الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

جاسم علوان: بهؤلاء الرجال الذين يخرجون بالمظاهرات سيسقط حكم الطاغية

الحرية أولا: خاص/ أحمد مظهر سعدو

تعود بنا الذاكرة إلى سبع وخمسين عامًا خلت، يوم قامت مجموعة من الضباط الأحرار الوحدويين في سورية بتاريخ 18 تموز/ يوليو 1963. بقيادة اللواء جاسم علوان، القائد الوحدوي من أجل إعادة تصويب ما انحرفت به وعبره قيادات بعثية في سدة الحكم، وهذا الرجل يعتبر من القامات الوطنية والعربية ذات الأهمية التي تم تغييبها بعد ذلك، وحرمت من العودة إلى وطنها لعقود متتابعة. اليوم وفي ذكرى حركة جاسم علوان نتوقف قليلًا مع شخصية وطنية قريبة منه هو السيد جمال علوان ابن أخ الراحل جاسم علوان/أبو جهاد. ونسأله بعض المسائل التي تهمنا وتهم القارئ الوحدوي ليعرف شيئًا عن ذاك القائد الذي ترك الأثر قبل أن يرحل مع بدايات ثورة الحرية والكرامة. وقد وجه موقع (الحرية أولاً) بعض الأسئلة والتي تتمحور حول الآتي:

تعلمون أن القائد الوطني والعربي جاسم علوان تم تغييبه قسرًا من قبل نظام الإجرام الأسدي. لذلك نود أن يكون حديثنا حول هذه القامة الوطنية. فهل تعرفون الراحل عن كثب؟ وما انطباعاتكم عنه؟ كذلك وفي الفترة التي كان فيها مغيبًا في مصر، ماذا كانت نشاطاته الوطنية حسب علمكم؟

ومتى عاد إلى سورية؟ وكيف كان ينظر إلى المجرم الأسدي الأب ومن ثم الابن.؟ وماذا فعل شبيحة النظام مع بدء الثورة في منزل جاسم علوان في دير الزور؟ ولماذا كان ذلك برأيكم؟ وهل عرفتم رؤيته للثورة السورية ثورة الحرية والكرامة؟ باعتباره توفي بعد انطلاق الثورة حسب ما نعرف بفترة قصيرة؟ وأين تقيم أسرته هذه الأيام؟ وكيف ينظر أهل دير الزور الوطنيين الثوريين لهذه القامة ودورها في مواجهة الطغاة؟ وكيف تربطون بين ثورتنا المباركة ودور هذه الشخصيات التاريخية لمواجهة المجرمين من آل الأسد والسلطة المتغولة على الناس.؟ وهل من كلام تقولونه لنا ولا نعرفه عن الراحل جاسم علوان.؟

حيث انبرى السيد جمال علوان للإجابة قائلاً: ” كنا أصدقاء أكثر من عم وابن أخيه، وكنا نجلس نناقش أمورًا كثيرة. وتعرفون أنه كان أمينًا عاما للاتحاد الاشتراكي في المنفى، وهذا كان بمثابة تكريم من زملائه وأحبائه. وهو لم يقبل القيادة من الخارج وكان يقول: “أنا عسكري والعسكري يجب أن لا يتحزَّب، بل يجب أن يبقى حاميًا لوطنه، ولا يتبع أي أجندة، أو حزب، ليحمي وطنه، وعندما يتحزب الجيش يقتل من هم من غير حزبه، بينما سلاحه يجب أن يكون لحماية الشعب وليس لحماية الحزب، كما فعل المقبور حافظ الأسد حيث حزَّب الجيش فقتل الشعب.” لقد كان هذا كلامه.  وعندما ذهب إلى مصر كان يقول: فُتحت لي الأبواب فتعرفت على كثير من الكتاب، وأصبح عضوًا في نادي الكتاب المصري، وكانوا ينادونه بالرمز، حيث يعتبره المصريون رمز الوحدة، وحدثني عن طرفه مع أحد الضباط المصريين وكان الضابط برتبة عميد وهو طبيب في المشفى العسكري، دخل على الضابط للمعاينة، فعندما سأله الضابط المصري عن الاسم قال له جاسم علوان من (سورية) هكذا كان دائمًا يعرف عن نفسه، رغم أن لديه الجنسية المصرية التي أعطاه إياها الرئيس جمال عبد الناصر. يقول ما رأيت إلا ووقف الضابط الطبيب وأدى التحية العسكرية.  قال له (أبو جهاد) لماذا تحييني هذه التحية العسكرية فأنا مدني، وأنت عسكري، وهذا لا يجوز بالعسكرية. قال الضابط أنت رمز لكل الوحدويين، زيك زي جمال عبد الناصر، وأنا معجب جدًا بشخصيتك، من خلال ما قرأت عنك، ولم أرك، وكنت أتمنى أن أراك. ”

