الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الهوس بالسلطة وليس النهضة

د. زكريا ملاحفجي

يتحدث العرب منذ مئة عام، أي قرن من الزمن، عن النهوض والإصلاح، يحاولون ويتعثرون ثم يخفقون وينتكسون وتخيب الآمال وتذهب الشعارات أدراج الرياح. صحيح أن التركة كبيرة والعبء ثقيل لكن العمل والمحاولة غالباً كانت تحمل أسباب الهزائم والحسابات الخاطئة والخطط والمواقف الارتجالية، والزعامات النرجسية والانتهازية وصولاً إلى الزعامات الاستبدادية التي تستبيح كل شيء بما تحويه دلالة هذا الشيء.

لا ضوابط ولا محرمات، وليت الأمر يبقى حبيس ذوي السلطة، بل يتعدى ذلك إلى المثقفين والزعماء الشعبيين، فالتنازع والتآكل والتربص والارتهان أحياناً للخارج، يفتح الطريق والثغرات للولوج إلى البيت الداخلي فيزداد الفساد والتبعية، ويزداد الانتكاس والارتكاس. فالخلاف والتنازع قبل السلطة وقبل بناء دولة قوية حديثة، وهذا بحد ذاته يعطل البنيان ويعيق النهوض.

فمتى يبلغ البنيان يوماً تمامه    إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

وكما قال شوقي: أصدقاء السياسة أعداء بعد الرئاسة لكن نحن أعداء قبل الرئاسة!

وهكذا ضاعت الفرص العديدة وظلت البلاد تراوح بالمكان، ورافق ذلك غياب التوثيق والتقييم والمحاسبة، فلا أحد يتحمل مسؤولية الأخطاء فضلاً عن الاعتذار والانعزال!

الكل يتفنن في التنصل من المسؤولية وإيجاد المبررات وإلقاء اللوم على الآخر، والاكتفاء بحالة المظلومية وإدمان حالة المعارضة لذات المعارضة، ومايزال المشروع النهضوي الحضاري متعثرًا، وماتزال الزعامات الوطنية غارقة في النزاعات والصراعات البينية على حساب المشروع الوطني النهضوي.

أوجد الربيع العربي الأمل في كسر هذه الحالة النمطية وتوحدت المطالب الشعبية وقدمت عناوين حضارية، لكن الأحزاب والنخب والزعامات لم تكن مهيئة لقيادة هذه الشعوب فتدحرجت وأخطأت الطريق والعمل، ولم تستثمر هذه الفرصة التاريخية الاستثمار الأمثل، وتبع ذلك توظيف من المناخ العربي، وليس الإنقاذ الصحيح بالطرق الصحيحة فضلاً عن عدم الاكتراث الدولي.

من حسنات الربيع العربي أنه أسقط الأقنعة وعرّى الكثير من الزعامات والأحزاب المهووسة بالسلطة وليس بالنهضة، فما شهدناه ونشهده من أداء سياسي مخيّب للآمال، ومازال بالطرف الآخر ضعف الوعي لدى المواطن واستقالته من الشأن العام وتفريطه بحقوقه وقبوله بالذل على نفسه وبالظلم على اخوانه، فبقي التغيير متعثراً بتعثر قياداته ونخبه ثم صفق الكثير من الشعوب بالانقضاض على التغيير الذي طالبو به يوماً! ولجأ المستقيلون من الشأن العام إلى تعميم حالة التآمر كي يبقى نفسه بإرادة مستريحة مُلقيًا اللوم على النداءات الشعبية!

أعتقد أن قدر الشعوب العربية اليوم أن تستغني عن الأحزاب والزعامات الكلاسيكية لتقدم طاقات ومشاريع وأحزاب تستعصي عن الإجهاض والانحراف والاحتواء وأن يكون التغيير ليس مجرد تغيير أشخاص تترأس ذات المنظومة بل تغيير مستمر تنموي نهضوي ينطلق من التوجيه والتفكير إلى السلوك، وهذا لن يكون إلا تراكمياً مستداماً شعبياً أفقياً، فليست المراهنة على السلطة فقط لإصلاح المجتمع لكن مشاريع مجتمعية مستمرة، والناظر اليوم إلى الدول التي أحدثت قفزات نهضوية كانت بمشاريع انطلقت وتجاوزت الذهنية الكلاسيكية القديمة فأحدثت ثورة في التفكير والتغيير والسلوك وبالتالي في النتائج. فكانت الحالة القديمة التقليدية محطة إعداد وانطلاقة فقط وليست هدفًا استراتيجيًا بحد ذاته في تحقيق النهوض والتغيير.

لابد من الوعي الجماعي بدفع الظلم والحيف والقوانين الجائرة، فلا بد من مقاومتها سلمياً ومدنياً إلى أن تلغى أو تعدّل كما فعلت (روزا باركس) الملقّبة بأم الحريات المدنية، وهي أميركية من أصول أفريقية رفضت سنة 1955 التخلي عن مقعدها في الحافلة لرجل أبيض متمردة على القانون، فأوقدت شرارة ثورة أنهت العنصرية والتمييز وغيرت الأعراف والقوانين، وتوالت الإنجازات ثم تبعها لغاية اليوم احتجاجات ضد الشرطي الذي اعتدى على المواطن الأسود فحركة التغيير والإصرار على دفع الظلم حالة مستمرة تراكمية وهذا الوعي هو كفيل بأن تتكون في المجتمعات حالة مناعة ضد الاستبداد والفساد، في حين أننا نعيش في مجتمعات ماتزال مناعتها ضعيفة وهشة، فتشخيص الواقع وأمراضه أساسي في تلمس العلاج من أجل التعافي والنهوض.

صحيح أننا نعاني من حالة الاستقالة من الشأن العام والميل للخلاص الفردي ولكن عقلية النهوض تقتضي التخلص من تلك العقليات والسلوكيات وتحفيز الفرد للتفاعل ونشوء حالة تفاعلية من أجل إصلاح الأوضاع القائمة التي ستفضي إلى نهضة مستدامة.

البعض يفهم المشاركة السياسية لغواً في المقاهي والمجالس أو متابعة سلبية للأخبار، بل هي فهم لحقيقة ما يجري ومواكبة لأداء المسؤولين والتواصل معهم، وفعل مؤثر يوجه السياسيين والسياسات لخدمة الشعب والوطن وليس لتكريس الذات، فيشعر المسؤول أنه أمام هدير من المساءلة والمراقبة، لابد من التركيز على العمل السياسي المحلي فلا استقالة من الشأن العام، وينبغي أن يكون الهوس بالنهضة وليس بالسلطة، فالأولى تحقق الثانية وليس العكس.



د. زكريا ملاحفجي
كاتب وباحث سوري يقيم في تركيا