الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

حياتي بين الفكر و السياسة (عام ۱۹۹۰)

الدكتور جمال الأتاسي

سأحاول التحدث عن حياتي بمقدار ما تُسعفني الذاكرة، و ما ترسخ من تجارب الحياة فكر و سياسة، و ما كان دون الفكـر في حياتي مجرد تراكمات لمعارف و علوم و ثقافات، أو لقناعات تشكلت و عبرت عنها، فـأنا ما أنتجت في هذا المجال و كتبت نشرةً أو مقالةً أو بحثاً و لا ترجمت كتاباً إلا و كان ذلك من خـلال موقف أيديولوجي و سياسي ولإحـداث فعل و تأثيـر هـادف في مـرحلـة معينـة من مراحـل عملنـا الوطني و القـومي، و لا السياسة كانت حـرفـةً لي أو وظيفةً أو تطلعـاً لموقع نفوذ أو سلطة، بل السياسية التي استــأثـرت بالقسط الأوفــر من اهتمـامـاتي كانت و مـا زالت في حيـاتي التـزامـاً بقضيـة و إحساساً بمسؤوليـة و واجبـاً وطنيـاً و قوميـاً لتغيير واقـع، و العمل في إطـار جماعة و مجموعـة ملتزمة بأهداف النضال القومي، كمشروع للتحـرر و النهـوض العربي و الوحـدة، و بهذا المنحى لا تعود حركة الإنسان السياسية و سعيـه للفعل و التأثيـر في التحرك التاريخي لمجتمعه و أمته، إلا و هي على تـلازم عميق مع تقـدم حـركة وعيـه و معرفتـه، ليصيح الفكـر دليل الممـارسة، و لتصبح الممـارسة منظوراً و منهجـاً في التفكيــر أيضــاً.

و لا أجـدُ تعريفـاً لمثل هـذا المفهوم للسياسة أو النهج السياسي بأفضل من تعـريف ’’هيغـل‘‘ للسياسة في أنها «علـمُ الإرادة»، حين تأخذ بالعلـم هنـا من حيث مفهومـه الأصلي الكامل، كمعـرفـة تـرتكـز على وعي مطـابق و متقـدم و على إحـاطـة و تجـربـة و على منظـور و منظومـة فكريـة، فما من سياسة بهذا المعنى إلا و تحمل في ثناياها منظوراً أيديولوجياً و معتقداً أخلاقياً، و ما من إرادة إلا و تنزع إلى تحقيق غـايـة و هـدف، ومـا من ممارسة للسياسية إلا و تعتمـد الفعـل و التفـاعل مع الآخــرين.

و انطـلاقاً من هذه المحددات الأولية للمعرفة و السياسة أو للفكر السياسي، سأبدأ من ظروف المولـد و النشأة و مـا كان لهمـا من خصوصية أو دور في التطـور اللاحق لمسار حيـاتي، و لعلني و قـد أكملت السبعين من العمـر، و بعد المسافة الزمنية الطويلة التي قطعتها في حياتي الفكرية – السياسية أستطيع أن أرى من هـذا البُعد بشكل أشمل، ما كان هناك من عوامل في تلك الظروف البدئيـة و كان لها دورهـا في توجهـاتي المستقبليـة، و الخصوصية فيهـا كانت الدليـل إلى الأعـم و تجـربتي كانت تجـربـة جيل بأكملـه أنتمي إليــه.

ا- المولد و النشأة

مـا مـن إنسان يختـار مولـده و لا الشروط الأولى، في الـزمان و المكان و المجتمـع، التي اشتـرطت نشأتـه و تشكل شخصيتـه البدئيـة و تفتـح و عيـه الأولي لوجـوده و وجـود العالـم من حـولـه، و لا تشكل معتقـداتـه الأولى عن الكـون و الحيـاة، و مـع ذلك فإنهـا تظل تشكل مقـومـاتـه في تطـوره الـلاحـق و إن تمـرد في مرحلـة مـا على اشتراطاتهــا و تحديداتهــا لحريتــه.

لقـد ولـدتُ و عشـتُ نشأتي الأولى في حمص، و حمص في إطـارهـا السوري الـراهـن كانت مدينـة وسيطـة و وسطـاً، مشدودة بين حيـاة البداوة و الفلاحة التي تخترقها و تمتد بعيداً حولها، و بين مجتمعها الحضري و مـا ترسخ فيه من تقاليد مقيمة، كما كانت في حركتها السياسية الوطنية مشدودة بين مركزي الاستقطـاب الرئيسيين: دمشق العاصمة و حلب الكبرى.. و لقـد تفتح و عيـي على الدنيا و ما حولي أول مـا تفتح في العشرينـات، حين کان مجتمعنـا في مـرحلتـه الانتقـاليـة من العهد العثماني الطويل إلى عهـد الانتداب الفرنسي، بين مـا كان يتحكم في روابطه و تقسيماته عن أواصر و عصبيات مـا قبل الوطنية أو مـا تحت القـوميـة، من روابـط العشيرة و العـائلـة و الحي و الملـة، و بين مـا أخـذت تستحدثـه السُلطـات الاستعماريـة و المتعاملـون معها، من مؤسسات و نظـم إدارية و تعليمية لإحكام سيطرتها.. و كان الجيل الـذي سبقنـا و تطلعنا في نشأتنـا الوطنية الأولى من خلاله، موزعـاً في وعيه الثقافي و السياسي بين تلك المرحلـة أو الحالـة من اليقظـة الوطنية و العروبية القومية التي تفجرت في بلاد الشام و المشرق العربي في مواجهة الحركة الطورانية وعملية التتريك التي قامت في أواخر العهد العثماني (و كان رهانه الكبير على مـا سمي «بالثـورة العـربيـة الكبرى» إبـان الحـرب العـالمية الأولى، و خـاصة تجـربتـه الأولى في إقـامة الدولـة الفيصلية في دمشق على آثـار تلك الثورة، دولةْ سورية عروبية لـم تُعمّـر و قَصفَ عمرهـا الغـزو الفرنسي)، و بين حالـة من الانكفـاء و المحافظـة و الاحتمـاء بالمواقع التقليدية في مواجهة عمليـة التحديث الغـريبـة و الغـازيـة التي جـاء بهــا الاستعمــار.

كان زواج أبي و من غيـر أعراس، يـوم دخـول القـوات الفـرنسية المدينـة، و جئتُ الولـد الثاني بين أبنائـه الستة المتـلاحقين في العمـر، و لقد عشتُ من البداية حياة أبناء الطبقة الشعبية الوسطى كما شاءت لي أوضاع أبي المعيشية و الاجتماعيـة، و لـو أننـي مـن حيث الـروابـط الأُسريـة و العـائليـة كنت أنتمي للأرستقراطيـة الإقطاعيـة و الدينيـة.. بـدأت التعـلم في مدرسة المسجد أو «كُتاب الشيخ» و لـم أتابعـه إلا أيامـاً، فلـم أختـم جـزء «عـمَّ» كما فعـل أخي الأكبر، و ما تلقيت إلا أحرفـاً من الأبجدية، و ما حفظت إلا بعضـاً مـن السـور القصيـرة، لألحـق بأخـي إلى نظـام التعـليـم المـدني.. و أُدخـلـتُ المـدرسـة «الخيـريـة الإسلاميـة» كمدرسة ابتدائية أهلية، أخذت تتبع قواعد التعليم التي وضعها نظام الانتداب الفرنسي يُضاف لهـا تعـاليـم الـديـن و تاريخنــا السالـف و المتقطـع عـن حـاضـرنا…

ذلك كان منـاخ النشأة و البدايـة؛ أقـف فيهـا عند ثلاثـة عـوامل أثرت في حيـاتي أو مسارات کان لها دورهـا في التطور السياسي الفكري اللاحق: أولهـا، الارتبـاط الاجتمـاعي و الطبقـي؛ و ثانيهـا، الديـن و التربيـة الدينيـة؛ ثـم تشكُل الحس الـوطني و الانتمـاء القــومي.

