسجيل ثابت للحدث ساعة حدوثه، بما يحفظ تفصيلات الموضوع ويحميها من عوامل التغيير والزيادة أو النقص الذي يطرأ نتيجة لتبَدُّل الأفكار والتوجهات، وتأويلات المتأخرين وتحريفاتهم، إمّا قصداً نتيجة الأهواء الشخصية، أو بدون قصد نتيجة الجهل أو نتيجة النسيان الذي هو من طبيعة كل نفس بشرية. وباعتبار أن التجميع المنظم للوثائق، الخاصة بمرحلة هامة من تاريخ سورية السياسي، الممتدة منذ 1964 وهي تاريخ تأسيس حزب الاتحاد الاشتراكي العربي في سورية، إضافة لمرحلة ذات صلة، خاصةً منذ ما بعد الاستقلال، يتطلب كادر معني بهذا التوثيق، كان إنشاء هذا الموقع وباسم ” الحرية أولاً ” تتويجاً لأهمية الحرية بشكلٍ عام، و تيمناً بأحد أهم الدراسات التي سطرها الدكتور جمال الأتاسي الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي، بهذا الاسم في النصف الثاني من عقد السبعينات من القرن العشرين.

ففي الثامن والعشرين من أيلول عام 1961؛ قام عدد من ضباط الجيش السوري بانقلاب عسكري فصموا بموجبه عرى الوحدة، وفصلوا الاقليم الشمالي – سورية – عن الجمهورية العربية المتحدة. والتي قامت قبل ثلاث سنوات ونصف بموجب استفتاء شعبي في الاقليمين؛ هذه الوحدة التي وصفها رئيسها الزعيم جمال عبد الناصر بقوله: “لقد قامت دولة كبرى في الشرق، دولة تحمي ولا تهدد، تصون ولا تبدد، تشد أزر الصديق وترد كيد العدو”. وهكذا كانت، فقد شدت أزر ثورة العراق، وردت كيد الكيان الصهيوني باعتداءاته المتكررة على الجبهة السورية، وكان الضباط الانفصاليون أولئك مرتبطين بأعداء الوحدة من الدول الرجعية كالنظامين الأردني والسعودي وأسيادهم من الأمريكان والانكليز.

لم يدم حكم الانفصال كما سمي حينها طويلاً، فقد وقفت الجماهير التي أيدت الوحدة في مواجهته، وسقط الانفصال بعد سنة ونصف يوم الثامن من اذار 1963، بحركة عسكرية سرعان ما تحولت إلى حركة جماهيرية واسعة تطالب باستكمال اسقاط الانفصال بإعادة الوحدة فوراً. كان الضباط الذين قاموا بالحركة من مشارب مختلفة، وكان بينهم مستقلون بالإضافة إلى تحالف من الضباط الوحدويين والبعثيين؛ خرج الضباط الوحدويون من سجون الانفصال وشكلوا مجلساً لقيادة الثورة ترأسه الضابط الوحدوي الفريق لؤي الاتاسي، ومجلساً للوزراء برئاسة البعثي المدني صلاح البيطار، الذي وقّع بالموافقة على الانفصال ثم أعلن ندمه. ضمت الوزارة وزراء بعثيين وناصريين من مختلف الحركات التي تشكلت أيام حكم الانفصال وأهمها: حركة الوحدويين الاشتراكيين والقوميين العرب وغيرهم، كما ضمت وزراء مستقلين، وتقرر تشكيل وفد من مجلس القيادة والوزارة للذهاب الى القاهرة للبدء في محادثات للوحدة، التي أصبحت ثلاثية بانضمام العراق لها بوفد مشكل أيضاً من البعثيين والناصريين. وطالت المحادثات إلى أن وُقّع ميثاق للوحدة الاتحادية الثلاثية يوم 17 نيسان 1963، وعمت الاحتفالات والأفراح الشعبية، إلا أن العالمين ببواطن الأمور من بعثيين شرفاء وناصريين أحسوا بما يبيته البعث للوحدة القادمة؛ وكان أن استقال الدكتور جمال الأتاسي والأستاذ عبد الكريم زهور من جميع مناصبهما في الوزارة ومجلس القيادة، وانسحبا من حزب البعث أيضاً، عندما تأكدا من مؤامرة البعث على الوحدة، وتبع ذلك المزيد من الاستقالات؛ وبدأ البعث بتنفيذ مؤامرته بالإقالات الواسعة  للضباط الوحدويين، وإحلال ضباط بعثيين من معلمي المدارس الذين أدوا الخدمة الالزامية ولا يملكون أية خبرة عسكرية؛ وشملت هذه التسريحات أكفأ الضباط لتشمل أيضاً قائد الانقلاب في 8 آذار العقيد زياد الحريري . واستمراراً في المؤامرة البعثية للانفراد بالحكم، حُل مجلس الثورة، واستقالت الوزارة ليعاد تشكيلهما من البعثيين، وممن رضي أن يكون تابعاً لهم. ومع استمرار التسريحات والإبعاد خارج البلاد وغيرها من الممارسات المخالفة للميثاق الوحدوي ولجميع الاتفاقات، قرر عدد من الضباط الوحدويين وعلى رأسهم اللواء جاسم علوان، القيام بحركة تُجهض المخطط البعثي في يوم 18 تموز 1963، إلا أن الحركة كانت مكشوفة باندساس بعض العناصر فيها، وقام البعث عندها بمجزرة دموية، كانت استمراراً لمجازره المتواصلة إلى اليوم ضد الشعب السوري . سالت الدماء في شوارع دمشق، واعتقل الآلاف من الضباط والمدنيين، وجرت بحقهم محاكمات صورية، وصدرت بحقهم أحكامٌ الإعدام برئاسة الضابط البعثي صلاح الضلي، والذي سيسجنه حزبه، ويُنكل به بعد فترة بتهمة ولائه للبعث الآخر في العراق. بعد خمسة أيام وفي عيد الثورة  في 23 تموز 1963، ألقى الرئيس جمال عبد الناصر خطاباً بهذه المناسبة بدأه بجملة قال فيها: “يعز علي أن نعيش هنا في النور وفي سورية يسود الظلام. يعز علي أن يكون العيد هنا والحزن في دمشق، وحظر التجول في دمشق، وليتحول هذا البلد العربي المناضل إلى معسكر كبير. وأن تكون في سورية محاولة لقتل الحياة ذاتها وسفك الدماء، وانتحال أوهى الأعذار لعمليات التصفية الدموية والملاحقات الإرهابية والإنذار والوعيد” ولينهي خطابه قائلاً: “لا لقاء مع البعث”.

