الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

كتاب «في الفكر السياسي»؛ (الجزء الأول).. الحلقة الرابعة والثلاثون

 (الحرية أولاً) ينشر حصرياً الكتاب المفقود «في الفكر السياسي» بجزئيه، للمفكرين “الأربعة الكبار”، وهذه الحلقة الرابعة والثلاثون من الجزء الأولملامح نشوء التفكير الاشتراكي(3/3)؛ بقلم الدكتور “جمال الأتاسي”

 

ملامح نشوء التفكير الاشتراكي(3/3)

    ولقد قامت تجارب فردية وجماعية خاصة بمعزل عن السلطة السياسية، وقامت حركات ومؤسسات تعاونية. وقامت من الطرف الثاني الحركات السياسية والعمالية التي تنزع للاشتراكية. وقامت تجارب اشتراكية الدولة، أو بالأحرى أنواع من تدخل الدولة في التنظيم الاقتصادي وفي توجيه الإنتاج باسم تحقيق التوازن الاجتماعي وإلغاء الاستغلال.

    وجاءت الماركسية… لقد كانت هي أيضاً ثمرة لنضجٍ في التطور وفي التفكير. فأفادت من الأفكار كلها ومن التجارب كلها، وأرست قواعد «الاشتراكية العلمية». لقد جاءت الماركسية تخوض في خضم الحوادث، وتلتحم بواقع الصراع الطبقي في المجتمعات الأوروبية، وجاءت تهدم الأفكار الاشتراكية الخيالية، وتضعها على محك الواقع، وتكشف بنور النقد النفاذ ضروب التزييف التي تقوم بها الطبقات السائدة، وتفضح جميع أنواع ضياع الإنسان لتربطها بالضياع الاقتصادي، ولتصل من التحليل والنقد إلى وضع قواعد نظرية شاملة تفسر الوجود وتفسر التاريخ. لقد كانت هذه النظرية الشاملة ضرورة منطقية بالنسبة لها، تنتقل من حتمية الأشياء إلى حتمية التاريخ البشري، لترسم خطاً لسير هذا التاريخ يؤدي به إلى الاشتراكية، ويؤدي به «حتماً» إلى الشيوعية العالمية. فالحكم كان وما زال حكم طبقة. وديمقراطية البورجوازية ما هي إلا واجهة لدكتاتورية الرأسمالية. فهذه الديمقراطية التي نادت بمشاركة الشعب في التقرير والتشريع، وبأن الإنسان حر في أن يفكر كما يشاء، أصبحت بيد الطبقة الحاكمة، حرية صاحب الثروة في أن يتصرف بثروته كما يشاء، وأن يستغل الآخرين كما يشاء. ولكن مادام محور حركة التاريخ التناقض صراع المصالح وصراع الطبقات، فان الطبقة الرأسمالية تدخل في صراع مع الطبقة التي تكوّنها وتنميها الظروف الانتاجية للتطور الرأسمالي واتساع استثماراته واحتكاراته. وهكذا تأتي ظروف الصناعة الكبرى، وظروف التراكم الرأسمالي وتمركز الرساميل والاحتكارات، لتخلق الشروط الجديدة لثورة البروليتاريا التي ينمو الرأسمال على حساب اتساعها كطبقة وعلى حساب نمو فقرها. فالبروليتاريا هي أداة الثورة الاشتراكية، ولا بد للطبقة العمالية المنظمة من أن تستلم السلطات عن طريق الثورة، وأن تقوم الدولة الجديدة على دكتاتورية البروليتاريا، وان تتولى هذه الدولة تبديل النظام الاقتصادي والعلاقات الانتاجية، فتُجهز على الاستغلال وتلغي الملكية الفردية، وتجعل ملكية وسائل الإنتاج جماعية، وبهذا الإلغاء يزول التناقض من  المجتمع، ويزول الصراع الطبقي من التاريخ، بعد أن تمتص الطبقة العاملة جميع الطبقات، وتعبُر الدولة من النظام الاشتراكي إلى الشيوعية، لتعم الوفرة وليكون لكل إنسان جميع ما يحتاج، ولتزول الدولة أيضاً بعد أن تكون الإنسانية قد أتمت دورتها الكاملة وانتقلت من شيوعيتها البدائية التي بدأت منها مجتمعاتها، إلى هذه الشيوعية الجديدة التي وقف تفكير ماركس عند التنبؤ بها، من غير أن يرسم لها هي أيضاً تاريخها وخط سيرها.

    هذه النظرة الحتمية لمجيء الاشتراكية، هي التي حملت في التفكير الماركسي اسم «الاشتراكية العلمية». ولسنا الآن في معرض طرح الأسئلة على هذه الحتمية، وعلى هذه «الاشتراكية العلمية»، ولا على مبلغ الصحة فيها، ولا عن الوقائع التي جاءت مصداقاً لها أو نفياً لبعض من نبوءاتها، فذلك سيأتي في حينه. ولكن الذي مثلته الماركسية وما زالت تمثله بالنسبة للتفكير الاشتراكي، هي أنها كانت ذروة ذلك التفكير، وأنها حملت أكبر مشروع للتحرر الإنساني، وأنها قدمت منهاجاً عملياً في علم الاجتماع يغذي النضال ويوجه العمل السياسي والشعبي.

