الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

تصاعد الخطاب (الهُويّاتي) في الحالة السورية

الكاتب : حسن النيفي

لقد جسّدت ثورات الربيع العربي نزوعاً شعبياً عارماً نحو التحرر واستعادة الحقوق المُغتَصبة، كذلك جسّدت تلك الثورات يقظةً في الوعي مكّنت الشعب المقموع من إدراك حالة الموات السياسي والاجتماعي التي دأبت الأنظمة الحاكمة على مراكمتها خلال عقود من الزمن. إلّا أن تلك اليقظة على مستوى الوعي، حملت في طيّاتها في الوقت ذاته – وفي الحالة السورية على وجه الخصوص – أسئلة كثيرة تبعث على القلق، كانت السمة (الهوياتية) هي الطاغية عليها، ولعل تلك الأسئلة تحوّلت فيما بعد، إلى حالة من التدافع البيني أسهم في تشظي المعركة (الأم) وجعلها تتخذ معارك هامشية، بل ربما باتت تلك المعارك عبئاً على ثورة السوريين، فضلاً عن كونها أحدثت شرخاً لا يمكن تجاهل تداعياته المقيتة في جسد الثورة.

وفي الوقت الذي يعزو فيه البعض بروز الأسئلة ( الهوياتية) إلى غياب أو عدم تبلور لمفهوم (الوطنية السورية)، أو غياب العقد الاجتماعي الناظم للعلاقة بين المواطنين، بسبب وجود سلطة قامعة لإرادة السوريين طيلة نصف قرن، إلّا أن البعض الآخر لا يرى في مفهوم الوطنية بديلاً عن سؤال (الهويّة المُغيَّبة) أو المُهمَّشة، وبالتالي لم تعد المواجهة قائمة بين شعب يطالب بالتحرر من الظلم والاستعباد ويسعى لاستعادة حريته وحقوقه المشروعة وبناء دولة العدالة والقانون والديمقراطية فحسب، بل إضافة إلى ذلك، ظهرت مواجهات أخرى تقف وراءها شرائح اجتماعية تدّعي أن مظلومياتها هي ذات طابع مركّب، وبالتالي لا تثق هذه الشرائح بالاصطفاف الكلّي أو التماهي مع خطاب الثورة، ما لم ترَ في متن هذا الخطاب ما يضمن لها التأكيد على حقوقها، وضمانة مستقبلها، ولعل هذا ما أتاح لنا رؤية أكثر من خطاب سياسي في موازاة خطاب الثورة، منها ما هو قومي- عربي – كردي – تركماني، ومنها ما هو ديني – سني – علوي – مسيحي إلخ.

اللافت في الأمر أن تصاعد المظلوميات لدى البعض لم يعد موجّها باتجاه طرف محدّد، بل باتت حمولة المظلومية تتطاير شرراً لتطال عدّة أطراف، لعلّ الطرف الأبرز فيها هو المكوّن العربي، وذلك لأسباب عدّة، لعل أكثرها شيوعًا:

1 – كون العرب يشكلون النسبة الغالبة من السكان في سورية.

2 – كون النظام الحاكم في سورية كان يتلطّى خلف فكرة العروبة، ويتخذ من القضايا العربية شعارات يخفي تحتها جميع ممارساته القمعية والوحشية.

وبالتالي بات من المستساغ لدى العديد من الأصوات أن يتحمّل المكوّن العربي جميع جرائر النظام الحاكم، بل ربما بات مُطالباً أكثر من سواه بالاعتراف بجريرته إلى درجة (جلْد الذات) حتى يحظى بثقة الآخرين، بل ربما ذهبت بعض القوى السياسية ذات المنحى الإيديولوجي الأقلّوي والطائفي إلى اتهام العرب السوريين بالتماهي مع قوى التطرف والإرهاب، وذلك تأسيساً على الجغرافية التي كانت تتموضع فيها الجماعات الإرهابية كتنظيم داعش ومشتقاته.

وحيال هذا المشهد المسموم الذي تَوفّر له من يعمل على تعزيزه ورفْده بالمزيد من نواح المظلوميات المختلقة، ينزاح خطاب الثورة عن سمته الحقيقي شيئاً فشيئاً، إذ لم تعد قضية السوريين قضية شعب مقهور في مواجهة نظام استبدادي طال ظلمه جميع السوريين بلا استثناء، بل تغدو الإشكالية الأساسية – وفقاً لأصحاب هذا المنظور – إشكالية في حجم أو مقدار المظلوميات، وكذلك إشكالية أقليات وطوائف وحقوق جماعات دينية تخشى على مستقبلها من تغوّل أكثرية عربية ليست بريئة من موروث القهر الذي خلّفه نظام الحكم.

يوفّر الصراع المجتمعي البيني – الحقيقي أو المُفتَعل – مناخاً ملائماً لارتكاسات مختلفة، غالباً ما تتخذ شكل التعصب القومي أو الديني أو الطائفي، بل يصبح الارتداد إلى حالة ما قبل الدولة هو السائد، وعوضاً عن أن تكون الدولة الحديثة – دولة الحداثة والديمقراطية والمواطنة – هي التي تجبّ ما قبلها من تكوينات بدائية، تغدو العودة إلى العشيرة والطائفة والجماعة هي الملاذ الذي يلبي حاجة نفسية وإيديولوجية أكثر مما يلبي حاجات اجتماعية ذات استحقاقات مشروعة، كما يتيح الصراع المذكور آنفاً مزيداً من الطاقات النفسية التي تغذّي النزوع القومي والديني الذي يبدأ بالتنامي خارج سياقه الإنساني والطبيعي، بل ليتخذ سياقاً آخر لا ينتج سوى المزيد من خطاب الكراهية.

