الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

مرشَّحو الشعار إلى برلمان العار..!

وفاء أبو شقرا *     

صورة ضبابيّة لا تزال عالقة في ذاكرتي. صورة تعود إلى الـ 1972. ففي تلك السنة، جرت آخرُ انتخاباتٍ اختار فيها اللبنانيّون تسعةً وتسعين نائباً. قبل أن يغرقوا في جحيم حربهم الأهليّة. أتذكّر نفسي طفلةً في السادسة من عمري. كنت “أرجو” أمّي كي تتوسّط لي مع جارنا المصوّر “العمّ رفعت”.

كنت أريد أن يعطيني نسخةً من ذاك “البوستر” البرتقالي الذي كانت توزّعه، يومذاك، “جبهة النضال الوطني” (برئاسة الزعيم الراحل كمال جنبلاط). “بوستر”، طُبعَت عليه صور مرشَّحي الجبهة الثمانية مُذيَّلة بأسمائهم. وكان لي ما أردتُه. فسارعتُ لصُنع عجينة صغيرة. لصقتُ بها اللائحة الانتخابيّة على حائط دارتنا الحجري المُطِّل على الحديقة. كانت فرحتي لا تضاهيها فرحة. بخاصّة، أنّني كنتُ متحمّسة جدّاً، يومذاك، لفوز المرشّح الشاب زاهر الخطيب. والذي كان يخلف والده- صديق جدّي لأبي أنور الخطيب.

أبتسمْ اليوم، وبحنينٍ طفولي، حين يسرح بي الخيال في حنايا ذاك الزمن. الزمن الذي صرتُ أراه، وأنا أختنق اليوم بفائض البشاعة والتفاهة، جميلاً. فائض، تظهِّره الأجواء السائدة عشيّة الانتخابات النيابيّة الموعودة. مئات الشعارات والملصقات واللافتات والصور و.. لمرشّحين لم تكفهم عشرات السنين للإجهاز علينا، بالكامل. فما زالوا بحاجة لولاية جديدة، كما يبدو، ليُكملوا مهمّتهم. ليهرولوا، يمنة ويسرة، من دون أهدافٍ واضحة. الاستعراض الحزين يتوالى فصولاً. أعني به، ذلك الكرنفال (السيرك؟) الذي افتتحه “المرشّحون”. لكي يستعرضوا فيه شعاراتهم وحملاتهم ومهرجاناتهم الانتخابيّة. على أمل أن تحملهم إلى البرلمان المنتظَر.

                                                                                    *          *          *

للشارع لغة موسميّة في لبنان. وهذا الموسم، قد يدوم سنة. أشهراً. أسابيع. وقد لا يتعدّى الأسبوع. أو يُنهي نهاراً واحداً. موسم للحديث الحصري عن كورونا ومتحوّراتها. وموسم لمعركة ترسيم الحدود. وموسم لحفلات الزجل حول الكابيتال كونترول. وموسم للتعيينات القضائيّة. وآخر للتشكيلات الديبلوماسيّة. وآخر للطوابير.. وهكذا دواليك. اليوم، دخلنا في موسم الانتخابات. ففُتِح البازار على مصراعيْه. بتنا نأكل ونشرب ونتنفّس وننام ونصحو ونصوم ونفطر.. ترشيحات وانتخابات.

                                                                                    *          *          *

قبل شهرٍ، بالتمام والكمال، من موعد انطلاق الانتخابات الموعودة، اختنق لبنان واللبنانيّون بالشعارات. بالهذيان السياسي. المشهد سوريالي. ومستفزّ إلى أقصى الحدود. ولا سيّما، عندما تُثْقِل الشعارات وصور المرشّحين (الأغنياء) على مشهد عمران الفقراء في “الأحياء الشعبيّة”. مشهديّة ترسم بؤساً فوق بؤس. صور وملصقات ولافتات، بمختلف الألوان والأحجام، تحتلّ السماء والأرض وما بينهما. ملأت الأبنية والشوارع. وثُبِّتت على الجسور والجدران والأشجار. وعُلِّقَت على حبال الغسيل. وتأرجحت على عواميد الإنارة والكهرباء المطفأة مصابيحها. كلّ منظر طبيعي جميل، صارت تشوّهه ابتسامة مرشّح. وكلّ بيئةٍ نظيفة، صارت توسّخها يد نائب أو وزير سابق مرشّح (هذه المرّة أيضاً) مرفوعة بالتحيّة أو بعلامة النصر. نصر على ماذا؟ نصر على مَن؟ لا يهمّ.

