الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

سياسات البنك الدولي وثورة 23 يوليو

سمير خراط

نعلم جيداً أنه وعبر التاريخ كانت تتم عملية امتصاص خيرات  الشعوب من خلال الاستعمار المباشر وامتصاص خيرات وثروات البلاد،  ومن جراء القوة العسكرية للمستعمر، بل راحت أبعد من ذلك حيث وصلت لدرجة  استعباد الشعب أو استعماله كيد عاملة وفق مفهوم السخرة للقيام بأعمال يستفيد منها المستعمر،  وأكبر مثال على ذلك  وليس بالبعيد، عملية السخرة للشعب المصري لحفر قناة السويس الذي راح ضحيتها 120 ألف مصري أثناء الحفر وسوء المعاملة والجوع والعطش والأوبئة، حيث استمر حفرها  عشرة سنوات  بعد أن خضع الخديوي لقرارات ورغبة مالكي شركة القناة وهم المستعمر الفرنسي والانكليزي،  استمر الوضع على هذا المنوال حتى نفر الشعب من التبعية التي تخيم على القصر الملكي مما قاد بعض الضباط بالتخطيط للتخلص من هذه التبعية وتحرير الشعب من سلطة الباشوات وجالية الملك وأتباعه، فنجحوا في خطتهم التي تحولت الى ثورة بامتياز بقيادة جمال عبد الناصر وزملائه الضباط الأحرار  ضد الاقطاع والملكية والتبعية بقيادة الدولة، أما اليوم وبعد أن تغير الأسلوب بعد الحرب العالمية الثانية وتم إنشاء  البنك الدولي وصندوق النقد وما يتفرع عنهما من صناديق تنمية وما الى ذلك من تسميات رنانة،  نجد أن استمرار عمليات افقار الشعوب واستغلال الثروات مازال مستمرًا وبمفهوم وحماية دولية، تساعدها أنظمة محلية تم تعيينها من قبل الاستعمار وتوارثت حكم البلاد دون أي رادع او تخوف من ثورات الشعوب، لأن الدول المستعمرة السابقة استمرت بدعم الأنظمة التي زرعتها ونصبتها على البلاد لتستمر هي بامتصاص الثروات عبر منظومة مصرفية وقروض لا يمكن مواجهتها إلا بوقوف الشعوب ونهضتها لمواجهة هذه الأساليب من جديد، ولكي نتفهم حقائق الأمور وسيرها، علينا أولاً التعرف على تلك المنظمة ( البنك الدولي ) والمنظمات المالية الموازية لها.

في البداية لا بد من الإشارة إلى أن البنك الدولي ليس مجرد بنك لتمويل التنمية فقط، بل هو عبارة عن مجموعة من المؤسسات المالية التي تشكل في مجموعها مؤسسة البنك الدولي وتعمل مجتمعة على تحقيق أهدافه، وأولى هذه المؤسسات ما يعرف بالبنك الدولي للتنمية والتـعمير، لكن هناك إلى جانب ذلك ما يعرف بالوكالة الدولية للتنمية وكل من هاتين المؤسستين يقوم بتقديم القروض والمنح للمشروعات والبرامج التي تعمل على أساس  تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب ذلك هناك مؤسسة التمويل الدولية والتي تعمل مع القطاع الخاص والمستثمرين في المؤسسات الاستثمارية والتي تركز نشاطها في دول العالم الثالث، إذًا من منطلق التسميات والأهداف يجب أن يكون لتلك البرامج الشروط التي هدفها تنشيط الاقتصاد وليس ارهاقه بفوائد والتزامات تعيق التطور الاقتصادي وتهيمن على  القرار السيادي للدولة، سنرى  تباعاً كم من الدول دخلت مرحلة الافلاس منذ أن وضع البنك الدولي شباكه حول ثرواتها.