منـذ أن أخـذ وعيي يتفتح على الروابط و العلاقات بين الناس، وجدت أبي و قـد استقرت حياته على نمط من الحياة في علاقاته الاجتماعية و في العمل و الكسب، فالمُلكية العقارية التي ورثها عن أبيه كانت مواردهـا متواضعـة، و انصرف إلى أعمـال البستنـة و الزراعـة، و كان متدينـاً تقيـاً و كان يحمل نفـوراً واضحاً من أهل الوجـاهـة و الغنى و يكـره حيـاة الرخـاوة و التـرف و كان عـزوفـاً عن منتديات العائلـة و الحي، و أقـام لنفسه منتـداه الشعبي حيث جعل من بستانـه ملتقى لأصدقائـه ممن تربطـه بهـم عـلاقاتـه المبـاشرة، من العطـار و الطحـان و القصاب إلى الحـلاب و البستاني… و وجدته يأخذني في سنٍ مبكرة ليقتلعني من أزقـة الحي؛ و رفقـة الأقـارب و الجوار، لينقلني بعـد المدرسة إلى بستانـه و بيئتـه الطبيعيـة و الاجتماعيـة و يحـول بيني و بين رفقـة أبنـاء الـوجهـاء لأن «معشرهـم يُعلـم الاتكاليـة و الكسل و يُفسد الخُلق».. وكان يرتاح لمن أصبحت أرافقهم باستمرار بين زملائي في المدرسة من أبنـاء الطبقة الشعبية، و هكذا انفصلت منذ أن أخـذ وعيي يتفتح على الـروابـط و العـلاقات الاجتماعيـة، عـن عصبية العائلـة و العشيرة و عن نزوعـات الطبقـة البرجوازيـة الآخـذة بالتشكل على مـيراث الإقطـاع، مشدوداً بمشاعـري و اهتمامـاتي إلى حيـاة و اهتمامـات الفئـات الاجتماعية الشعبية، و هـذا مـا كان لـه دوره على مـا أعتقـد في توجهـاتي الإنسانيـة و السياسية المستقبليـــة.

و كانت رفقـة الصف و المدرسة، الفئـة الاجتماعيـة الأساسية التي أنتمي إليهـا، و من خـلالهـا كانت تتحرك تطلعاتنـا الثقافيـة و نشاطاتنـا الوطنية، و منذ المراهقة و سن الشباب الأولي أصبح رفاق الدراسة جمـاعتي السياسية أيضـاً، و كنت بينهـم عنصراً تحـريضيـاً في المظـاهـرات و الإضرابـات الطـلابيـة و العامـة، و في كتابة و توزيع ملصقات الحائط و من ثـم المنشورات و البيانات، و تعاقب تقدمنا على هـذا الطريـق طوراً بعـد طـور من المدرسة الثانويـة (التجهيز) إلى الدراسة الجامعية.. و في الجامعـة أخـذت تتجاذبنـا التيارات الفكرية و السياسية التي نزلت إلى ساحة العمل الوطني، و كان الخيـار القومي العربي هـو الذي تأصلت جذوره في توجهاتنـا و بيئتنـا الجامعية في دمشق التي كانت تضم طلاباً من العديـد من الأقطـار العربية أصبحت مُرتكـزاً أوليـاً لنا في إقامة روابطنا و تجمعاتنا من منطلق عروبي وحدوي، و كذلك في نشاطاتنا العامة و إقامة صلاتنا و اتصالاتنا، بل و من هـذا المُرتكـز و القاعدة كان الانتقال إلى المشاركـة الحـزبيـة و السياسية، حين أسهمتُ في أواخــر عــام ١٩٤٣على رأس مجموعــة من رفــاقي الجامعيين في عمليـة تأسيس “حزب البعث العربي” بعـد حـوار دار و تلبيـة لمبـادرة جـاءت من أساتذتنا السابقـين: عفلـق و البيطـار و صحبهمـا.. ليحتل الحـزب و العمل السياسي و الحـزبي مكانـه في حيـاتنـا العامـة، و ليصبح المحرك لإنتـاجنـا الفكري و ممارساتنـا و لنشاطاتنـا الوطنيـة و القوميـة.. و في طـورٍ لاحـق و بعـد تجربـة وحــدة القطـرين و الانفصال و صعـود “البعث الجديـد” إلى السلطـة عــام ٦٣ كان التحـول إلى النـاصريـة و إقـامـة الحـزب النــاصري.

و لقـد كان لتربيتي الدينيـة بين المسجـد و المدرسة و البيئـة الاجتمـاعيـة من حـولي دور أساسي في تكوين تصوراتي الأوليـة للوجـود و الكـون و الخـالـق و الإنسان بشكل إيمـاني، و بعـد فترة من اللعب و الطيش لما يسمي بأيـام الولدنـة و بدايـة المراهقـة، مـررت بمراحل من التشدد الديني و التمسك بالتعاليـم الدينيـة، و لـربمـا كان ذلك عاصمـاً أخـلاقيـاً ومُهدئـاً لحيـرة الإنسان و قلقه أمام مسائل الحياة و الوجود، و لكن لم يُبعدني عن الاندفاع في العمل الـوطني، بل جـاء مواكبـاً لـه و حـافـزاً، و كنـا نتلمس في الديـن مـا رسخه في الذاكـرة الجماعيـة لشعبنا و في أخلاقيتـه من قيم تحض على رفض التسلط و الظلم و على التكافل الاجتماعي و مكارم الأخـلاق، و لكن في مقـابل ذلك كان يقـوم التعصب و مـا يفرضه من جمود على حـركة تقـدم المجتمع، بما في ذلك تقدم وعيـه القومي و حـركة تحرره الوطني.. و في عـام ١٩٣٦ جـرت أحـداث و حـوادث حـادة في التحـرك الـوطني لمجتمعنـا، من إضرابـات طـويلـة و مظـاهـرات و صدامـات دامية مع سلطات الانتداب عمت أرجـاء سورية، و جرينا في تلك الأحداث وراء من يكبروننـا سنـاً و يتقدموننـا في العمل الوطني، و في غيبـة المدرسة كان المسجد مكاناً للتجمع و الانطـلاق.. و لقـد صُدمتُ يومهـا للمواقف التي اتخـذهـا الكثيـرون ممن يسمونهـم بالعلمـاء من رجـال الديـن، حيث جـاءت فتـاوى بعضهم تدعو للاستكانـة و “إطاعـة ولي الأمـر” و تنزع صفة الشهـادة عن اللذين قتلوا برصاص جنود الاحتـلال، وتقول بأنهـم أناسٌ “ألقـوا بأنفسهم إلى التهلكة”.. و من يومهـا أخـذتُ أتحسس ظـواهــر الجمود و التعصب ومـا لهمـا من دور مُعـوق في حركـة تحررنـا الوطني و تقدمنا الاجتماعي و انفتاحنا على الحداثة و العصر.. لقـد كان الديـن و قيمـه الروحية وما رسخه الإسلام في وجداننا و قناعاتنا حافـز ثـورة و حافـز تقـدم و تغييـر و رفضٌ مُطلق للظلم والاستغـلال و الاستبداد.. و لكن الفئـة السائدة، و مـا صرنا نسميه بالفئـات الرجعيـة و الاقطـاع كان يوظف جمود الفكر الديني للحفاظ على مصالحـه و لصـد حـركة التقدم؛ صحيح أن شعـار ’’الدين لله و الوطن للجميع‘‘ كان شعاراً رفعتـه أكثر القوى الوطنية التي تقـدمت لسـاحـة العمل السياسي، و لكـن كلهـا كانت تُـداري و تُـماري و تتحـاشى التصادم مـع تحـركـات التعصب و الرجعيـة.. و لـم تدخل في ثقافتنا الوطنية العامـة يومهـا أفكـار الاصلاح الديني و التجديـد إلا في قليـل، و بقيتُ لبضع سنوات موزعـاً بين المحافظة على موروثي الديني و روابطي بالمجتمع المتدين و بين الإنشـداد لعالـم السياسة و النضال الوطني و القـومي و مطـالب التحـرر و التجديـد في تصادم مـع التيـارات المحافظـة و الرجعيـة.. و إذا كنتُ في التزاماتي السياسية و عملي الوطني و القومي قـد أنهيتُ إشكاليتي بالأخـذ بمبـدأ العلمنـة و الفصل بين عالـم السياسة و عالـم الديـن، فإن المسألة ظلت عالقـة وهـا هي اليـوم تستيقـظ من جديـد بأشكالٍ متعـددة، فالإسلام في حيـاة مجتمعنـا الشعبي يبقـى “ديناً و دنيا”.. و هـذه مسألة لا مجـال هنـا للخـوض في تشعبـاتهـا، فلأتوقـف عندمـا كان من ظـروف النشأة و البـدايــة.

٢- الطريق إلى المعرفة: من أين بدأ و عبر أية آلية و قنوات تطور

يمكننا الأخـذ بدايـةً بالحكمة القائلـة «ليس بالخبر وحده يحيـا الإنسان» و إنما بالفكـر و الـروح و ما يجنيـه من معـارف أيضاً.. و المعرفـة ليست فطرة تُحركنـا أو قنـاعـات نتوارثهـا و معلومات نتلقنها، بل هي تعلُـم و اكتساب و حركـة وعي ينمو و يتفتح من التفـاعل المتواصل مع محيطه الثقافي و ما يرد إليه أو ما يتفتح عليه من ثقافـات و معـارف إنسانيـة متقدمـة.. و معرفـة الإنسان تتطور من حيث هي فكر و ممارسة، من تراكم علـوم و خبـرات و معلو مات و تشكل قناعـات و منظومات فكريـة و أخلاقية تُوجـه السلـوك و العمل.. لتعـود الممارسة و التجربـة في كل طـور أو مرحلة من التغيير أو التطور في مسارنا السياسي و الاجتماعي و الثقافي لتفرض المراجعـة و النقـد و التجديـد أو لتغنيهـا بمعـارف جديــدة.