                                                                                    *          *          *

لنعد إلى الشعارات التي تُزنّر يوميّاتنا. وتُغرِقنا، مجدّداً، بقديمها من الكلمات والوعود الرنّانة. أي تلك التي تشدّقوا بها في انتخابات 2018. انتخابات، ما زلنا ندفع تبعات نتائجها حتّى اللحظة. وندفع كفّارتها غرامةً عن ذنبٍ عظيم. ذنب إيصالهم إلى مقاعد السلطة. أَوَلَمْ “يهتّنا” رئيس فرنسا ايمانويل ماكرون حين قال لمَن “لامه” على الاجتماع بأركان الحُكم “أنتم مَن انتخبهم وليس أنا”؟ بلى، لامهم. هو الذي “يتضرَّع” للفرنسيّين، حاليّاً، ليعيدوه إلى الاليزيه بعد تقهقر شعبيّته! ما همّنا وهمّه. ولنبقَ في همّنا.

يمثّل تسويق السياسيّين لأنفسهم، في بازار الانتخابات، لحظة كاشفة للسياسة والعمل السياسي في لبنان. فعِوَض أن يرفع هؤلاء شعاراتٍ تعترف، ولو “شكليّاً”، بالخطايا والجرائم التي اقترفتها أيديهم. ويطرحوا برنامجاً تغييريّاً إصلاحيّاً اقتصاديّاً وسياسيّاً. أو لنقُلْ، مسوّدة سيناريو يرسم تصوّراً (ولو مبدئيّاً) للخروج من الأزمة الراهنة. ويقولوا مثلاً “سامحونا لكن جرّبونا مرّة أخرى”.

عوض كلّ ذلك، يخرج علينا مرشّحو أحزاب السلطة والقوى المتنافسة بالشعارات القديمة نفسها. شعارات فضفاضة عامّة، تصلح لكلّ زمانٍ ومكان. شعارات مستهلكة تكشف طبيعة الانقسام في البلاد. ولم يبذل أصحابها أدنى جهدٍ لإقناع مَن هم خارج محيطهم (كما تفرض بديهيّات العمل السياسي). فإذا بها شعارات تكرِّس المكرَّس. وتزخر بمضامين تثير الغرائز. وتستنسخ الدجل إيّاه. أمّا المرشّحون الآخرون، فشعاراتهم حافلة بوعودٍ طموحة برّاقة. تعِد بالتغيير والإصلاح والمحاسبة. وبمستقبلٍ لا يتّسع لرجال السلطة الحاليّين. بل يتّسع لهم وحدهم!

                                                                                    *          *          *

عدا نجاح معظم المرشّحين في اختيار شعاراتٍ مختصرة وبسيطة، فإنّ سِمتيْن أساسيّتيْن طغتا على الشعارات: خطاب الرشوة؛ ونزعة التحدّي. صحيحٌ أنّ خطاب الرشوة يمدّ علائقه الأفعوانيّة ليشمل محطّات متشابكة ومتداخلة من الحياة اليوميّة للّبنانيّين، لكنّه، في السنوات الأخيرة، لم يعد خطاباً سُفليّاً وتحتيّاً. بل أمسى خطاباً يعيش في العلن والوضوح. وفي موسم الانتخابات، تتحوّل عمليّات الاقتراع إلى مناسبة لإشهار مرشّحي أحزاب السلطة خطاب الرشوة هذا. خطاب يسعى لإغراء الناخبين. ولشراء أصواتهم. سرّاً وجهْراً. كلٌّ حسب قدرته وأسلوبه. فـ”يُعوَّض” الفقر بحصّة غذائيّة، هنا. وبقسيمة بنزين، هناك. وبكمشة دولارات طازجة، هنالك. وبعض ما يرد في خطابات الرشوة تلك، يمكن إدراجه في إطار الإخبارات عن مخالفات ومكامن هدر وفساد (احتفاليّة اللواء أشرف ريفي قبل أيّام هي مثال ساطع على هذه الإخبارات).