وإذا دخلنا إلى هيكلية هذا البنك،  سنجد أن عدد الدول الأعضاء  185 دولة تصب مصالحها وآراؤها في مجلس المحافظين ومجلس الإدارة ومقره واشنطن،  فعضوية البنك تأتي بعد حصول الدولة على عضوية صندوق النقد،  وبحيث يتم تحديد القوة التصويتية لكل دولة عضو وفقًا لحصتها النسبية في رأس مال كل من المؤسستين، وحددت هذه الحصة بناء على المكانة الاقتصادية قياسًا إلى الدول الأخرى،  ولكي تصبح أي دولة عضوًا في البنك الدولي يجب أن تنضم أولاً إلى صندوق النقد الدولي ومؤسسة التنمية الدولية ومؤسس التمويل الدولي،  والتي اتفق على إنشائها مع صندوق النقد الدولي في المؤتمر الذي دعت إليه هيئة الأمم المتحدة في بريتون وودز بالولايات المتحدة الأميركية في تموز/يوليو 1944وبدأ العلم به في تموز/يوليو 1945 حيث انضمت سورية إليه كعضو في نيسان/ابريل 1947 .

كما نعرف فإن البنك يهدف  إلى تشجيع استثمار رؤوس الأموال بغرض تعمير وتنمية الدول المنضمة إليه والتي تحتاج لمساعدته في إنشاء مشروعات ضخمة تكلف كثيراً وتساعد في الأجل الطويل على تنمية اقتصاد الدولة،  ولا يوجد ارتباط بين حصة الدولة في رأس المال المدفوع وكمية القرض الذي يمكن أن تحصل عليه،  إذ يأتي الجزء الأكبر من التمويل من قروض البنك في الأسواق المالية العالمية التي يضمنها الجزء غير المطلوب من رأسماله،  وبذلك تستطيع أن تواجه العجز الدائم في ميزان مدفوعاتها وتكون هذه المساعدة إما بإقراض الدول من أمواله الخاصة، أو بإصدار سندات قروض للاكتتاب الدولي حيث تقدم كل دولة عضو في البنك من اشتراكها المحدد في رأس مال البنك ذهبًا أو دولارات أميركية ما يعادل 18% من عملتها الخاصة والباقي يظل في الدولة نفسها، ولكن البنك يستطيع الحصول عليه في أي وقت لمواجهة التزاماته، وكلنا  يذكر كيف طلب جمال عبد الناصر قرضًا من البنك الدولي لتحقيق حلم مصر بإنشاء السد العالي الذي سيوفر الكهرباء بالدرجة الأولى، ويحافظ على الثروة المائية وترشيد استهلاكها كما بينت الدراسة، لكن للأسف استغلت كل من أميركا وبريطانيا ذلك ليفرضا شروطًا تعجيزية أكثر من أن تكون شروطًا تحسينية بالمشروع ككل حيث طلبت أميركا حل إشكالات مصر مع اسرائيل وتسديد القروض التي تطالب بها انكلترا كما فرضت :

  • تعهد مصر بعدم إبرام أي اتفاقيات مالية أو الحصول على أي قروض دون موافقة البنك الدولي.
  • أحقية البنك الدولي في مراجعة ميزانية مصر.
  • تتعهد مصر بتركيز تنميتها على مشروع السد العالي فقط، وتخصيص ثلث دخلها لمدة عشر سنوات لهذا الغرض.
  • أما إنجلترا فكانت تسعى لمنع مشروع بناء السد العالي، ومنع حصول مصر على قرض قدره (5 مليون جنيه استرليني) من البنك الدولي، كما شنت الصحافة البريطانية حملة موسعة ضد مصر، واقترح أحد البرلمانيين منع المياه عن مصر ببناء سد على النيل في أوغندا أو كينيا وهي خطوة انتقامية لخروجهم من مصر وكف يدهم عن ثرواتها.

علمًا أن هذا ليس دور البنك ليفرض هكذا شروط التي كانت أحد الأسباب التي دفعت عبد الناصر إلى تأميم قناة السويس رداً على التدخلات بالشأن السيادي المصري.

بعدها قرر عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس وحينها قال جملته الشهيرة:

“مش عيب إن الدول النامية تطلب معونة، لكن العيب إننا نمتص دم الفقراء”، في إشارة منه لشروط البنك الدولي.