أما من أين بدأت معرفتنـا و تشكّل قنـاعـاتنـا الفكريـة و أيديولوجياتنـا السياسية، و في أي المسالك و المناهج تطورت و سارت، فذلك، طريق طويل تعددت مراحله و تعـاقبت، وتعددت حـوافـره و مصادره و تنوعت، و إذا كان لمسارها نقطة انطلاق و بداية، فقناعتي أن ليس للمعرفة محطة أخيرة و لا تستطيع أن تتوقف بهـا عند نهايـة أو نظرة نهائيـة و قاطعـة او منظـور أيديولوجي شامل و واحد، و إلا أصبحت جمـوداً و تعصبـــاً.

كانت التشـكلات الأولى للمعـرفـة و لتصوراتنـا للـوجـود و العـالـم و الإنسان و المجتمـع و التـاريـخ تتغذى في الخيـال و المخيلـة من الثقافة و التقاليد الشعبية و الدينية و من الحكايات الشعبية و من قصص الفـروسية و القصص التـاريخيـة في حياتنـا العربيـة و الإسـلاميـة و سيـرة الرسول و السـلف الصالح و الفتـوحـات العربيـة و الرمـوز و التصورات الدينيـة، إلى جـانب الشعـر و خيـالات الشعراء ثـم القصص المترجمة أو المقتبسة، كل ذلك ما أقبلتُ عليه بنهمٍ شديد منذ بداية تعلمي، و هذه التنمية للمخيلة و الخيال ما كانت إلا حوافـز أوليـة لتحـري أسبـاب المعرفـة و تحـريض حيـويـة التفكيـر و النشاط العــام.

و السيرة المعرفيـة أو الإيديولوجيـة للإنسان بعـد ذلك حـديث يطـول، في مناهلهـا و مرجعياتها، في مراحلهـا و تطوراتهـا، في حوافرهـا و تأثراتهـا، في ثوابتهـا و متغيراتهـا، و سأقف عند جوانب منهـا أو أقنيــة سارت فيهــا .

و على طريـق المعرفة تتعاقب و تتناوب عمليات التلقي و التعلم و الأخـذ و التمثل مع عملية البلورة و الأخــذ بمنهجيـة في التفكيـر و الإنتـاج الفكـري، و في هــذا كلـه كان للانخـراط في العمـل السياسي و الحزبي دورة الموجـه و المحرك، و كان علينا بدايـةً أن نتزود بكل ما يُتـاح لنا من فكر و معرفة لتصب في مشروع تحـررنا الوطني و نهوضنـا القـومي، ثم إن خيارنا الحـزبي كان بنائـه و في مرحلتـه خيـاراً أيديولوجيـاً.. و الحزب السياسي كما أخذتُ به وسعيتُ إليه، سواء في ’’البعث العربي‘‘ ، أو في ’’الحزب الناصري‘‘ الاشتراكي العربي، إذا ما قام كمنظمة و أداة للنضال والتغيير، فلقد كان بذاته إطاراً للصياغة الأيديـولـوجيـة و تكـويـن فكـر جمـاعي و لتقـديـم بـرامـج للتثقيف والعمل، و لـوضع الأفكـار على محـك الممارسة و التطبيق، و لتكون مادته في الدعوة و التبشير أو في نقـد الواقع و الرد على التيارات الفكرية و السياسية المُغـايرة، و كل ذلك يطـالب بمزيـد من الاطـلاع و المعـرفــة.

و في هـذا و ذاك في البـعث أو في الحـركـة القـوميـة النـاصريـة، إذا مـا بـدأتُ آخـذاً و متلقيــاً، فمـا لبـثتُ أن أخـذتُ موقعـي و دوري في التنظـير و الصياغـة الأيديـولـوجيـة، و في الكتـابـة و التعبـير عـن المواقـف السياســية و الفكــريــــة .

أما المسار الآخـر الـذي مضيت عليه في التعليـم و اكتساب المعـرفـة و في تكـويـن ثقـافتـي العـلميـة و الإنسانيـة و ممارستي المهنيـة، فهـو الطريـق الـذي أخـذت بـه لدراسـة الـطب و التخصص في الـطب الـنفسي و ممارستـه كمهنـة في الكسب و العيش، و هـو الطريـق الـذي بدأتـه و ما زلـتُ عليـه، و كل ما جـرى من تشعبات و ما اتخذتـه من مواقـع في حياتي السياسية، و هـذا كان لـه دور في تمتعي بقـدر من الاستقـلاليـة الشخصيـة و في نصيب أوفى من الحريـة في خيـاراتي السياســية .

ثـم إن هـذا الخيـار في المهنـة و التخصص، مـا جـاء مُنفكاً بل مرادفـاً للنهـج الـذي سـرت عليـه في الـمعـرفـة الإنسانيـة و الحيـاة السياسيـة.. و كان للـرحلـة التي قطعتهـا للدراسـة و التخصص في فـرنسـا (۱۹٤۷ – ۱۹٥۰) ثـم مـا أعقبهـا بعـد العـودة و جـاء امتـداداً لهـا، الـدور الأكبـر في تكـويـن ثقـافتـي و معرفتي.. فدراسة الطب النفسي و الاطلاع على ما قدمته مدارس التحليل النفسي من معطيات في معرفة الإنسان، و كذلك غيرهـا من المدارس النفسية الفينومينولوجية و العضوية الديناميكية و غيرهـا، قـد فتـح أمامي آفاقاً جديدة في المعرفة، و جاء ذلك في مناخ ثقافي و سياسي عام متحرك من حولي، حيث أخذت تلك المذاهب  في التحليـل النفسي تعكس آثارهـا على غيـرهـا من المذاهب الفكرية الجديدة التي برزت و تقدمت في أعقـاب الحـرب العالميـة الثانيـة.. و ما اكتفيت بذلك، بل وجدتهـا فـرصة للاطـلاع و التعرف لمختلف التيـارات الفكريـة و الإيديولوجيـة التي كانت تتفـاعل و تتصارع، من ليبراليـة أو اشتراكية، من محافظـة و من ثـوريـة، من ماركسيـة و ماركسيات و من تيـارات خارجـة عليهـا أو فاقـدة لشموليتها، و تأثـرتُ أكثـر مـا تأثرت لمرحلـة ’’سارتر‘‘ و المذاهب الوجـوديـة، ولكنني ما لبثت أن انشددت أكثـر إلى منظورات جماعة مجلة الفكر ’’أیسبري‘‘ و مدرسة ’’مونييه‘‘ الإنسانية المُسماة بالشخصانية و ما تطرحه من آفاق متعددة للمعرفـة الإنسانيـة و لثـوريـة القـرن العشرين .

لقد حملت معي ما حملت و تمثلت بعد ذلك ما تمثلت و ما وجدت في ذلك تغرباً و لا اغتراباً بل هي وضعت أمامي تجارب إنسانية و خبرات و مناهج في المعرفة و التفكير تساعد أكثر على فهم مهماتنـا و حركة تاريخنـا و مجتمعاتنـا و التصدي للقضايا التي يطرحهـا علينـا عصرنــا .

ثـم كانت لنـا على طـريـق المعـرفـة و الممارسة مسالك أخـرى و محـاولات للمراجعـة و التجديـد و في العمل السـياسي و منهـا التعـامل مـع التيـارات الفكـريـة المغـايـرة، إنمـا أخـذٌ بالمبـدأ القـائل ’’إنـك لا تقـوى على أن تقهـر إلا الفكـر الـذي تستطيع دحضه و ليس بمقـدورك أن تتمثل إلا التفكيـر الـذي تضعه على محـك النـــقد‘‘ .