    ولنقف الآن في هذا البحث عن بدايات التفكير الاشتراكي، على تلخيص المراحل التي مر بها تطور الوعي الاشتراكي والتفكير الاشتراكي في العالم.

    إن النصف الأول من القرن التاسع عشر، كان بداية للتفكير الاشتراكي، فانتشرت الأفكار الاشتراكية في فرنسا وإنكلترا من غير أن تندمج بالعمل السياسي.

    وتميز النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومن ثم القرن العشرين، بمحاولات التأليف بين التفكير الاشتراكي الإقتصادي والتفكير الدمقراطي السياسي. بعد أن كشف النقد الاشتراكي لديمقراطية البورجوازية وبرلمانيتها، أن الديمقراطية السياسية لن تصبح تعبيراً صادقاً عن إرادة الشعب وعن حكم الشعب، إذا لم تقترن بديمقراطية اقتصادية تعيد الثروة الوطنية لمجموع الشعب وتعتقهُ نهائياً من عبودية مالك الأرض ومالك الآلة، ومن السلطة التي يفرضها هذا الإله الأرضي الجديد: رأس المال.

    وقامت للاشتراكية مذاهب واتجاهات، وسادت الماركسية وقامت في صلبها مراجعات  واجتهادات وتفسيرات، وأخذت الأفكار الاشتراكية وجهها السياسي كأداة وعي وكقوة دافعة، واستيقظت على المطالب الاشتراكية جماهير واسعة أخذت تضغط بقوة. كان «كومون باريز» قد أطلق الشرارة الأولى، لقد فشلت تلك المحاولة الثورية المتعجلة، ولكنها طرحت على جميع المفكرين الاشتراكيين الثوريين في الغرب، احتمالات الثورة وحاجاتها، وكانت في الوقت ذاته تحذيراً للقوى المعارضة للاشتراكية؛ فقامت في بعض الدول الأوروبية محاولات اصلاحيه للتهدئة، وقامت في غيرها ثورات وتمردات وانقلابات وحركات قمع واستبداد، كما قامت الحروب… وخاضت جماهير شعبية واسعة، ما برحت في نمو واتساع، معارك ضارية في نضالها من أجل التحرر.

    ولقد قامت أنماط من الاقتصاد الموجه في عدد من الدول الأوروبية، في محاولة لإجهاض الاشتراكية (كنظام بسمارك ونظام الاشتراكية الوطنية فيا بعد) وقامت الحركة الشيوعية وثورة روسيا السوفياتية. وانقسمت الحركة الاشتراكية العالمية ونشأت «الدولية الثالثة» وانتقلت الحرب العالمية الثانية بعدد من الدول الأوروبية، وبدون ثورة طبقية، إلى وضع اجتماعي واقتصادي جديد، فنشأت دول الديمقراطية الشعبية، ثم انتصرت ثورة الصين الشعبية، وأصبحت وزناً جديداً في التوجيه الشيوعي المذهبي وفي التنهيج الاشتراكي. وتحركت شعوب العالم الثالث، واستطاع عدد منها أن يرفع ثورته التحررية الوطنية إلى المستوى الاشتراكي. فللتفكير الاشتراكي اليوم تراث ضخم، وللتنظيم الاشتراكي نماذج  قائمة، والذين يعارضون الاشتراكية، أصبحوا هم أنفسهم على قناعة بأن شعوب العالم تصعد نحو الاشتراكية، ولا مهمة لهذه المعارضة اليوم سوى إعاقة السير ومحاولة خلق تسويات ومماطلات وتأجيلات وإذا ما أردنا أن نجزئ اليوم تاريخ الاشتراكية إلى مراحل استطعنا بشكل تقريبي أن نميز بين ثلاث مراحل:

    الأولى منها مرحلة تمهيدية، وهي التي سبقت ظهور التفكير الاشتراكي والحركات الاشتراكية، ولكنها هيأت لها. فهي المرحلة التي جاءت في أعقاب الثورة البورجوازية في أوروبا الغربية. إن هناك من يحاول أن يضفي على الثورة الفرنسية طابعاً من الاشتراكية، ولكن الذين نادوا بتنظيم اقتصادي جديد من رجال تلك الثورة، ما كانوا يخرجون في أفكارهم عن حدود «الإصلاح الزراعي» وتمجيد الأرض والعودة إلى الأرض. ولكن هذه الثورة قد هيأت الظروف والافكار ونادت بالمساواة بين البشر وشقت الطريق أمام نشوء المطالب الاشتراكية، كما خلقت روحاً ثورية جديدة في المجتمعات وكشفت عن طاقات الجماهير وبرهنت على أن بمقدور البشر، أن يعّبروا بالنضال والعزم، قفزة واحدة من نظام سياسي واجتماعي إلى نظام آخر يختلف عن سابقه اختلافاً جذرياً. ولقد عممت تلك الثورة النزعة الإنسانية بشكل جديد أخذَ تعبيره في الحركات الأممية من جهة وفي الحركات القومية التحررية من جهة أخرى. كما أزالت الثورة البورجوازية طابع القداسة عن السلطات والأشياء وعممت النزعة العقلية وأقامت بناء الدولة العلمانية، وكل ذلك مهد لنشوء الأفكار الاشتراكية، لكي تأخذ هذه الأفكار امتدادها في الواقع، لتتغلغل في حياة الجماهير.

