الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

كتاب «في الفكر السياسي»؛ (الجزء الأول).. الحلقة الثلاثون

 (الحرية أولاً) ينشر حصرياً الكتاب المفقود «في الفكر السياسي» بجزئيه، للمفكرين “الأربعة الكبار”، وهذه الحلقة الثلاثون من الجزء الأولأسطورة الخصائص(3/4)؛ بقلم الدكتور “جمال الأتاسي”

أسطورة الخصائص(3/4)

    ولقد حدد ميثاق جبهة التحرير الذي أقره المجلس الوطني للثورة الجزائرية في ۲۷ آيار من العام الماضي، مفهومه للديمقراطية الشعبية فقال:

   (لا يجوز حصر الديمقراطية في إطار الحريات الفردية، فالديمقراطية تعبير جماعي للمسؤولية الشعبية. وإن بناء دولة عصرية على أسس ديمقراطية مناهضة للإمبريالية والاقطاعية لا يكون إلا بمبادرة الشعب نفسه، وإلا يقظته ومراقبته المباشرة..).

    وتتكون هذه الديمقراطية، كما قال الميثاق: (عبر نسف كامل للبنيات المتخلفة للمجتمع).

    فثورة الجزائر قد بدأت أيضاً بداية تجريبية، ولكنها وقد بلغت في نضالها المدى الثوري الحاسم، انفتحت على أرفع مستوى للتفكير الثوري في هذا العصر، فجاءت اليوم تخط طريق سيرها، بنهجٍ ثوري وتفكير اشتراكي علمي لم تبلغهما أية حركة ثورية في الوطن العربي.

    منذ بضعة أشهر جاء أحد الصحفيين الغربيين ليسأل السيد أحمد بن بله عن النهج الاشتراكي الذي ستسير عليه ثورة الجزائر، وعما إذا كان سيتبع طريق عبد الناصر، وعما إذا كان من دعاة الاشتراكية العربية. وكان جواب بن بله ما معناه أن ليس هناك من اشتراكية عربية أو اشتراكية افريقية، فالاشتراكية واحدة في أهدافها ومضمونها. وللجزائر تجربتها وظروفها التي تملي عليها طريقها نحو تحقيق هذه الاشتراكية. ولا نفهم من هذا النفي «للاشتراكية العربية»، نفياً للإطار القومي العربي للتطبيق الاشتراكي، بل رفضاً لتلك القوالب الغامضة وغير العلمية التي تحيط بتفكير الكثير من القوى العربية القومية في المشرق العربي. فثورة الجزائر إنما تؤكد كل يوم أنها لا تطرح قضيتها إلا في إطار المغرب العربي الكبير والوطن العربي الاكبر، وفي إطار النضال العام لشعوب العالم الثالث ضد الاستعمار وضد التخلف. إن بن بله في خطابه الذي ألقاه في جامعة الجزائر في شهر كانون أول الماضي، قد أكد في معرض الحديث عن تعريب التعليم، على أن السير في الطريق الاشتراكي في الجزائر لا يمكن أن يتم إلا في إطار بعث عربي قومي للجرائر.

    وقال: إننا لا نستطيع أن نُعبر عن آرائنا إلا إذا فكرنا تفكراً عربياً. وكتبت مجلة «المجاهد» الجزائرية في معرض التعقيب على خطاب بن بلا: (لا اشتراكية لشعب لم يستكمل مقومات وجوده، فعلى الشعب أن يوجَد أولاً ثم يختار طريقه الخاص نحو الاشتراكية… لقد ربط الأخ أحمد بن بلة بين التعريب والاشتراكية ووضعهما في الإطار العربي الشامل . ذلك أننا عرب، وعروبتنا وشخصيتنا وإنسانيتنا لا تتحقق تحققها الكامل ببعث لغتنا القومية فقط بل باستعادة كياننا القومي أي بتحقيق الوحدة العربية الشاملة.. فأحد الأهداف الرئيسية للثورة هو تكوين طليعة ثورية، عربية اللغة، علمية التفكير، ثورية الأهداف والمناهج، تلعب دوراً كبيراً في قيادة الجماهير نحو هدفها الأسمى المتمثل في بناء مجتمع عربي اشتراكي ديمقراطي).

    فالاشتراكية هنا تأخذ مكانها الصحيح كنظام إطاره المجتمع العربي، مع ابتعاد كامل عن تمييز هذه الاشتراكية بخصائص ومزايا مستقلة.