بالعودة من جديد إلى سياسة البنك المالية التي يتبعها من خلال المنح والقروض الممنوحة للدول وخصوصًا دول العالم الثالث، من أهم العوامل التي تكرس مفهوم التبعية كون هذه القروض مربوطة بقيود وشروط تفرض على الدول المدينة إتباع تعليمات البنك تجاه التعامل مع هذه القروض وإمكانية الحصول عليها، حيث تفرض الأطراف المانحة داخل البنك الدولي سياسات وبرامج تعمق من تبعية الدول المدينة لرأس المال الدولي وذلك وفق الشروط والمعايير التي تحدد مسبقًا من قبل البنك وتكون المنح والقروض مرهونة بتطبيقها.

تكمن خطورة المنح والقروض التي تحصل عليها دول العالم الثالث من تفاقم الديون الخارجية، والتي لا تقف عند الحدود الاقتصادية والاجتماعية، بل إنها تتجاوز إلى تعريض حرية صانع القرار السياسي إلى مزيد من الضغوطات والتدخل الأجنبي في ظل عالم يتميز بهيمنة الدول المتقدمة ومؤسساتها المالية الدولية، التي تحاول فرض سيطرتها على الدول النامية ودول العالم الثالث من خلال سياستها المالية وهيمنتها على المؤسسات المالية الدولية، فيرى البعض أن هذه الأموال قادرة على التأثير في سيادة الدول وتلعب دور الشرطي الذي يلزم الدول المدينة بتوجهات معينة في سياساتها العامة، ما يشكل مساسًا بالسيادة الوطنية،  واستقلال القرار السياسي، وفرض تبعيتها للبنك الدولي والدول المحركة له، مما يعني أنه يجب على دول العالم الثالث النضال ضد البنك الدولي ودوره الاستعماري، والعمل على حل مشكلة المديونية من خلال تنمية القدرات الداخلية لهذه الدول بما يتيح لها الاستغناء عن المنح والقروض التي يتم الحصول عليها من البنك الدولي ضمن شروط وقيود تكرس واقع تبعيتها نتيجة لازدياد دوره المالي، الذي أصبح أكثر أهمية في السياسات المالية مما عزز من تبعية البنوك الداخلية لسياساته بحيث أصبحت البنوك التجارية تعتمد قرارات الصرف التي يصدرها البنك الدولي.

لا شك في أن تفاقم القروض التي تحصل عليها دول العالم الثالث من البنك الدولي وخصوصًا الدول العربية ،عرضها لكثير من الضغوط القاسية ووضع إمكانية حرية الحركة الاقتصادية والسياسية لها تحت القيود الناتجة عن المنح والقروض التي تحصل عليها من البنك الدولي ومؤسساته، مما أدى بالبعض إلى الدعوة لإنشاء صندوق نقد عربي أو مؤسسة مالية عربية،  تكون وظيفتها الأساسية تقديم المساعدة والقروض المالية للدول العربية،  وبذلك لن يكون هناك حاجة للجوء إلى المؤسسات المالية العالمية لطلب المنح والمساعدات التي تزيد من تبعيتها لهذه الجهات وهيمنتها على قرارها السياسي والاقتصادي الداخلي من خلال هذه القروض.

 

ومن خلال النظر إلى المنح والقروض التي يتم تقديمها لدول العالم الثالث، نلاحظ أنه كثيراً ما توجه هذه المعونات للدول ذات الدخل المتوسط ، وليست إلى الدول الفقيرة بالفعل،  إضافة إلى أن معظمها تكون من تصميم الدول المانحة التي تحدد الدول التي تستحق هذه القروض، وهو ما يعبر عن اتجاه الدول التي تتحكم في البنك الدولي إلى إتباع سياسات مالية ليست بالضرورة لدعم هذه الدول والنهوض بها بقدر ما تكون أداة لخدمة أهداف ومصالح هذه الدول في المنطقة، على الرغم من أن البنك الدولي تعهد بتقديم معونات للدول التي تواجه مشاكل قد تحدث نتيجة أزمات اقتصادية واجتماعية.