    أما المرحلة الثانية فهي مرحلة نشوء النظريات والحركات والمحاولات والتجارب الاشتراكية التطبيقية في أوروبا، إن كل ما يغذي النضال أو التفكير الاشتراكي في العالم اليوم ينبع من هذه المرحلة. إلا أن هناك مرحلة ثالثة، لا يمكن  فصلها زمانياً عن الثانية، اذ جاءت تواكبها بعد مراحل منها، ولكنها لم تخرج منها كاستمرارٍ لها، بل أحدثت شيئاً جديداً في العالم، وأدخلت اتجاهات جديدة على التفكير والعمل الثوريين يصح معها أن تُميَز كمرحلة. إن ثورات الشعوب المتخلفة والمستعمَرة قد أعطت وجهاً جديداً في التاريخ وخطّت طريقاً جديداً للسير نحو الاشتراكية، بعد أن وضعت الصراع القومي والطبقي في مستويات  جديدة غير تلك التي كانت قد قُدرت لها. فالشكل الجديد الذي يقوم عليه توازن القوى في العالم، والتطورات التي تحدث داخل مجتمعات المعسكر الرأسمالي والمعسكر الاشتراكي، والاتجاهات والتجارب الثورية المتعددة التي تقوم بها شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية تضع المسائل الاشتراكية في مستوى جديد.

     وهناك اليوم في العالم محاولات جدية، لإعادة النظر في التفكير الاشتراكي الأوروبي الذي هيمن خلال أكثر من قرن، وذلك على ضوء التجارب الكثيرة التي حفل بها هذا القرن، بل مرحلة ما بين الحرب العالمية الثانية من هذا القرن بوجه خاص. وهذا تاريخ جديد للتفكير الاشتراكي، لا يسجله مفكرون نظريون فحسب، بل يتفتح عنه نضال شعوب كبيرة ترفع صوتها بالمطالب الاشتراكية.

   إن دخول شعوب العالم الثالث كوزن جديد في القوى الثورية في العالم، وإن واقع الصراع الاجتماعي القائم في البلاد المتخلفة، وانعكاسات هذا الصراع على الوضع العالمي، قد أدخل عوامل جديدة وقواعد جديدة في مفاهيم الصراع الطبقي والنضال الثوري ومراحل السير في طريق الاشتراكية، وفي مفاهيم الحكم الثوري وطريق بناء الديمقراطية الشعبية.

    لقد انطلقت الماركسية في الماضي من تحليل الواقع الاجتماعي لأوروبا الصناعية وللصراع الطبقي في إطار العلاقات الإنتاجية لذلك المجتمع الأوروبي المتطور. وانتهت من ذلك إلى رسم مراحل النضال التي تمر بها الطبقات الكادحة في سيرها للوصول إلى النظام الاشتراكي. وبيننا اليوم وبين ذلك التحليل، قرن من التطور حافل بالتجارب. والمسألة إنما تطرح على الشعب الذي كواحد من شعوب العالم الثالث أصبحت له تجربته الثورية التي تفتح عنها نضاله في عدد من أقطاره، في إطار جدید. فأمامه اليوم عالم اشتراكي متطور، ومقابله عالم رأسمالي قد تطور بالمقابل أيضاً وتبدلت ملامحه. فالحركة الاشتراكية الثورية في الوطن العربي، لا بد لها من أن تأخذ منهجاً جديداً في التفكير، ينطلق من تحليل واقع البيئة الاجتماعية والاقتصادية في الوطن العربي، وواقع الصراع الطبقي في الأقطار العربية، والمستويات المختلفة للنضج الثوري في كل واحد منها، وذلك على ضوء نقد مضاعف، نقد لعالم الرأسمالية الذي تواجهه البلدان المتخلفة في صيغته الجديدة «الاستعمار الجديد» ونقد للعالم الاشتراكي ولتجارب نظمه بما تحمله من نواح إيجابية ونواح سلبية. ومن هذا المنطق يمكن الوصول إلى التعبير، لا عن «اشتراكية عربية»  خاصة، بل عن طريق للنضال العربي في الوصول إلى الاشتراكية.

                                          * * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يتبع.. الحلقة الخامسة والثلاثون بعنوان: حول تجربة حزب البعث(I)؛ بقلم الأستاذ “ياسين الحافظ”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.