أمـا إلام انتهى أو انتهيت، ما انتهيتُ إلا إلى التعدديـة و الديمقراطيـة.. إنهـا ليست تعدديـة الأحـزاب و تعدديـة التيـارات التي ننـادي بهـا فحسب، و إنمـا الأخـذ بمبدأ تعـدديـة سُـبل المعـرفـة و تعـدد منـاهـج البحث للـوصول إلى الحقيقـة، و صدق مـن قـال: مـا مـن معرفـة أو نظـريـة في المعرفـة تقف عليهـا إلا و تجـد بعـد ذلك أنهـا مـا كانت إلا مقدمـة و تمهـيداً لمعـرفــة جـديــدة …

٣- المدارس الفكريـة و الطريـق إلى الفكـر القـومي    

خيـارنا القـومي في الفكـر و الممـارسة، و الخيـار القـومي العـربي تحديـداً، لـم يكـن ثمـرة دراسة و تمحيص و بحث، أو عملية انتقائية بين مدارس فكريـة و مذاهب أيديولوجية وجدناهـا أمامنـا و استأثرت بقناعاتنـا، بل هـو قـام و تشكل في مشاعـرنا و تفكـيرنا كشعور بالانتماء و حـافـز للنضال و العمل، مـنذ أن تفتح وعينـا على عالـم السياسة و الأفكـار، و لكأنـه كان المنطلق  و البدايـة ليصبح المحور الأسـاسي لخياراتنا السياسية و لتشكل هويتنا الثقافية و اغتنائها.. و على هذا الطريق سارت تجربة حياتنا السياسية و الفكريـة و تقدمت مراحل و أطـواراً، عبر صراعات و منافسات مع التيارات السياسية و الأيديولوجية المختلفة المطروحة في الساحة، و في مواجهة تحديات و أزمات لا تنتهي، إلى أن استقر بيَّ القـرار أول ما استقـر في حـزب ’’البعث العـربي‘‘ الأول، و أصبحت القـوميـة العربية  كمنظور يتطلع لتحرر الأمـة و وحدتهـا و إقـامـة دولة عربيـة موحـدة، مرجعيـة لأيديولوجية حركـة سياسية و منطلقـاً لمشروع ثـورة سياسـية و اجتمـاعيـة و نهـوض قــومي .

مـا كان ’’البعث‘‘ نهايـة المطاف و لا كان مشروعـه أول مشروع للوحـدة العربيـة و لـوضع حركـة التحـرر الوطني و الاستقـلال على طريـق إنجـاز مهمة ثـورة قومية عربية ديمقراطية، و كان أمامنا في الساحـة السياسية و الثقافيـة تيـارات و حـركات غيره، و اختـرت البعث و مدرسـة البعث القـوميـة، بعـد حـوارات و بعـد محاولات و تجارب و نضالات سبقت ’’البعث‘‘ أو البعث الأول كما أسميه – بعث عفلق و البيطار و صحبهما – و إذا كان أول حديث أو نـداء و جهـهُ لنـا عفلق في الدعـوة للحـزب حمل عنوان ’’واجب العمل القومي‘‘ و المناداة بجيل عربي جديـد يحمل رسالة الأمـة، فلقد كانت هناك أجيال سبقت و شقت الطريـق و مهدتهـا.. و إذا لم يكن لي هنا أنت أستطرد في الحديث عن نشوء الفكر القومي عموماً، و القومي العربي تخصيصاً، بل كما انعكس و تفاعل عبر التجارب التي مررت بها في حياتي السياسية، فهـذا أيضاً حـديثٌ يطول، و ليس لي إلا أن آتي على مـراحـلـه و عنـاوينـه البــارزة .

کان هناك جيل قـومي عـربي أول لـم نُعـايشه و إن بقيت أمامنا شـواهـده و أفكـاره، و هـو الذي قـام في مواجهـة الهيمنة الإمبراطورية العثمانية في أواخر عهدهـا و ضد حملة التتريك في المشرق العربي، و نادی بهـويـة قوميـة عربيـة و بكيـان مستقل للأمـة في إطـار تلك الإمبراطورية الإسـلامية أو مُنسلخـاً عنهـا، متطلعاً لبعث الأمة و نهوضها متمثلاً بما جاءت عليه حركة نهوض الأمم في الغرب و قيام دولها الوطنية الموحدة كدولة – أمـة.. ذلك جيلٌ أحبطت مشاريعه و تشتت طلائعه بعد الحرب العالمية الأولى، و بعـد فشل مشروع ’’الثـورة العربيـة الكبرى‘‘ للشريف حسين في إقـامـة دولة عـربيـة مشرقيـة، و بعـد سـقوط الـدولة العـربيـة السوريـة الفيصليـة في دمشق، و حيـن فـرض الاستعمـار البـريطـاني – الفرنسي خارطـة التجزئـة العـربيـة إلى كيـانات محـددة واقعـة تحت الحمـايــة الأجنبيــة .

و من ثم، و من خلال حركة النضال الوطني من أجل الاستقلال في سورية، قام جيل قومي آخر رد بشعـار العروبـة و الهويـة العربيـة و التحريـر في مواجهـة هيمنة الاستعمـار و محاولاته لطمس الهـوية القومية و تمزيق الوحدة الوطنية و الكيان الوطني السوري ذاته إلى كيانات محلية و طائفية، و هو الجيل الذي قـدِم إلى ساحـة العمل السياسي في النصف الثاني من الثلاثينات : حركة ’’عصبة العمل القومي‘‘ .

و كانت الأفكـار التي طرحهـا في الساحـة و كنـا نتلقفهـا شتـاتاً موزعـة بين نهـج سـلـفي في التفكيـر القومي يتطلع إلى الماضي و يتغنى بأمجـاد الأمـة و ينادي بإعـادة سيرتها الأولى، و بين منهج آخـر يشد إلى الحداثـة و يجـد القدوة في النهوض القـومي لأمـم الغـرب و يشـد للمستقبل، و مـا بينهمـا قامت أفكار تأليف و توفيـق، فتأصيل جـذورنا التاريخيـة و الثقافيـة الماضية يعطي الحافـز و الأمل، فمـا دامت أمتنـا قـد نهضت في الماضي تحت رايـة الإسـلام و أعطت ما أعطت، فهي قادرة على أن تنبعث من جـديـد و تنهض، إلا أن الأمة و دولة الأمة من مقومات هـذا العصر و لا بـد أن تُجيب على مسائله و تحدياتـه…

و ثمة حدثان بارزان جاءا في تلك المرحلة و ألهبـا المشاعر القومية: أولهما، الانتفاضات الوطنية و ثـورات الشعب الفلسطيني في مواجهة الخطر الصهيوني المتحرك و حملة الهجرة و الاستيطان اليهودي فيهـا بعـد وعـد بلفـور و في ظل الاستعمار البريطاني، و ثانيهما، حملة تتـريك ’’السنجـق‘‘ و سلـخ لـواء الإسكندرون و أنطاكية عن سورية و ضمه إلى تركيا في عملية تواطـؤ كبيرة مع الاستعمـار الفـرنسي .

مـا لحـقتُ بعصبة العمل القـومي – و إن كان بعض رفـاق المدرسة ممن يكبـروني التحـقـوا بهـا – و لكنني انشددت بعـواطفي إلى مظـاهـرهـا الدعائيـة و شعـاراتهـا، و إلى سلامهـا «تحيـا العروبـة» و إلى السـيدارة العراقيـة التي اتخـذهـا قادتهـا غطـاءً للرأس تعبيراً عن التطلـع إلى العـراق كمنطلق للتحرير و الوحـدة، و هكذا أخذوا يسمونها كما سماهـا أستاذنا الأرسوزي أيضأ «بروسيا العـرب»، تطلعاً إلى نمط في الوحـدة على غـرار الوحـدة الألمـانيـة و كانت ألمانيـا إبـان صعودهـا النـازي.. و صرتُ أتـردد على منتدى ’’العصبة‘‘ في حمص و أشهـد نـدواتهـا و حفــلاتهـا المسرحيـة و أُخـذت أكثر مـا أُخـذت بتمثيليـة «ذي قار» فحفظتها و صرت أعيد تمثيلها في ألعابٍ أولاد الحي، ثم على المسرح في منتدانا الرياضي.. و هنـاك في مكتب عصبـة العمل عرفـت أول مـا عرفـت ’’زكي الأرسوزي‘‘ صيف عـام ١٩۳۸ و كان قـد بادر و أقـام و تلامذتـه في أنطاكية فرعـاً ’’للعصبة‘‘، و سمعته يتحدث من مقعد المعلم عن المؤامـرة التي تُحـاك لسلخ اللواء و تمثلتُ فيـه الإنسان العربي التي يحمل قضية، كما سمعت و لأول مرة بعد ذلك على لسـانـه كلمـة «البعث العـربي».

