الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الجولان في تحولات الموقف الإسرائيلي من الثورة السورية (*)

د. عبد الله تركماني

العديد من مراكز التفكير والأبحاث الإسرائيلية تعوِّل على اعتبار الفوضى القائمة في سورية فرصة يتوجب على إسرائيل أن تجبي نتائجها في الجولان، وعلى صعيد كامل المنظومة الأمنية، انطلاقاً من خيارها المعروف “الأمن قبل السلام”. فعلى مدى أحد عشر عاماً ونيّف من الثورة السورية، ومنذ تحولت سورية إلى ساحة للحرب بالوكالة بين أطراف إقليمية ودولية، ظلت إسرائيل على مسافة ما من هذا الصراع، وإن استغلته لتحقيق بعض الأهداف المحددة. وقد تمثلت هذه الأهداف في الضغط من أجل تجريد سورية من أسلحتها الكيماوية، وتوجيه ضربات جوية لطرق إمداد حزب الله بالسلاح، ومحاولة إحياء ”وديعة الرئيس الأميركي فورد” ذات العلاقة بتبعية الجولان لإسرائيل، وهذا ما حققه لها الرئيس ترامب.

القلق الإسرائيلي من الثورة السورية

ارتاحت إسرائيل عندما أيقنت أنّ البديل لسلطة آل الأسد ليس ديموقراطياً قادراً على تجميع قوى المجتمع وإعادة إنتاج الدولة الوطنية السورية الحديثة، طبقاً للأهداف التي أعلنها الشعب السوري في آذار 2011، وإنما سلفية دينية وقبلية اجتماعية. ولذلك، بعد أن تخلصت من الكيماوي السوري ركزت على الجانب السياسي من دورها في سورية، انطلاقاً من تصميمها على إنهاء الثورة، إن بقيت متمسكة بالحرية وإقامة نظام ديمقراطي بعد إطاحة الأسد، ورفضها أي نظام إسلامي، لا ينضوي في الصراع السني/الشيعي، ويكون “جهاده” موجهاً ضد إيران، وإصرارها على الضمانات الأمنية نفسها التي منحتها لها سلطة آل الأسد منذ سنة 1974، ومكّنت رئيس وزرائها الأسبق، اسحق رابين، من أن يقول لمستوطني الجولان: أنتم هنا أكثر أمناً من سكان تل أبيب.

فكلما تعمقت الطائفية في سورية وتعززت الكراهية بين مكوّنات المجتمع، وتحويلها إلى شروخٍ، يصعب رأب صدوعها، تستطيع إسرائيل استغلالها لطي موضوع احتلال الجولان بصورة نهائية، والتخلص من “الإطار المفاهيمي” الذي تم التوصل إليه في أيار 1995، والعودة إلى فكرة ”الأمن قبل السلام“، بما ينطوي عليه ذلك من أنّ بقاء المستوطنات الإسرائيلية، بل توسيعها، في الجولان بما يضمن أمن إسرائيل. وقد ورد في برامج الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ”هضبة الجولان منطقة حيوية لوجود إسرائيل، والجولان قطاع استيطاني هام في الدولة، حيوي لأمنها وللحفاظ على مصادر المياه، وستصر الحكومة على السيادة الإسرائيلية في الجولان، وستعزز المشروع الاستيطاني“. وصولاً إلى انتزاع اعتراف سوري من النظام الحالي، أو الذي سيليه، باعتباره أرضاً إسرائيلية، وجزءاً عضوياً من دولة إسرائيل، لا يقبل الانفصال عنها.

الأسد مصلحة قومية عليا لإسرائيل

تتفق مراكز البحوث والتفكير الإسرائيلية على أنّ نظام بشار الأسد في سورية، أو ما تبقى منه ومنها، بحسب ما قد تؤول إليه الأمور في اليوم التالي من توقف الصراع في سورية وعليها، أو استمراره، هو الأكثر إفادة للأمن الإسرائيلي. فقد أكد باحثون إسرائيليون على ضرورة بقاء نظام الأسد في سورية في هذه المرحلة، حيث بات يُمثِّل، بحسب تعبيرهم ”مصلحة قومية عليا لإسرائيل“. وأنّ ”الأسد أفضل الخيارات الممكنة لنا، على الرغم من أنه سيسقط في نهاية الأمر” ناهيك عن أن ” المصلحة الإسرائيلية الحالية تكمن في أن يستمر القتال في سورية، والوجود الروسي هناك سيضمن هذا الأمر “.