لعله من البدهي القول: إن جميع لوائح حقوق الإنسان وكذلك الاتفاقيات والمعاهدات الدولية تؤكد على مشروعية الحقوق القومية والدينية للأقوام والجماعات، إلّا أن تلك الحقوق غالباً ما كان تطبيقها مقروناً بمصالح الدول العظمى وسياساتها، ولعل الوطن العربي، وسورية على وجه الخصوص، كانت المجال الأكثر وضوحاً لتناقض السياسات الدولية مع أساسيات حقوق الإنسان التي غالباً ما تستثمرها الدول صاحبة النفوذ كغطاء لمصالحها وأولوياتها، ولا غرابة – وفقاً لهذا المنظور – أن تتمسّك روسيا وعدد من الدول الغربية بنظام الأسد بحجة الحفاظ على الأقليات من تطاول أو تغوّل الإسلام السني في سورية، كما يصبح الأمر في غاية المشروعية حين ينحاز أي مكوّن غير عربي إلى انتمائه القومي مدفوعاً بمصالحه القومية، في حين يبدو الأمر ذاته لدى المواطن العربي ضرباً من الشوفونية أو انحيازاً إلى قوى التطرف والإرهاب، فهل نحن أمام مظلومية جديدة، هي مظلومية العرب السوريين؟ ربما يذهب البعض باتجاه هذا المنحى، بل وقد يروق للكثيرين التماهي مع اجترار المخلّفات النفسية والثقافية لجميع الإحباطات عبر التاريخ، والركون إلى شتى أنواع الأعذار التي تعفيه من أعباء التفكير والعمل بآن معاً، ليصبح – حينئذ – شعار استمرار (المؤامرة على العرب) متماهياً مع شعار( الإسلام هو الحل)، علماً أن التقصّي التاريخي لمسألة توظيف واستثمار حقوق الإنسان وحقوق المكوّنات العرقية والدينية من جانب الدول العظمى يفصح بوضوح أن الهدف من هذا الاستثمار هو تحقيق مصالح في الاقتصاد والسياسة فضلاً عن الرغبة بامتداد السطوة والهيمنة، أكثر بكثير مما هو مجرّد مؤامرة على الإيديولوجيا أو الدين أو العروبة. ألم يكن أحد شعارات (النظام العالمي الجديد) الذي أطلقته الولايات المتحدة الأميركية في أعقاب حرب الكويت 1991، هو نشر وتوطيد أسس الديمقراطية من خلال حماية الأقليات القومية والدينية في الشرق الأوسط، وحين أقدمت واشنطن على احتلال العراق عام 2003، وبعد أن تبيّن زيف التقارير التي تدعي حيازة العراق أسلحة دمار شامل، ألم تزعم الولايات المتحدة الأميركية بأنها احتلت العراق من أجل القضاء على الاستبداد وإحلال الديمقراطية؟ وهل رأينا شيئاً من ملامح تلك الديمقراطية المزعومة سوى بقتل مئات الآلاف من العراقيين وتدمير بلدهم، ومن ثم تسليم العراق كاملاً إلى أيدي إيران؟

ارتفاع نبرة الخطاب الهويّاتي بشتى تجلياته العرقية والدينية والطائفية، وكذلك بروز الرغبة لدى البعض بالعودة إلى الحواضن البدائية( العشيرة) للبناء عليها، وذلك في موازاة انزياح أو خفوت الخطاب الأم ( خطاب الثورة)، ما هو – كما أعتقد – إلّا استمرار لقدرة السلطة الحاكمة على إدارة المواجهة والتحكّم بمفاصل المعركة ( يمكن في هذا المجال ان نذكر كل الدعوات التي وجهها نظام الأسد لزعماء بعض القبائل وإقامة بعض المؤتمرات العشائرية، وكذلك الدعوات المتبادلة بين قسد والنظام وما جرى ويجري من تبادل للمواقع بين الطرفين، وكذلك مجمل القنوات المفتوحة تارة في العلن وتارة في الخفاء بين نظام الأسد وبعض قيادات داعش ومشتقاتها …)، أضف إلى ذلك هو استمرار كذلك لقدرة الدول ذات النفوذ في الشأن السوري في جعْل الصراع القائم وقوداً مستمراً لتغذية عجلة مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، ولكن هل هذا يعني النفي التام أو التنكّر لحقوق مكوّنات مجتمعية سورية تتطلّع وتناضل من أجل استرداد تلك الحقوق؟ بكل تأكيد لا، بل إن الذهاب بهذا المنحى هو سقوط أخلاقي قبل أن يكون تناقضاً سياسياً أو فكرياً، ولكن ما نراه صحيحاً هو أن استعادة الحقوق والتحرر من الظلم في الحالة السورية ليست مسألة أقوامية أو دينية أو عشائرية، بل هي معركة تحرر وطني في مواجهة عدو واحد كان وما يزال هو جذر المشكلة، ووجود أذرع وأعوان وامتدادات له هنا وهناك لا ينفي جذريته أو مركزيته، والتوهّم بأن تجزيء المعركة، من خلال تجزيء القضية السورية، واختلاق قضايا من منظورات ومشاريع مناطقية، ما هو إلّا سعي نحو تكريس حالة الخراب، وإيجاد مناخات أكثر خصباً للدمار والتخلّف.

حسن النيفي:
كاتب وباحث سوري عروبي مقيم في تركيا