واللافت في شعارات المرشّحين المرفوعة، يكمن في نبرة التحدّي. تحدٍّ أشبه ما يكون بعنتريّات الزجّالة. إنّما الفرق، أنّ هذه الأخيرة عفويّة وطريفة. وتُغنَّى بأصواتٍ جميلة. بينما “عنتريّاتهم” تُصاغ بعباراتٍ تنضح بغباء المباهاة العالمثالثيّة. وبالادّعاء الموارب بالأهميّة الذاتيّة. وباستحالة إيجاد بديلٍ عنهم. سياسيّونا مرضى، يا ناس! مصابون بمتلازمة الكرسي (كتبت مؤخّراً عن عَبَدَة الكرسي، أتذكرون؟). ومع احتدام معركة الوصول إلى الكراسي، تذهب الشعارات بالدعاية الانتخابيّة إلى حدودٍ فظيعة. فيها من السفالة والوقاحة، ما يكفي سكّان المعمورة لأجيال. إذْ يصبح المرشّحون أبطالاً. ومخلّصين. ومقدَّسين. ونظيفي الكفّ والجبهة. ويبدو معظمهم مهتمّين بتوجيه الأنظار نحو معركةٍ شبه وهميّة. تمرّر ما فعلوا. وتدمغ ما يفعلون. من استباحةٍ لمؤسّسات البلد. وللتدخّلات الخارجيّة. وللتعبئة الضمنيّة ضدّ فكرة التغيير والمحاسبة. وللتمنّع باسم الوطنيّة والسيادة والهويّة والمقاومة، عن مساءلة نظامٍ لا يفعل سوى تأبيد الفساد والقمع والاستلاب والتبعيّة والطائفيّة.

شعارات.. شعارات.. شعارات. يتداخل حابلها بنابلها. وتختلط مع صور الشهداء والمغنّين ومدراء الشركات وشخوص الإعلانات وعارضي الأزياء. إنّها فوضى الشعارات التي تحتقر ذاكرة الناس. وفوضى الوعود التي تعتدي على وعي اللبنانيّين. نعم. إنّها فوضى عارمة. حارقة. خارقة. متفجّرة. مثل ذاك الرصاص الذي يعلو مقذوفَه رأسٌ ملوَّن (أحمر وأخضر وأسود). هي “الفوضى التي نظّموها”، بحسب تعبير المؤرّخ العسكري الكندي “جوين دايار” (في كتابه عن الشرق الأوسط بعد حرب العراق). وفي بلدٍ حُكّامه لصوص مثل لبنان، لا تعود الفوضى مجرّد مُفْردة مرتبطة بالاختلال في أداء الوظائف. وبافتقار أصحابها إلى النظام في المهامّ الموكلة إليهم. عندنا، يصبح للفوضى العديد من المعاني. وكلّها تعني الاختلاط. وفقدان التوازن. والاضطراب. والهرج والمرج. والفتنة، أيضاً!

                                                                                    *          *          *

في آخر انتخاباتٍ بريطانيّة، رفعت النائبة عن حزب العمّال جيس فيليبس الشعار التالي: “قلْ الحقيقة، تفُزْ بالسلطة.” اعتُبِر شعارها من بين أفضل عشرة شعارات سياسيّة، على الإطلاق. وعليه، ربّما كان على مرشّحي السلطة إلى برلماننا الجديد، أن يعكسوا صدقاً وشفافيّة في شعاراتهم. فليأخذوا، مثلاً، بما اقترحه عليهم أحد الصحافيّين من شعارات: “أموالكم المنهوبة لن تعود”؛ “سأحاول ألاّ أسرقكم بكثرة”؛ “لن أكشف عن حساباتي الخارجيّة”؛ “لا أَعِدُكم، لكنّني سأحاول”؛ “سأقضي عليكم حتّى ولو كان هذا آخر ما أفعله في حياتي” (مستوحاة من قول شرشبيل في برنامج السنافر).

                                                                                    *          *          *

كلمة أخيرة. في مباريات كأس العالم لكرة القدم، وعندما يخسر فريقٌ من الفِرَق ويخرج بخفّيْ حُنَيْن، يستقيل مدرِّب الفريق (أو يُقال) اعترافاً بفشله. ويتمّ استبداله، أملاً بتحسين الأداء. هذا في الرياضة. فما بالكم في السياسة؟ على الأرجح، ستعيد انتخابات 2022 النيابيّة جميع الوجوه المقيتة إيّاها. لذا انتبهوا يا لبنانيّين! فالسلطة التي تنجو من ضربةٍ كبيرة، تعود أقوى وأكثر وحشيّة..! إقتضى التذكير.

* أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

المصدر: 180 بوست