تفكك سورية ومستقبل الجولان

دعا مركز ”أبحاث الأمن القومي ” الإسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب في تقرير أصدره في كانون الأول 2015، القادة الإسرائيليين، إلى ترك الموقف الرسمي المعلن بعدم التدخل في الملف السوري، لصالح آخر أكثر نشاطاً وفاعليةً. ويوصي التقرير الذي حرّره وأشرف عليه الجنرال احتياط، أدوي ديكل، أن تتجه الحكومة الإسرائيلية نحو إقامة علاقات واتصالات، ووضع خطط عمل مع ”لاعبين إيجابيين ” داخل سورية، وآخرين إقليميين ودوليين لهم مصالح مشابهة لتلك التي تخص إسرائيل. وبحسب التقرير، فإنّ هؤلاء اللاعبين يؤثرون في الواقع المتبلور والمستقبل عند رسم ملامح سورية في المرحلة المقبلة.

وليس سراً أنّ إسرائيل سعت خلال السنوات الاخيرة إلى مدّ جسور مع قوى المعارضة، التي تمركزت بالقرب من السياج الحدودي في الجولان، ومع المجموعات المحلية المسلحة الأخرى التي تقاتل نظام آل الأسد، كما أقامت مستشفى ميدانياً لاستقبال المصابين في المعارك، وقدمت خدمات طبية للسكان.

ورغم أنّ سورية، حتى قبل سقوطها في مستنقع الحرب الأهلية، كانت فاقدة لأية قدرة عسكرية لشن حرب ضد إسرائيل بهدف استعادة هضبة الجولان المحتلة، إلا أنّ إسرائيل كانت تدرك أنّ ذلك لن يرتب تغييراً في وضعها كأراضٍ محتلة وفقاً للقانون الدولي. وطالما أنّ سورية كانت قد أبدت منذ مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 استعدادها للدخول في مفاوضات مع إسرائيل لأجل تسوية الصراع معها، فإنّ احتفاظها بالجولان إلى الأبد سيظل محل شك كبير، إلا إذا تفككت الدولة السورية وأصبح من الصعب أو المستحيل تحديد الجهة التي يمكن أن تطالب بهذه المنطقة مستقبلاً.

من هذا المدخل رأت إسرائيل أنّ دفع سورية نحو الانقسام والتفتت، وإن كان سيزيد من المخاطر الأمنية على حدودها الشمالية لفترة طويلة، إلا أنه سيضمن التشكيك في المشروعية القانونية لمطالبة أي من الدويلات التي ستنشأ – حال تفكك سورية – بالجولان، وبالتالي يصبح ضمها ليس فقط أمراً واقعاً بحكم الاحتلال الإسرائيلي لها منذ عام 1967، بل أمر بالإمكان إعطاءه شكلاً شرعياً وفق القانون الدولي في مرحلة لاحقة. وقد يكون السيناريو الذي تأمله إسرائيل هو نشوء دويلات على أنقاض سورية الموحدة، وبالتالي يصبح من السهل المحاججة بحق إسرائيل قانونياً في ضم الجولان إليها بشكل نهائي.

 ولأنّ سورية لن تعود كما كانت، وأنّ مفعول التسويات، التي رسمت الحدود والدول في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى قد أوشك على النهاية، وأنّ المنطقة ستدخل في حالة من عدم الاستقرار لسنوات طويلة. يدعو صانعو القرار الإسرائيلي إلى أن تصوغ إسرائيل – من جديد – مصالحها الجيو – استراتيجية، من خلال النظر بعيداً إلى الغد وليس إلى الأمس، حيث أنّ هذه ”الفرصة الفريدة ” لتغيير المكانة الدولية لهضبة الجولان، نشأت بفضل تضافر عمليات تاريخية ونضوجها في النقطة الزمنية الحالية. حيث أنه لا أفق آخر في الجولان باستثناء الأفق الإسرائيلي، ولن يتاح الاستقرار الإقليمي من خلال ”البدائل الإسلامية “، ولا من خلال موطئ قدم لإيران وحزب الله في بحيرة طبرية.