و في العام الدراسي ۳۸/۳۹ انتقلت لمدرسة التجهيز الداخليـة في دمشق للإعـداد لشهـادة البكالـوريا الثانية.. و كان عـاماً حافـلاً بالإضرابات السياسية و الاضطرابات و المظاهرات، و دخلت عالمـاً جديـداً من السـياسة و صراعـات المواقـف و الأفكـار، وتعـددت المنـابـر و التجمعـات و التيـارات، و ظهـر في الساحـة و في مواجهة الدعوات الوطنية و القومية التقدمية عن التيار المحافظ و التقليدي  تیار «الإخوان المسلمين» و بعض الدعوات الشيوعيـة و دعـوات «القوميين السوريين»، و الكل كان يمتد بدعواته إلى الطلاب، و كان الطلاب العنصر الدينـاميكي و المحـرض الأول للتحـركات الوطنية في تلك الفتـرة، كان الأستـاذان عفلق و البيطار بين مدرسي صفنـا و كـانا يجهران بأفكارهما التقدمية و الليبرالية فالتـففت مع رفاقي حولهمـا و ضد من كانوا يتهجمون علينا، و مـا لبثا أن أخذانا إلى حلقة أوسع كانت تضم مجموعة من الأسـاتذة و المفكـرين و العـاملـين في المجال الوطني.. و لـم يكونـوا حـزباً و لا تنظيمـاً، و إنما شبه رابطة مفتوحة على مجموعـة من المثقفين الذين تلقـوا علومهم الجامعية في فرنسا و عـدد من السياسيين الشباب الذين انفصلوا عـن عصبة العمل القـومي بعـد تفككهـا و انصراف قيـاداتهـا الأولى إلى انتهـازيـة العمل السياسي المحلي، و صـرنا نلتقي بهـم كمجموعـة طـلابيـة في بيـوت بعضهم، حيث كنا نستمع في ندوات أسبوعيـة أيـام العطل إلى أحـاديث و توجيهـات حـول العمل الوطني و ضروراتـه أو نقـد الـواقـع السوري و العربي و عوامل الضعف و التأخر و التجزئة و تسلط الرجعية و سيطرة الاستعمار، و كانوا يـوجهـوننـا في اتخـاذ المواقـف و قيـادة المظـاهـرات و يسـاعـدوننـا في صـياغـة البيـانات و الـمذكـرات الاحتجاجيـة و المطلبيـة، و بقينـا على هـذا المنـوال إلى أن قطعنا عنهم إغـلاق المدارس و قطع الدراسة و تغيير الأحـوال السياسـية، و جـاءت الحـرب العـالميـة الثـانيـــة .

انقطعتُ سنة عن دمشق ثـم عدت إليها لأبدأ دراستي الجامعية و تلك كانت مرحلة جديدة، فالأحزاب و التيارات السياسية غابت عن ساحـة العلن لتتحول إلى حلقات في المقاهي، و انضممتُ إلى الحلقة التي كانت تتحلق حول ’’الأرسوزي‘‘، الذي جـاء دمشق بعد إنهاء عمله كمدرس في بغداد، و لقد انشددت إليه و تتلمذت على أفكـاره القوميـة المتطرفـة لفتـرة و ساكنتـه و عـايشتـه و أصبح اسمه بالنسبـة للمجموعـة الملتفـة حـولـه «الأسـتاذ».. و صارت لنـا حلقـة نشطـة بين طـلاب الجامعـة و صار الآخـرون يسموننـا بالأرسوزيين، و مـا كنـا حـزباً و لا تنظيمـاً، و كنـا من حـوله أشـبه ما يكون بمنتدى ثقافي دائـم أو حلقة مُريـدين.. و شـدنا إلى التثقـيف و الثقـافة، و لكن حسب توجيهـاتـه و تأويـلاتـه الاستشرافيـة الخـاصة، و النمـوذج القـومي الأمثل الـذي كان يطـرحـه أمـامنـا كان النمـوذج الألماني، و كان يعـود بـه إلى أصولـه الفلسفية عنـد ’’فيخته‘‘ و ’’نيتشه‘‘، و أول كتاب أخذ يدرسنا مقولاته كان «خطب إلى الشعب الألماني»، و كان جامعـاً لخطب و محاضرات ألقـاهـا ’’فيخته‘‘ في الجامعة، في وقتٍ كانت جيـوش نابلـيون تسيطر على البـلاد الألمانية، و كان فيها استنهاض للأمـة و وحدة الأمـة، و تأكيد على اللغة الألمانية و تعبيرهـا عن عبقرية الأمة، و من هنـا كان منطلق الأرسوزي لتحري «عبقرية الأمة العربية في لسانها»، و أقـام على ذلك فلسفته الخاصة للقوميـة العربيـة و منظـوره للأمـة و اصالتهـا و تاريخهـا و حضارتهـا .

و في ربيع عـام ٤١ قامت ثورة ’’رشيد عالي الكيلاني‘‘ الوطنية العراقية في وجه الحملة البريطانية و تحركت المشاعر القوميـة في الشارع السوري بحدة لمؤازرتها و التضامن معها، و اختلقتا مع أستـاذنا الأرسوزي حول تقييمه لها و تشكيكه بها، و كنت في طليعة الشباب السوريين الذين تطوعوا للحاق بتلك الثـورة، و كان في ذلك فاتحة للتعـاون و الحـوار مع مجموعـة عربيـة من الـرعيل القومي الأسبق كانت تلتقي في «النـادي العربي» في دمشق و مع مجموعـة على رأسها عفلق و البيطار و كانت تسمي نفسها «الاحيـاء العربي» و حـولت نفسهـا إلى «حـركة نصرة العـراق».. و ذهبتُ مع مجموعـة من الطـلاب العرب في الجامعة السورية إلى العراق و أنا أحمل توجيهات و توصيات من المجموعة الأولى و بیانات من المجموعة الثانيـة.. و في بغداد تعـاملتُ مع ممثلين لعـدة أجيـال من القـوميين العـرب الملتفـين حـول العـراق.. و هُـزمت تلك الثـورة، و تكرست أوضاع انحسرت بعدهـا تلك التوجهات التي كانت تُعوّل في آمالها التحريرية و التوحيدية على العراق، و كانت تجربة في حياتي عـدت منهـا إلى مرحلـة جديـدة …

في عـام ٤۳ تقدمت سورية خطوة جديـدة على طريـق الاستقـلال و عـادت إليهـا الحيـاة الدستورية و جـرت انتخابات نيابية و انتُخب ’’القـوتلي‘‘ رئيساً للجمهورية، و عـادت إلى دمشق و إلى جامعتها و إلى منتدياتهـا الثقافية و السياسية و مقاهيهـا نشاطاتها و صراعات التيارات الفكرية و السياسية، و تقدمت في الساحـة و العـلن نشاطـات الحركـة الشـيوعيـة، بتـراضٍ بن سلطـات الانتداب و بتفـاهمٍ مع الفئة الوطنية الحاكمة.. كان ذلك إبان تحالف الاتحـاد السوفياتي في الحـرب مـع الـدول الغربيـة ضد ألمانيا الهتلرية و دول المحور، و كان الجيش الأحمـر يتقدم من انتصار إلى انتصار، و صار للحركة الشيوعية هامش من الأصدقاء يتسع بين أوسـاط المثقفـين و الموظفـين و بين مجموعـات شجعت على النشـاط تحت تسميـات مكافحـة النـازيـة و التعـاون الديمقراطي و أنصار السـلام، كما تحركت و نشطت في مقابلهـا جماعات و تنظيمات مخا لفـة كحركة الإخوان المسلمين و الحزب القـومي السوري و غيرهـا، كما كان من الطبيعي أن يتحـرك في مواجهة ذلك كـله التيـار القـومي العـربي بين قديمه و جدیده  و من مواقع مختلفة، و فتـح النادي العربي أبوابـه للمحاضرات و المناظرات و لـرواده من القوميين التقليديـين و الجـدد.. و نشط من جديد الثنـائي ’’عفلق ، بيطار‘‘ و من حولهمـا مجموعة نشطة من المثقفين و الطـلاب، و قدمـا سلسلة من المحاضرات تحت عنوان «القومية العربية و موقفها من الشيوعية».. و لقد تفاعلنـا و رفاقنا في الجامعة مع هـذه الأجواء، و لكن بقيت لنـا مواقفنـا الناقـدة و الشكوكة بعـد التجـارب و الاحباطـات السابقة، و لـم نجـد إلا أن نقيـم لأنفسنا تجمعنـا القـومي العربي بين طـلاب الجامعـة ضم لفيفـاً من الطـلاب من مختلف الأقطـار العربيـة، و أخـذنا ننشط و نُبشر تحت اسم «الرابطـة العربيـة»، و فتحنـا مُدرج الجامعة الكبير للمحاضرات العامـة و النـدوات الخطـابيـة.. و تصـادف أن عقـدنـا مهرجـانـاً خطـابيـاً عـاماً في الدعــوة «للرابطـة العربيـة»، و ألقـيتُ في المناسبـة كلمة عـرضتُ فيهـا منظـورنا القـومي و أهـداف رابطتنـا و منهاجنـا، كما تجمعنـا في يومٍ آخر و في حشد مُتحمس لنستمع للأستاذ ميشيل عفلق يلقي خطبتـه القوميـة الفـذة ’’في ذكرى الرسول العربي‘‘، و لـم تمض أيام إلا و دُعيت للقـاء مع الأستاذ عفلق، و دار الحديـث بيننـا و انتهى إلى القـول: هـا نحن و إياكم نصب على طريقٍ واحدة و نحمل فكراً مشتركاً و نعمل لهدفٍ واحد، نحن نتعـاطف معكم و ننـاصركـم، و أنتم متحمسون لنـا و تنتصرون لنا ضد من يعادوننا و يقفون ضد أفكارنا، و هـذا كافٍ لأن يجعلنـا نصب جهودنا كلهـا في عملٍ و تنظيـمٍ موحـد.. و قال إننا نفكرُ في تأسيس حزب قومي جديد فهلا شاركتم منذ البداية بهذا التأسيس، فاستمهلت أياماً ثـم هيأتُ اجتماعاً لعفلق مع نخبـة من رفـاقـي الجامعيـين و طـرح أمامهم أفكـاره و دار نقـاش و انتهت أكثريتنـا إلى السير معـه، و هكذا قـامت في أواخـر ٤۳ أول مجموعـة لحـزب ’’البعث العـربي‘‘، و أخـذتْ تمتـد و تتسـع، و هكـذا أصبحت فكرتنـا القوميـة حـزباً سياسيـاً و مشروع عمل سياسي و نضالي من أجـل تحقيق تحريـر أقطار الأمة و وحدتها، و المشروع السياسي معياره الجدوى و مقدار مـا يفعله في الشعب و يشد إليه من حركة الجمـاهير.. و بقيتُ على ’’البعث‘‘ جيـلاً، و بعـده أخـذتُ في العمل القـومي بمشروع عبد الناصر، لأنني وجدته الأكثـر تقدمـاً و فعـلاً في حـركة نهـوض شعوب الأمـة، و الأكثـر مستقبليـة و الأكثـر جـدوى…