انتهى ميثاق 17 نيسان إلى الفشل، بعد أن أيد البعث العراقي نظيره السوري في إجراءاته وطالبه بمزيد من القمع والسحل على سنة حكام العراق؛ واستمرت في سورية الاعتقالات، وازداد العسف بتشكيل ما سمي بالحرس القومي المسلح، الذي أصبح يجول في الشوارع ويعتقل الاشخاص – كانوا صبية مراهقين – حملوا السلاح، وسمح لهم نظامهم باستباحة البشر والممتلكات.

في الذكرى السنوية الأولى للمجزرة بحق الوحدويين، وفي يوم الثامن عشر من تموز عام 1964، تداعى ممثلو أربع تشكيلات ناصرية في سورية تمثل الاتحاد الاشتراكي العربي والجبهة العربية المتحدة والوحدويين الاشتراكيين والقوميين العرب؛ اندمجت بمؤتمر في بيروت واتفقوا على تشكيل تنظيم سياسي باسم الاتحاد الاشتراكي العربي في سورية، أسوة بتنظيم الاتحاد الاشتراكي الذي تشكل في مصر بعد الانفصال وبعد الاتحاد القومي، وصدر عن هذا الاجتماع الذي سمي المؤتمر التأسيسي للاتحاد الاشتراكي العربي في سورية، بياناً كان هدفه الأول والوحيد “اسقاط الانفصال وإعادة الوحدة”. وانتخب المؤتمر مكتباً سياسياً له بمثابة قيادة أسندت أمانته العامة إلى الأخ الدكتور «نهاد القاسم».

تتالت المؤتمرات السنوية عام 65 و66 للمؤتمر الثاني والثالث، ففي أيار/مايو 1965عقد الاتحاد الاشتراكي العربي مؤتمره الثاني في القاهرة ونقل مقره من بيروت للقاهرة، واستقال الأمين العام، وألغي المكتب السياسي، وأُقرت صيغة جديدة تقوم على وجود أمانة عامة للاتحاد تقع تحت اشرافها ثلاث قيادات، منها قيادة تنظيم داخل الاقليم، وتم انتخاب أمانة عامة مؤلفة من أمين عام وأمينين مساعدين، وخرج عنه نظام داخلي ومنهاج مرحلي، وأسندت أمانته العامة إلى الأخ «جاسم علوان». وفي أيلول من عام 1966 انعقد المؤتمر الثالث في القاهرة – بشكل استثنائي – بدعوة من الأمانة العامة لمعالجة أزمة تنظيمية سببتها بقايا حركة القوميين العرب؛ واستمر البعث يمارس غيه وعسفه ضد كل أبناء الشعب، ثم حدثت هزيمة حزيران التي أرهقت الأمة وتبدلت الأولويات، فحل الهدف المرحلي مكان الأهداف الاستراتيجية، وهو هدف إزالة اثار عدوان 67، وعلى صعيد الاتحاد الاشتراكي في سورية، خرجت مجموعات ودخلت أخرى تحت وطأة ظروف النشأة.