إنّ الضمانات الاستراتيجية المطلوبة إسرائيلياً هي ”وديعة أمريكية ” شاملة بشأن الجولان، بما في ذلك ضمانات رئاسية وتشريعات في الكونغرس الأمريكي، تضمن السيادة الإسرائيلية هناك. بالاستناد إلى أنه في العام 1975 صدر تعهد رئاسي مكتوب من الرئيس الأمريكي في حينه، جيرالد فورد، لرئيس الحكومة الإسرائيلية، اسحاق رابين، تضمن اعترافاً أمريكياً في شأن حاجة إسرائيل الماسة لهضبة الجولان حتى في وقت السلم. إنّ الإنجاز المطلوب والممكن لإسرائيل هو تحديث الموقف الدولي، وإعادة المصادقة على الموقف الأمريكي بشأن الجولان، وهذا بالضبط ما حققه لها الرئيس الأميركي ترامب.

إنّ المراهنات الإسرائيلية هي على مزيد من التفاعلات السلبية – أمنياً وسياسياً – وعدم التوصل إلى أي حل في القريب العاجل. وفي هذا السياق يبقى للجنوب السوري وضع خاص، نظراً لمتاخمته للحدود الإسرائيلية، التي تمثل بيضة القبان في الأمر برمته. فمن ناحية تستحيل إعادة سيطرة النظام على كامل درعا والقنيطرة، ومن ثم عودة النظام لممارسة وظيفته الرئيسية بحراسة حدود إسرائيل. ومن ناحية أخرى لن تسمح بسيطرة طرف لا تستطيع التأكد من نواياه تجاه إسرائيل على تلك المنطقة الحيوية.

ويعتقد قادة إسرائيل أنّ استمرار الصراع السوري قد قوّض مطالب سورية بالجولان وعزز قبضة إسرائيل، ومن هنا يسرّعون الخطى لتوسيع نطاق الوجود الإسرائيلي في الجولان، من خلال بناء مساكن إضافية، وتشجيع السياحة، والاستثمار في البنية التحتية والصناعة.

 خروج سورية من معادلة التهديد الاستراتيجي لإسرائيل

لم تترك الدراسات السياسية والاستراتيجية المختلفة التي صدرت في إسرائيل في الأعوام الأخيرة، ولا تصريحات قادة إسرائيل، لا سيما في أجهزة الأمن والجيش المختلفة، مجالاً للشك في تقديراتها بأنّ خطر الجيش السوري على إسرائيل قد زال مع امتداد أمد الثورة السورية والثورة المضادة عليها.

لكنّ الدراسات والمتابعات الإسرائيلية لم تتوقف عند تقدير تداعيات الحرب والأزمة السورية في الجانب العسكري، بل امتدت لتشمل محاولة استشراف حالة سورية بعد انتهاء الصراع الدامي فيها والخراب الذي خلّفته الحرب المجنونة التي شنها النظام السوري على شعبه، بدعم من حلفائه الروس والإيرانيين.

وهكذا، تقف إسرائيل اليوم موقف المراقب ظاهرياً للمسألة السورية، ولكنها تعتبر أنّ طريقة تعامل النظام مع الأزمة أنتجت عدة حقائق تصب في مصلحتها، وأهمها:

  1. تراجع شديد في حصانة الأمن الوطني السوري، من الناحية العملية، بفعل انهيار الوحدة الوطنية السياسية وتشظي بنية المجتمع والدولة.
  2. تفكك الجيش السوري، بسبب صدامه مع شعبه، الأمر الذي له تبعات كبيرة على الروح المعنوية والانضباط والبنية التنظيمية ومنظومة الولاء ومنظومة الإدارة والسيطرة.
  3. تراجع القدرات التعبوية للجيش والمجتمع ضد أي خطر خارجي.

ونعتقد أنّ إسرائيل ستحاول تحقيق اختراقات في المستقبل وترتيب أوراقها لمرحلة ما بعد الأسد، لتكريس عملية سياسية قائمة على مبدأ المحاصصة الطائفية، بحيث تجعل نظام الحكم القادم نظاماً غير قادر على الفعل.

المصدر(*) – نُشرت في مجلة رابطة الكتاب السوريين ” أوراق “، العدد المزدوج 17 و18، 15 آب/أغسطس 2022.