وفقاً للشروط والتصرف بالقروض، نراها دائماً  تتوجه إلى إجبار الدول على صرفها بالشراء والتزود بتقنيات لا تتلاءم مع ما يوجد لديها بالحقيقة، مما يجبر تلك الدول على التبعية بامتياز للدول المصنعة والتي هي بالأساس الشريك الأكبر مع البنك الدولي، هذا من جهة أما من الجهة الثانية والتي نعتبرها الأكثر أهمية، فتتمركز حول أصحاب القرار بتلك الدول الذين هم في الأساس قد تم تعيينهم من قبل الدول العظمى، ويذهب القسم الكبير من أموال تلك القروض لحساباتهم في المصارف بالدول الأوربية والأميركية من خلال محاصصات ومشاركات ورشاوي وفساد بامتياز، والتي تعود لنا من جديد على شكل قروض جديدة وبشروط أكثر قساوة مما يعني من فلوسنا يقرضوننا مجدداً.

لم تقتصر المنح والقروض التي تحصل عليها الدول النامية ودول العالم الثالث في تعميق تبعيتها المالية والاقتصادية إلى البنك الدولي، بل وصلت  إلى تحقيق تبعية النظام السياسي بهذه الدول إلى الدول المانحة والبنك الدولي،  فالقروض ليست فقط مشروطة بشروط مالية اقتصادية، بل أيضا تكون مرهونة بمواقف سياسية، يجب على الدول التي ترغب بالحصول على المنح والقروض تبنيها من أجل حصولها على هذه الأموال،  ويكمن ذلك في تبني وتأييد هذه الدول لسياسة الدول المانحة والقيام بتبني نظامها السياسي وتطبيق النظام المالي المتبع بهذه الدول بغض النظر عن ماهية هذا النظام.

وفي كثير من الأحيان لا تتلاءم الأنظمة المالية المتبعة في الدول الغربية مع طبيعة وتكوين النظام الاجتماعي في بلدان العالم الثالث، كما أنها تعرض حرية صانع القرار السياسي إلى مزيد من الضغوطات والتدخل الأجنبي في ظل عالم يتميز بهيمنة الدول المتقدمة ومؤسساتها المالية الدولية، التي تحاول فرض سيطرتها على الدول النامية ودول العالم الثالث من خلال سياستها المالية، وهيمنتها على المؤسسات المالية الدولية، والتي تهدف إلى تحقيق أهدافها من خلال استخدام المنح والقروض كأداة ضغط على دول العالم الثالث لتحقيق أهدافها وأطماعها عن طريق فرض تبعية هذه الدول لسياستها من أجل تحقيق أهدافها ومصالحها في المنطقة.

لكن هل يعني هذا أن البنك الدولي والدول الغربية هي وحدها المسؤولة عن واقع التخلف في دول العالم الثالث؟ وهل يعني هذا أن سياسات الدول النامية السابقة والحالية هي صحيحه؟ بالطبع لا، وذلك لأن تخلف الدول النامية له أسباب داخلية كالاستبداد والفساد وضعف المؤسسات وغياب العنصر البشري المؤهل وشح البيانات وعدم جدية الجهود التكاملية بينها،  وعلى هذه الدول أن تعمل على تذليل هذه الصعاب، وفي الحقيقة هذا ما دفع أكثر شعوب المنطقة بالانتفاض والثورة ضد حكامهم، للحد من الفساد وإبعاد سلطة الطغاة والباشوات، كما فعل عبد الناصر في ثورة 23 يوليو 1952 ، وكما أثبت لهم عبر إرادة الشعب بتأميم قناة السويس، وهي التي تم حفرها  والعمل على ريها بمراحلها الأولى بدم الشعب المصري، حيث مات منهم العديد عطشاً، وبلا شك لن يتوقف هذا العالم الذي أخجل أن أسميه بالعالم المالي، حيث يستعمل اليوم أسلوبه الجديد بوضع يده على كل القطاعات المنتجة مقابل تلك الديون،   كما تفعل اليوم روسيا مع سورية بعقود تحت مسمى استثمارية لتستحوذ على كل القطاعات المنتجة.