٤- مرحلة الخمسينات و اللقاء بين البعث و الناصرية.
مرحلة الستينات و التمايز بين أجنحة التيار القومي، البعث و الناصرية خصوصاً.

الخمسينـات و التـلاقي بين البعث و قيـادة عبد الناصر، ثـم بدايـة الستينـات حـيث كـان الاختـلاف و الافتراق و انقسامات التيار القومي، تلك حقبة من تاريخ أمتنا كانت حافلة بالأحداث و المتغيرات، عشت فيها تحولات أساسية في حيـاتي الفكريـة و السياسية.. إنهـا كانت بالفعل مرحلـة من المخاض الثـوري و من التثـويـر القـومي لشـعوب الأمــة .

فحقبة الخمسينات، شهدت أولاً ثـورة ٢٣ يوليـو و الصعود القـومي لجمال عبد الناصر في مصر بل و في الـوطن العـربي كلـه و في العالـم كقـائد لحركـة التحريـر العـربي، وشهـدت تأمـيم القنـال و حـرب السويس و وحـدة القطرين ثـم ثـورة ١٤ تمـوز في العـراق و سقوط النظـام الملكي منـه.. و كمـا شهـدت صعوداً بالمقابل لحزب البعث و في سورية بخاصة حيث دخل بقـوة ساحة العمل الوطني بعد سقوط حكم ’’أديب الشيشكلي‘‘ العسكري (شباط ٥٤)، و أصبحت للبعث قاعـدة شعبية عريضة بعد أن كان قـد انضم إليـه ’’أكرم الحوراني‘‘ و حزبه الاشتراكي، و حصل على ۱۷ مقعداً نيابياً في الانتخابات، كما أصبح لـه حضـوره القـومي داخل الجيش السوري و بین ضباطـه، و نشـطت بهـذا الصـعود أيضاً امتـدادات البعث القـوميـة في الأقطـار العـربيـة المجـاورة.. و في عـام ٥٥ انتقـلتُ في عملي المهني من مدينـة حمـاة إلى العاصمة دمشق، و صـار لي حضوري الفعـلي ضمن قيـادة حـزب البعث العـربي الاشـتراكي و صـرت أكتب و أُشرف على تحريـر جريـدة ’’البعث‘‘ الأسبوعية، أي أني عشت عملية التلاقي البعثي النـاصري من داخلهـا و کنتُ من صانعيهـا و الدافعـين لهـا إلى أن تمت الوحـدة و حُل الحزب في سورية و توقفت جريـدة البعث ثـم كلفت من قبل الرئيس عبد الناصر بإصدار ’’جريـدة الجمـاهير‘‘ إلى أن تعثرت الأمور و توقفت، كان آخـر مـا كتبت في جريـدتي في حزيران عـام ٥٩ تحت عنوان ’’الصمت موقـف‘‘ كتعبير عن الاحتجاج على تعثر عملية التـلاقي و الوحـدة و توحيد التيـار القومي و تنظيمه، و لكنني عندما وقـع الانفصال، و كنتُ يومهـا (أي في ۲۸ أيلول ٦١) خـارج القطر، عـدتُ لأقـاتل ضـدة في الصف الشعـبي الوحـدوي العـارم من ناصـري و بعثـي .

و بعد أن اغتيلت الوحـدة و حققت مؤامرة الانفصال أغراضها، تفجر حزب البعث أحزاباً و تفجرت قواعده الشعبية من حوله: ذهبت فئـة منـه إلى الانفصال و أيـدت حركة الانفصال و أعلنت العداء لإعادة الوحدة و العـداء لمصر عبد الناصر، و ذهـب الكثير من القـواعد الشعبيـة إلى الحـركات النـاصرية التي تقدمت في الساحة و أخـذت تنـادي بإعـادة الوحـدة و بقيادة عبد الناصر.. كان أن ذهبنا أولاً إلى ما سمي بحركة الوحدويين الاشتراكيين ثم إلى «الاتحـاد الاشتراكي العـربي»، الذي صرتُ فيما بعد، أميناً عامـاً لـه، و أما بقية القيادات و المجموعات الحزبيـة السابقة التي ظلت على ارتبـاط بالقيادة القومية و التنظـيم القومي للحزب فقـد حاولتّ إعـادة تشكيل الحـزب في سورية و أقـامتّـهُ من جديـد في منهـج مـذبـذب بین مُداراة التيـار الشعبي الوحـدوي المتحرك بقـوة و إعـلان محـاربتهـا للانفصال و المنـاداة بتجـديـد وحـدة القطرين كوحـدة ’’اتحادية‘‘ و بین القـول بالتجربة الخاصة و النهـج البعثي المتميز و نقـد تجـربة الوحـدة و الهجـوم على (دكتـاتورية) عبد الناصر، بينما كانت قـد تكتلت مجموعة عسكرية بعثية و نظمت نفسها داخل الجيش متهيئـة للانقضاض على السلطة الانفصاليـة المتهاويـة و اسـتلام السلطة و ظلت ترصد مـا يؤول إليه تشكيل البعث ليكون واجهة مدنية لهـا.. و بقيتُ مع مجموعة من الرفاق نقاتل هنا و هناك، في هـذا الصف و ذاك، بين القـوى و الحركات النـاصرية و بین حركة البعث القومية المتشكلة في محاولات حثيثـة لـرأب الصدع و توحيد التيـار الوحـدوي في جبهة قومية واحـدة، الأمر الذي كان في نظرنا لا بـد منـه لتجديـد المسار الوحـدوي للأمـة، و ظـللتُ كذلك إلى أن قامت ثـورة ٨ شباط البعثيـة في العراق ثـم لحقتهـا ثورة ٨ آذار في سورية، و جرت محادثات الوحـدة الثـلاثية في القاهرة ثـم التـوقيـع على ميثاقهـا في ۱۷ نيسان عـام ٦۳ ثـم كان التحول عنه و تكريس الانقسام في التيار القومي و افتراق طريـق البعث عن طريـق النـاصريين و عبد الناصر و أخـذتُ عنـدهــا طـريــق عبد الناصر .

لقـد قال عبد الناصر بعـد تلك التجربـة المُـرة مع البعثيين: ’’إن ثورتنـا القوميـة لا بـد أن تسـير على طريق واحـدة، و أن لا سبيل إلى إنجاز مهماتها و تجديد مسارها الوحدوي مـا لـم يتوحد التيار القومي و مـا لـم تلتـقِ القـوى التقدمية للنضال العربي في جبهة واحـدة، و نادى للتجمع في «حركة عربية واحدة» و ذلك شـعار بقي دليـلاً أمامنـا‘‘.. أمـا البعث الجديـد الذي أمسك بالسلطـة و الحكم في العراق و سورية فقـد نادی بالتمـايـز و قـال بالتجربة الثـورية الخـاصة و إنـه الطريـق و إنـه الحـزب القـائـد .