ثم أردف جمال علوان قائلاً” عاد أبو جهاد إلى سورية عام 2005 من خلال وساطة بين مصطفى طلاس والسفير الجزائري بدمشق. حيث التقى أبو جهاد بالسفير الجزائري في القاهرة، وكانت تربطهم صداقة، وفي أحد المؤتمرات للكتاب المصريين والوحدويين ألقى أبو جهاد كلمة، وبعد الكلمة، أحس السفير بمدى شوقه وحبه لبلده سورية، من خلال كلمته.  طلب منه السفير الجزائري أن يسمح له بالقيام بالوساطة لدى بشار الأسد، وكان ذلك، عندما التقى وزير الدفاع مصطفى طلاس وتكلموا مع بشار الأسد، ووافق سنة 2002 مع بدايات حكم المعتوه، وتأخرت العودة أكثر من سنة بسبب كلمة قالها أبو جهاد عن حافظ الأسد، في برنامج شاهد على العصر مع أحمد منصور، عندما سأل أبو جهاد عن حافظ المقبور، من أنه كان مميزًا في الكلية الحربية، باعتبار أن أبو جهاد كان مدرسًا للمقبور في الكلية الحربية، هو وأيضًا مصطفى طلاس معه. فقد قال أبو جهاد في البرنامج أنه لم يكن مميزًا، ولم يكن له أي شي يميزه سوى أنه علوي. فتأخرت عودته حتى 2005 لأن هذا الكلام الذي قاله لم يعجب القيادة السورية.

عندما قال له السفير الجزائري هذا الكلام، يا أبو جهاد لماذا لم تسايرهم في كلامك. قال أبو جهاد كلمة جميلة “إذا كانت عودتي للمداهنة والنفاق فلا حاجة لي بالعودة “.

وعند عودة الوساطة من مصطفى طلاس تمت الموافقة. بعد عودته لدمشق استقبله (آصف شوكت) والتقى به المعتوه في فندق الشام بدمشق لمدة ساعة وكانت جلسة سرية.

يقول أبو جهاد أن المعتوه أبدى إعجابه واحترامه بشخصية جاسم علوان وهذ الكلام أول مرة أبوح به لأنه طلب مني عدم التكلم بهذا، لأنه طلب منه بشار الأسد أن لا يتكلم عن زيارة المعتوه له. ويقول جمال علوان (كنت أنا بيت أسراره لأبو جهاد). أما ما كان يقوله أبو جهاد عن بشار الأسد، فكان يقول عنه أنه ولد وليس له علاقة بالحكم، فهو مريض، من خلال لقائه به.”

أما عن تكسير المنزل الخاص بأبو جهاد، فالحقيقة أنهم يحملون الحقد الدفين، والمنزل كان منزلنا الذي نسكن فيه أيامها كنا خارج المنزل، كنا مطاردين من قبل النظام، بسبب أنه حصل فيه أول لقاء للثوار في دير الزور للعمل على مواجهة عصابات الأسد، نعم كان اللقاء في منزل جاسم علوان ومنزلنا بالضرورة الذي كسروه.” ثم أضاف ” الجميل في هذا اللقاء أنه لم يكن معنا فيه سوى سلاح (بمبكشن)، والثوار من أهل حي الجورة لديهم بارودة صيد واحدة، كان يحملها أحد الثوار، وكان ملثمًا، ومن حي العرضي جاؤوا بمسدس، وسكاكين و(دنميت) صنع يدوي.

وفي اليوم التالي جاءت عصابات الغدر مدعمة بالعربات المجنزرة وأكثر من 200 عسكري وزاد الحقد عندما علموا أن هذا المنزل لجاسم علوان، فقاموا بتمزيق صور أبو جهاد مع صدام حسين، وجمال عبد الناصر رحمهما الله. فقد مزقوها بالشارع، وبعد فتره ومع بداية قصف الطيران تم قصف المنزل وساووه بالأرض فهم كانوا يخافون من ذكر اسم جاسم علوان.