يعتقد البعض أن تلك المؤسسات هدفها إنساني تنموي، حتى رحوا يشبهونها بالمؤسسات الخيرية، علماً أنها أداة هيمنة بأيدي الدول التي تسمي نفسها الدول العظمى، المنادية بالحرية والعدالة الاجتماعية عبر برامجها الجاهزة لمنح القروض وفق شروط مطبوخة ومتفق عليها مع حكام أغلب الدول النامية،  التي يأكلها الفساد، ولكي لا نعتبر أنفسنا قضاة عليهم كوننا من العالم النامي دعونا نستشهد بكلام من عملوا بقلب تلك المؤسسات ومن صلب دولهم ومدرسين بجامعاتهم،  فهذا (جيفري ساش)  أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفرد الأميركية لأكثر من ثلاثين عامًا، ومستشارًا لعدد كبير من الدول النامية من إفريقيا إلى آسيا إلى أميركا اللاتينية منذ أكثر من ربع قرن يشير إلى أن السياسات المالية التي فرضها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على الدول الأفريقية هي سياسات ليس لها أساس علمي، ونتائجها هامشية، ويؤكد أن إفريقيا هي أكثر فقرًا في بداية القرن الحادي والعشرين مما كانت عليه خلال الستينيات عندما بدأت تتبنى سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، حيث أن هذه القارة تعج الآن بالأمراض وتآكل البيئة ومعدلات النمو السكاني المرتفعة،  ويؤكد (ساش)  على أن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لا ينسقان مع المؤسسات المتخصصة في الأمم المتحدة وهذا يجعلهما في عدم دراية بواقع الدول النامية وهذا يفسر إلى حد كبير عدم فعالية سياساتهما التنموية، وعلى الرغم من ذلك فإن الدول الصناعية تعطيهما الأولوية على بقية المؤسسات الدولية لسبب بسيط وهو أن التصويت فيهما ليس ” صوت لكل دولة” كما هو حال الأمم المتحدة وإنما التصويت مرتبط بالحصة المالية التي تملكها الدولة وهذا يجعلهما تحت هيمنة الدول الصناعية ، أما عن كيفية علاج الأزمة التي تعاني منها المؤسستين المذكورتين فهو يقترح استبدال الوصفات الاقتصادية الحالية الجاهزة التي تفرض على الدول النامية مقابل القروض ببرامج تنموية تأخذ في الاعتبار خصوصيات كل دولة والظروف المحيطة بتخلفها حتى لا تؤدي هذه البرامج إلى تفاقم مشكلات التنمية كما حصل نتيجة لممارسات البنك والصندوق الدوليين عبر السنوات الماضية.

وأذكر  حينما دعاني  البنك الدولي منذ ثلاث سنوات الى مؤتمر فرانكفورت تحت شعار ( الشتات السوري )، الذي كان يهدف إلى إنشاء منصة لرجال أعمال سوريين للقيام بمشاريع في دول الجوار السوري، – كصناعي ومصرفي سابق –  من خلالها يتم تشغيل السورين بمجالات عدة ، والاستفادة من خبراتهم وبعد أخذ ورد وشرح طال يومين مع حضور لصناعيين ورجال أعمال من شتى الطبقات، تبين لي أن الهدف الحقيقي وراء هذا المشروع تحت راية إنسانية هو تثبيت الشتات السوري بدول الجوار  خارج حدودهم، ومع الزمن كون القضية السورية لليوم ليس لها بداية نهاية في الأفق، وفق مجرى الأحداث ، وهذا الحديث منذ ثلاث سنوات،  مما يعني أن الأسرة التي تمركزت وبدأ أطفالها يذهبون للمدارس وحققوا اندماجًا، لن يفكروا بالعودة أو الأغلبية منهم ،ناهيك عن من استثمر برؤوس أموال لن يتوقف ​بليلة وضحاياه ليعود للوطن ويوقف استثماراته ليبدأ  باستثمار جديد بدولة مازال دخان الحروب يعج بسمائها، والبنك الدولي ليس من الغشم في هكذا حالات، مما يثبت لنا أن الخطة أبعد من موضوع دعم شتات سوري بل تمزيق الشتات وإبعاده عن الوطن لغاية في نفس يعقوب، مما دعاني للانسحاب من المؤتمر بعد أن بينت لبعض الأصدقاء وجهة نظري، أترك لكم بالنهاية حرية التحليل لما نسميه اليوم إفقار الشعوب الذي هو في الحقيقة استعمار الشعوب ولكن بوجه جديد وبأدوات أكثر فتكاً من أي حرب حقيقية.



سمير الخراط :
كاتب وباحث اقتصادي سوري، مقيم في باريس