    والذي يقرأ ميثاق ثورة الجزائر يلمس الطابع العلمي الذي يطبع تفكير الاشتراكيين الثوريين في المغرب العربي، ويلمس تفاعلهم الإيجابي مع الأفكار الثورية والتجارب التطبيقية التي قامت في أوروبا وفي الدول الاشتراكية. إن القوى الاشتراكية في المشرق العربي على الرغم من أسبقية تجربتها السياسية في الزمن، وعلى الرغم من انفتاحها قبل القوى الاشتراكية في المغرب، على الآفاق العربية الشاملة في النضال والتخطيط والعمل، تلقى نفسها اليوم متخلفة في ثوريتها عنها، وجمودها العقائدي له الدور الأول في مثل هذا التخلف، وهي بحاجة اليوم لأن تتعلم كثيراً من تجربة الثورة الجزائرية. إن ميثاق جبهة التحرير يطرح القضية الاشتراكية بأسلوب واقعي وعلمي، كما لم تفعله أية حركة تنادي بالثورة وبالاشتراكية في الوطن العربي. فهذا الميثاق لا يعطينا نظرية متكاملة الجوانب، ولكنه ينطلق من تحليل نقدي لتجربة الثورة وتجربة جبهة التحرير ينتهى منه إلى تحديد إطار ومقومات الديمقراطية الشعبية وضماناتها، وإلى رسم المعالم الأولية لخط التطبيق الاشتراكي في البلد المتخلف.

    وبالمقابل، لو رجعنا إلى دستور حزب البعث العربي، وهي الحركة الأولى في الوطن العربي التي ربطت بين شعار الوحدة العربية وشعار الاشتراكية، لوجدنا أن ما نص عليه هذا الدستور (الذي أقره مجلس الحزب عام 1947) لا يعطي الاشتراكية أي مضمون علمي واضح، بل يقف فيها على مبادىء عامة في العدالة «تكافؤ الفرص»، وعلى حلول اقتصادية تجاوزتها الانجازات التي قام بها حكم عبد الناصر ذاته، إن ذلك الدستور قد نادى بتحديد الملكية الفردية بشكل يزيل قدرتها على الاستغلال (إلا أن تحديد الملكية يضيّق نطاق الاستغلال ولكن لا يلغيه)، ولكنه أعطاها صفة «القداسة» الشيء الذي لا يجري على لسان اشتراكي في العالم، بل إن الثورة البورجوازية قد سبقت «الاشتراكية العربية» في إلغاء صفة القداسة عن الملكية. لا شك بأن حركة البعث العربي قد تجاوزت نصوص دستورها لعام 47، فيما يتعلق بالاشتراكية على الأقل، وأن كتابات الكثير من أعضائها، منذ عشر سنوات وأكثر، أخذت تنحو نحواً اشتراكياً أقرب إلى الاشتراكية العلمية وإلى رفض مبدأ الملكية الفردية. ولكن أسطورة «الخصائص»، والموقف السلبي المحض من الماركسية، والنغم العاطفي والروحاني في التفكير، ما زالت تطغى على الكثير من البعثيين، وتُعطل إرادة التجديد الثوري في هذه الحركة التي كانت أول من وضع الإطار العام الصحيح للثورة العربية الشاملة.

    إن القوى المعارضة للاشتراكية تستغل إلى حد بعيد غموض هذا الشعار، شعار الاشتراكية العربية، إما للتشكيك ونفي وحدة مصالح الجماهير العربية، بالتالي لنفي الطريق الوحدوي، وإما لإعطاء هذا الشعار محتوىً مفرغاً من كل اشتراكية حقة. فالاشتراكية العربية بالنسبة لها تصبح نفياً للاشتراكية العلمية، وتأجيلاً للحلول وإغراقاً في المثاليات والروحانيات، إن هذه القوى تستغل أسطورة الخصائص والمزايا، متذرعة برفض الأفكار المستوردة والتجارب المغايرة «التي لا تنبثق عن الذات»، وكل هذا لم يعد يعني إلا رفض الاشتراكية أصلاً، أو القول بها كذباً لتزييفها وخلق الالتباس من حولها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

يتبع.. الحلقة الواحدة والثلاثون بعنوان: أسطورة الخصائص(4/4)؛ بقلم الدكتور “جمال الأتاسي”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.