مع بداية الثورة كان يقول: بهؤلاء الرجال الذين يخرجون بالمظاهرات سيسقط حكم الطاغية. فقد وصفهم بأنهم أقوى من كل الأسلحة. هذا كلامه، فلديهم قلوب ستجابه الدبابات، لكنه حذر من الاستعانة بالروس والايرانيين الذين كانوا يسيطرون على كل قرارات الأب وأجهزته الأمنية، وهذا ما حصل باستعانة بشار بهم. وأيضًا حذر أبو جهاد من ألاعيب المخابرات ودخولهم بين الثوار،

وهذا الكلام حصل بحضور رياض الدرار متزعم حزب سورية الديمقراطي الكردي.” يقول جمال علوان: ” أفرج النظام عن رياض الدرار وأحمد طعمة وجماعة إعلان دمشق، ليدخلوا بين الثوار ومن ثم يحرفون مسار الثورة، فخروجهم من السجن لعبة مخابراتية. ليتزعموا الثوار من خلال أنهم معارضة خارجية. كما أفرجوا عن البغدادي وأتباعه من سجن بوكا ليضربوا الإسلام.

وحصل ما حذر منه أبو جهاد من خلال معرفته بالمقبور وأجهزته المخابراتية وتبعيتها. عندما ودعت أبو جهاد في المغادرة الأخيرة قال لي إنه لن يستطيع العودة لورود معلومات سرية من خلال الشرفاء أن الطاغية وزبانيته يرتبون الأمور لاعتقاله خوفًا من التحركات التي كان يقوم بها أثناء عودته ولقاءاته مع شيوخ العشائر، أمثال أبناء عبد العزيز المسلط وممثله نواف البشير، طبعًا قبل تقبيله الحذاء العسكري، والتقى بالطبع بقيادات حزب الاتحاد الاشتراكي في حلب وحمص ودمشق، وأنا كنت معه، ومنهم من جاء إلينا إلى دير الزور.”

أما عن عائلة جاسم علوان فقال : “عائلته تسكن في القاهرة في البيت الذي أعطاه إياه جمال عبد الناصر، ولديه ابن اسمه جهاد وثلاث بنات مازالوا يتقاضون راتبه الذي منحه إياه جمال عبد الناصر  كراتب وزير متقاعد وهو اللاجئ السياسي الوحيد الذي سجل المنزل باسمه في العقارات وكرم من قبل أنور السادات بزيادة راتبه، وإبقاء كل الامتيازات الممنوحة له، وزادها علاوات ولكن عندما تولى حسني مبارك قام بسحب السيارة والمرافقة وتخفيض راتبه وشدد عليه المراقبة والتحركات بتوصية من المقبور، وحاول اغتياله المقبور في مصر، بعد أن أخبر ياسر عرفات أن (المقبور ) يجهز لك بالفعل فبعد فترة من التحذير لياسر عرفات، تم إدخال عبوة ناسفة عن طريق حارس المبنى بأكياس الخضار ونجى من محاولة الاغتيال بعد اعتراف الحارس.” وعن دير الزور يقول جمال:”  أهل دير الزور كما عهدهم العالم أهل النخوة والشهامة فقد استقبله أهل دير الزور استقبال الفاتحين خرج جميع الشرفاء بدير الزور إلى منطقة البانوراما وانتظروه عدة ساعات رغم الحر الشديد والأمن الذي كان يراقب المكان وخاطروا بأنفسهم وانزلوه من منطقة البانوراما بمسيرة مهيبة حضرها كبار شرفاء دير الزور وقدر عددهم يومها بأكثر من 50 ألف، فأهل دير الزور يقدرون رجالهم كما عهدناهم  وإلى الآن” ثم قال: “جاسم علوان رجل بسيط كان متواضع جدًا يحب أهل بلده عشقه ومبدئه الوحدة العربية، وكان يأمل بأن تعود. كان رياضيًا حتى وفاته يمارس الرياضة الصباحية ساعة مشي كل يوم بعد الفجر، نومه الساعة العاشرة مساءً. وقد روى لي طرفة أنه كان باجتماع مع الرئيس أمين الحافظ مساءً وتأخر بالاجتماع حتى الساعة العاشرة، وبقي الاجتماع واستمر فقام أبو جهاد من الاجتماع واستأذن الرئيس قال له سيدي الرئيس صار وقت نومي. قام وغادر الاجتماع وطلب منه الرئيس البقاء، فقال سيدي هذا وقت راحتي. ثم رواها أمين الحافظ وهو يضحك في شاهد على العصر.

وسئل أمين الحافظ في شهادته على العصر لماذا أعدمت كل من رفع عليك السلاح من الانقلابيين إلا جاسم علوان؟ قال: جاسم أولًا كنت أحبه لأنه من أصحاب الأيدي البيضاء التي لم تلوث، وجاسم علوان أبلغني أنه سيقوم بانقلاب علي وأنا ظننته يمزح وبالفعل عملها، وكان انقلاب تحدي للقيادة، وقام به نهارًا جهارًا وهذا ما حببني فيه وكان رجلًا لا يهاب أحد.


أحمد مظهر سعدو:

كاتب صحافي سوري، رئيس القسم السياسي في صحيفة إشراق