و ليس  تیـار هـذا البعث هـو الـذي افتـرق عن النـاصرية و عن طريـق عبد الناصر القـومي، بـل و افتـرق من بعـده تیـار حركـة القـوميين العرب حين تمركست تلك الحركـة و قـالت بعـدد البـؤر الثـوريـة و التجـارب و نادت بالثـورة البروليتـاريـة ضد ثـورة ’’البرجـوازيـة الصغيرة‘‘ كما تمركس غيـرهـا من الفئـات البعثيـة و غيـر البعثيـة التي أخـذت تنشق، و انقسم البعث بعـوثـاً و قـام باسمه نظـامـان قطـريـان منفصـلان لا نظـام عـربي مـوحــد.

كل مـا أستطيع أن أقـولـه الآن لألـخص و أستـلخص هـو أن مـرحـلـة الخمسـينـات كـانت من أروع المراحل في حياتنـا السياسـية و القـوميـة.. و إن تلاقي البعث مع النـاصرية كان عاملاً إيجابيـاً في الدفـع بخطواتهـا إلى الأمام، و إن البعث أعطى في تلك المرحلة أكبر عطاء لحركة القومية العربية و الوحدة.. إنهـا مرحلة أحسسنا فيها و كأن أبـواب التاريخ أصبحت مفتوحة أمامنا و أن أهدافنـا الكبرى أصبحت في متنـاول إرادتنـا.. إنهـا مرحـلـة أعطت نهـوضاً عـربيـاً ثـوريـاً و تحـرريـاً في كل المواقع العربية، بل و تجاوزها إلى غيرها، إنها أعطت و حدة القطرين عام ٥٨، تلك الوحدة التي تظل رائدة، و ثورت شعوب الأمة من حولهـا، بل و مدت آثارهـا إلى غيرهـا.. و كان في الممكن أن تعطي أكثر و تمتد، و كانت تلك فرصة تاريخيـة لأمتنـا أتـاحت فرصاً بعدهـا.. و كان من بين مـا أضاع تلك الفـرص و قـوتهـا انقسامات القـوى الوطنيـة العـربيـة و تقـاسم التيـار القـومي و التطلعات السلطوية و المطامع الآنيـة لدى العديد من القيـادات.. و لكنهـا تبقى تُـقـدم لنـا دروسـاً و تكشف عن ثـوابت و منطلقـات لا استغنــاء عنهــا .

٥- الأسباب الجوهرية في الانكفاء الحالي للفكر القومي

إذا كان هناك انكفـاء للفكر القومي حاليـاً، فأنـا لا أراه على صعيد النخب الثقـافيـة و رجـال الفكـر و المعرفـة العـرب، بمقـدار مـا هـو على صعيد المجتمع و العـلاقات الاجتماعيـة، أي في الـوعي السياسي العـام للشعوب و لعـلاقاتها بنظمها الحاكمة.. إن حركات التحرر العربي بعـد أن تقدمت أشواطاً بعدد من المجتمعـات العربية على طريـق تجـاوز بُناهـا و تكويناتهـا و عصبياتهـا و أيديولوجياتها مـا قبل القوميـة و نهضت في إطـار مشـروع عـام للتحـرر الـوطني و الاستقـلال و إقـامـة حكـم وطنـي و تجمـع وطنـي ديمقراطي، و الذي جـاء مُلازماً لمشروع نهوض قـومي و وحـدة قـوميـة، و الذي أعطى في الخمسينات مـا أعطـاه من نهوض شعبي عربي بحركة القومية العربية في تلك الحقبة التاريخيـة التي نسميها بالحقبة النـاصرية.. لقـد كانت حركـة تقـدم قـومي فكراً و ممارسـة، اجتماعيـاً و سياسيـاً، و لكنهـا الحـركـة التي واجهت أخطر ما يمكن أن تواجهه حركة تحرر قومي، من أعداء و ضغوط و مؤامرات و تهديدات، من الاستعمار و قوى السيطرة العالمية قديمها و جديدها، و من إقامة الكيان الصهيوني الاستيطاني التوسعي في أواسطها و قِـبَلها، و من مقاومات القوى الرجعية و المحافظة لها في داخلها، و لكن هذا لم يكن وحده سبب التراجـع و الانكفـاء و لربمـا كانت تلك الأخطـار و التحديات الخارجية حافـزاً لتقدمهـا.. فلقد كانت لهـا قصوراتها الذاتية أيضاً، سواء في تقـدم حركة الـوعي و الأفكـار، أو من التقدم ديمقراطيـاً في بنـاهـا السياسية و الاجتماعية بالقدر الـذي يُصلب عودهـا في مواجهة التحديات الخارجية و الحروب العدوانية، أو في مواجهـة النكسات و حـركـات الـردة من داخلهــــا .

البعض يقفـون عند هـزيمة حزيران ٦٧، على أن صدمتهـا كانت السبب الجوهري في تراجع حركة القومية العربيـة و انكفـاء فكـرنا القـومي.. و أنـا لا أذهب هـذا المذهب؛ الحـق أن هزيمـة حزيران كانت نكسـة و حـادثـاً كاشفـاً، و هي ما هزمت إلا نمطاً من التفكير و طرازاً من القيادات و من البنى السياسية و العسكرية و المجتمعية أيضاً لـم تكن في مستوي مواجهـة التحديات التي اعترضت سبيلهـا و المهمـات التي ألقيت على عاتقهـا، أمـا حركـة الشعوب فقـد ظلت ثابتـة عنـد أهـدافهـا القوميـة، تطـالب بالمراجعـة و التغيير و تطـالب بالتصدي و مواصلة المسيرة.. و لقـد قـام بالفعل نـمط من المراجعـة و التغيير و من إعادة البناء في بعض المواقع، و بخاصة في مصر عبد الناصر، لكن ذلك لـم يُستتبع و لم يتعمم، و ذهب عبد الناصر و منهج عبد الناصر المُتجدد و جـاءت الردة و تلك النظم القطريـة المُرتـدة باستبداديتها ضد شعوبهـا و مجتمعاتهـا الشعبية.. و الأنكى أنهـا جـاءت من داخل النظـم و الحـركات التي تقـول بالقـوميـة العـربيـة و تحمل شعـارات الفكـر القـومي والـوحـدة.. و الأنكى أيضاً أنهـا، و هي التي كرسـت الهزيمـة و الفكـر الانهزامي و أعـادت الأمـة إلى أطـر الانقسام و التابعيـة، تظل تقف بالأمـة عنـد أعتـاب حـرب حزيران تلك و كأنهـا كانت النهـايـة، للتغطيـة على ردتهـا و تبـريـرهــا نهجهــا الـراهـــن .

لقـد كُتب الكثير و قيل الكثير عن تلك النظم القطرية العربية و كيف قامت و كيف تمكنت و تحولت، و عن الـدور السلبي الـذي أدتـه و تؤديـه في إحبـاط حـركـة نهـوض مجتمعاتهـا و تفكـيك عُـرى لحمتهـا الوطنيـة و إحبـاط حركـة نهوضنا القـومي و تـلاحم قـوى الأمـة، و ليس عندي مـا أضيفـه، و إنمـا أقـف عنـد نتيجتـين من نتـائـج هـذه المسـيرة المُتـراجعــــة .

أولاهمـا أن تلك النظـم ’’القـطريـة‘‘ ظـلت تغـطي على نهجهــا الانتهـازي و الـلاديمقـراطي، و على سياساتهـا الخفيـة و ممارساتهـا الفعليـة بشعـارات و دعـايـات إعـلاميـة تحمل شعـارات القوميـة العربيـة و أفكارها الساميـة و مقولاتها و كأنها هي التعبير عنها – أو بالأحرى التعبير عن فشلها.. أي أنها جعلت من الأيديولوجيـا القوميـة التي تتزين بهـا أيديولوجيـا زائـفـة لا تتطـابق مـع الـواقـع والممـارسـة، الأمـر الذي سبب شرخـاً و استـلابـاً في وعي الجمـاهير الشعبية، الأمـر الـذي جعلهـا تكفر بكثير من الشعارات و الأهداف التي كانت تتمسك بهــا و تجــري ورائهـــا – .

و ثانيهمـا أن تلك النظم بعـد كل مـا أوقعتـه من تفـكك في المجتمـع و الـروابـط الاجتمـاعيـة لإحـكام سـيطرتهـا، و بعـد كل مـا فرضته من ضبط و إلغـاء للحريـات الفكـريـة و السياسيـة التي تصوغ اللحمـة الاجتماعية الحديثـة للمجتمع ، قـد جعلت جمـاهير الشعب ترتد أيضاً للاحتماء بمواقعهما التقليدية السلفية و أيديولوجياتها ما قبل القومية، دفاعـاً في وجـه عسف النظم و أدلجتها الزائفة، و في وجه الغزو الثقافي الآتي من الخارج، و هـذا مـا جعل المجال الشعبي رحبـاً أمام الدعوات الأصوليـة و الفوضوية و غيرهـا من الدعـوات الجهـويـة أو الانقسـاميـــة .