شكل المؤتمر الرابع للاتحاد الذي عقد صيف عام 68 في الداخل السوري لأول مرة نقلة نوعية، وأتى بعده اعتقال القيادة على خلفية إقامة جبهة وطنية بين الأحزاب المعارضة للضغط على الحكم البعثي الفئوي، من أجل حشد الجهود لإزالة آثار العدوان؛ وبهذا المؤتمر أصبحت قيادة الحزب كلها في الداخل، وانتخب الدكتور جمال الأتاسي أميناً عاماً، وتبنى المؤتمر نظاماً داخلياً وفق أنضج التجارب الحزبية اليسارية حينها، وأخذ صيغة الحزب لأول مرة وأصبح الاسم: حزب الاتحاد الاشتراكي العربي في سورية وشعاره «حرية ــ اشتراكية ــ وحدة».

اعتُبر التقرير الصادر عن المؤتمر بمثابة إعادة تأسيس للاتحاد، فقد أجاب على الأسئلة المطروحة عالمياً وقومياً وداخلياً، وعرج على أزمات الاتحاد منذ تأسيسه إلى أن استقر وضعه التنظيمي، وانتخب قيادة جديدة، وأنهى أعماله بالطلب للجنته المركزية لتعميم تقرير عن أعماله مع نظامه الداخلي، وبقيت أسماء اللجنة المركزية واللجنة التنفيذية سرية.

صُدمت شعوب الأمة العربية في 28 أيلول عام 1970 بغياب جمال عبد الناصر، إثر مؤتمر للقمة، عمل فيه على وقف مذبحة الفلسطينيين في الأردن على يد عملاء المخابرات الصهيوأمريكية؛ وبعدها بأقل من شهرين، قام وزير الدفاع السوري “حافظ اسد” بانقلاب عسكري على حزبه وحكومته، التي سماها بالقيادة اليمينية المراوغة؛ وتعهد بموجبه بالانفتاح على القوى الوطنية وعلى جماهير الشعب، وبانتهاج سياسة عربية تؤدي إلى توحيد الجهود لإزالة آثار العدوان.

خُدعت الاحزاب والجماهير بما طرحه الانقلابي “حافظ”، وتعاونوا في سبيل إقامة جبهة وطنية تقدمية، تكون لها القيادة العليا في الدولة والمجتمع؛ وقدم حزب البعث مسودة دستور دائم إلى مجلس الشعب المعين، ضمنه المادة 8 التي تقول: حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد للدولة والمجتمع، ويقود جبهة وطنية تقدمية؛ وعندما أصر على بقاء المادة رغم الاعتراضات عليها، انسحب حزب الاتحاد من المجلس وجمد عضويته في الجبهة بانتظار مؤتمره ليقرر وضعه.

قرر المؤتمر العام السادس الخروج من الجبهة، ومغادرة أعضائه لمناصبهم في الحكومة وقيادة الجبهة ومجلس الشعب، وبذلك دخل حزب الاتحاد الاشتراكي مرحلة جديدة من النضال السري، بعد أن انكشفت قياداته الرئيسية، من خلال سنة ونصف من التعاون مع النظام الحاكم.

جاءت حرب السادس من تشرين 1973 بالتعاون بين الجيشين المصري والسوري، لتكون كما وصفها حزب الاتحاد الاشتراكي، حينها، بحرب تحريك، تُفضي إلى محادثات بين سورية ومصر والعدو الصهيوني بترتيب من أمريكا، لتصل إلى اتفاقات على وقف اطلاق النار دون تحرير الاراضي المحتلة، وليستمر هذا الوقف إلى الآن.

مارس حزب الاتحاد الاشتراكي في الفترة بين 73 ـــ77 سياسة الكمون والحفاظ على الذات، واقتصر في نشاطه على النشرات الداخلية التي تُوجت عام 77 بنشرة ” الحرية أولاً “، والتي سمي هذا الموقع باسمها، لأهمية الحرية للإنسان والوطن، ” الحرية أولاً ” وابتداءً والآن أيضاً، وهي اللبنة الأولى لبناء الدولة الوطنية الديمقراطية العصرية، والتي بدورها تشكل المقدمة اللازمة لبناء دولة الأمة، دولة الوحدة التي ننشد.  وهي بنفس الوقت كانت مقدمة لحوار طال وتعمق بين خمسة أحزاب رفضت أن تتعاون مع النظام، وشكلت نتيجة ذلك التجمع الوطني الديمقراطي؛ وذلك حديث آخر.