و لكن هذا كله إذا كان تعبيراً عن واقعنا المأزوم فإنه لـم يقدم و لا يقدم مخرجـاً أو بديلاً، و لا يمكن لهذه الحـال من تعثرنا القومي و من غيابنـا عن مسرح الأحداث العالمية و أحداث منطقتنا كأمة مترابطة و تجمعها وحـدة المصلحة و المصير أن تـدوم، إلا إذا كان قـد كتب على أمتنا أن تندثر أو أن تستسلم لما يـريـده أعداؤهـا من تشتت و من كيـانـات هـزيلـة و خـاضعـة للتـابعيـــة .

لن أتحدث فوق هذا عن بوادر اليقظة الفكرية القومية التي تتصاعـد لدى طلائعنـا الفكريـة و الثقافيـة الجديـدة أو المجددة، بل أتي هنـا بالقـول: إنـه بمقدار ما يبـدو الفكر العـربي منكفئـاً في ساحـة السياسـات الرسمية، و مقـدار مـا تبدو الوحـدة العربيـة من خلال هذا الواقع بعيدة أو مستبعدة، فإنني أراهـا و كأنهـا أصبحت الضرورة و المخرج الـذي لا بديل عنـه، لا كمخرج و حـل لأزمتنا المُطّبقة، بل و تدور لأمتنـا أصبـح ضرورة أيضاً في التـوازن العـالمي و في إقـامـة السـلام و الاسـتقرار في المنطقــة .

٦- تلخيص التجربة السياسية الشخصية

من الصعب أن أُقـدم تلخيصـاً للتجـربـة السياسـية الشخصيـة و أن أجملهـا في سـطور، فهي لـم تكـن تجربة واحدة أو لمرحلة معينة لأستخلص دروسها و أقدم موعظتها بل هي تاريخ مسيرة حياة لم تتوقف، فأنا لم أتقاعـد بعـد و ما زلت أُمسك بمشروع عمل وطني ديمقراطي و ما زلت أتمسك بمشروع نهوضنا القـومي المتطـلـع لـوحـدة الأمـة، و مـا زلت أحـاول استيعـاب مـا يجـري من متغيـرات في العـالـم و في مجتمعاتنـا العربيـة، ليكون وعينـا السـياسي مطـابقـاً و لنمضي بمشاريعنـا على طـريـق مجـديـــة .

فليس هناك إذا من نهايـة لمطـاف أقـف عنده و أقـول هـذه تجربتي، و لـو أن النهايـة في مثل حـالتي يمكن أن تكــون غــــداً !

كان ’’كیركغارد‘‘ قـد قال «فقط يـوم الدينونـة يستطيع أن يعطي حكمـاً على مسـار التاريـخ» ، و إذا لـم يكن من المقبول الأخـذ بهـذا الخيـال الميتـافيزيـقي لأطبقـه على السـيرة الشخصيـة و تاريخهـا، فإنهـا حكمـة أقـف عنـدهـــا .

و في السياسـة، و إذا ما أخذنـا بهـا، كما قلت في البداية، من حيث أنها علـم الإرادة، فإننا نجد أنفسنا و في أعقـاب أيـة مرحلة قطعناهـا مطالبين بمراجعـة نقديـة لمسارنا على ضوء مـا أعطته التجربة الحية و معـاندات الواقـع لما أردنـاه و لـم نستطعـه.. و إذا كان الإنسان قـد راكم على طريق المعرفة جملة من المعلومات و التجارب و الخبرات، فإننـا في السياسـة نجـد أنفسنـا و في كل مرحلـة و كأننـا أمـام عمليـة اختراق جديـدة لواقـع الظلـم و الاستبـداد، واقـع التجزئـة و التخـلف الـذي يعـود و ينتصب أمامنـا، و من تلك الاختراقات ما حمل شعارات الثورة و التغيير الثوري، و قال بحرق المراحل لبلوغ الهدف المرجو، و لكن الثورة ما كانت تلبث أن تستحيل إلى نظـام تسلط على المجتمع الشعبي بدلاً من التقدم الديمقراطي بالمجتمع و إلى بيروقـراطيـة حـاكمـة و أجهـزة و إلى مكاسب في الحكـم لفئـة لا يعـود همهـا إلا تكريس استمراريتهـا في السلطـة و ركـوبهـا على المجتمـع المـدني و إخضـاعـه، و بذلك تقطـع طريـق التجـديـد و طـريـــق التقــــدم .

و إذا كان لي أن أستخلص من التجربة السياسية بعـد ذلك فكـرة أقـولهـا، فهي الوقـوف عندما تكشفه مراجعة تلك التجربة من قصورات كانت، فكـراً أو ممارسـة، في البنـاء الديمقـراطي في عملنـا السياسي و لحركاتنـا السياسية الوطنية و القوميـة، و لدورهما في التقـدم بالمجتمع و تحديثه و تأسيس الديمقراطية و الحريات الديمقراطية في روابطـه و علاقاتـه و تعبيراتـه لتكون السيادة للشعب في مجموعه، و ليكون فعـلاً لا قـولاً هـو المُعلـم و القـائد، و لا يقـوى على التحكم به حزب واحـد و لا على تسلط فئـة عليــه .

و الدرس الذي يمكن أن تُعلمنـا إيـاه التجربـة و مسار التاريخ السياسي لقطرنا و لأمتنا العربية – منذ خمسـين عـامـاً و حتى اليـوم – هـو أننـا لـم نتقـدم في أيـة مـرحـلــة أو أيـة خطـوة نـاجحـة على طـريـق التحـرر و التقـدم و الـوحـدة، إلا عنـدما كان هنـاك نهـوض شعبي و إرادة شعبيـة جماعيـة تتحـرك وراء مطـلب و تـدفـع نحـو هـدف .

أمـا مـا يطالبنـا به هـذا الاستخـلاص أو التعـلـم من التجربـة الخاصة و من تجـارب الآخرين، و من الدروس والعبـر التي تضعها أمامنـا الانهيارات الكثيرة و الكبيرة التي تتلاحق في العالم للإمبراطوريات و النظم الشموليـة و الديكتاتوريات، فضلاً عن العثـار الكبير الـذي يتعثـر أمامـه بلدنـا و عالمنـا العربي، و مـا يطالبنـا بـه من منهجيـة ديمقراطيـة في ممـارسـة عملنـا الـوطنـي و القــومــي .

و في ختام هـذا الحديث، و إذ هـو يدور أكثر ما يدور حول تجربتنـا في العمل القـومي العـربي، أود الوقـوف عند فكرة أستخلصها من تجربتنـا و تجـربـة غيرنـا، أمام مـا نحسـه اليـوم من ضرورة لتحـرك عربي جديـد يهدف إلى بناء وحدة الأمة و قوة الوحدة، و أمام ما نشهده على مسرح الأحداث الجارية في العـالم من يقظـة قومية و من انبعاث جديد لقوميات حسبنا أنها اندثرت أو أنها اندمجت بغيرها في صيغة أو أخرى و تجاوزتها حركة التاريخ.. و هي فكرة تطرحها علينا تجربة تراجعنا القومي في ظل القطرية و نظـم الاستبـداد، كمـا تطرحهـا المسارات الصعبـة التي تواجههـا تلك العــودة للقـوميـــات  .

إن الشعوب التي سبقتنا في مضمـار التقدم و نجحت في صياغـة الوحدة القومية و إنهاء توحيد فئاتها و أطرافها، و في إقامة دولتها القومية الموحـدة كدولة للأمة و كأمة – دولة، كانت تلك الوحدة سبيلها إلى إشاعـة الديمقراطية السياسية و الاجتماعية في أرجائها و تثبيت دعائم نظمها الديمقراطية الحديثة، و هذا مـا ينطبق على أكثر دول أوربا الغربيـة و الشماليـة التي ظلت راسخة و مستقرة رغـم كل مـا جـرى في العـالم طوال هـذا القرن من حروب و متغيرات.. أما بالنسبة لنا كعرب فالذي نلمسه بعد المعاناة الطويلة و التجارب المريـرة، أن لا سبيل لنـا إلا أن تأتي الديمقراطيـة السياسية بدايـةً، فالتغيير الديمقراطي داخل كل قطر أصبح مدخـلاً لا بديل عنه للتقدم بمجتمعاتنا المدنية و إطلاق الإرادة الحرة الشعوب و مبادراتها للتقـدم على طـريـق الوحـدة القوميـة و إقامـة دولـة الأمـة الحــرة الديمقراطيــة المـوحـــدة .