الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

في أهمية العَلمانية للاجتماع السياسي السوري

د- عبدالله تركماني

     تعيش البشرية تحوّلات كبرى، في مجتمعاتها وقيمها ومفاهيمها، وفي سياق هذه التحوّلات وما كشفته الثورة السورية من شروخ في المجتمع، تبدو أهمية العلمانية للاجتماع السياسي السوري، الذي يقتضي أنّ ” السياسة فعالية دنيوية “، وأنّ الهدف هو بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة، دولة كل مواطنيها الأحرار المتساوين في الحقوق والواجبات، دولة القانون والحقوق والمؤسسات. إذ يبدو من الصعب التقدم نحو الحرية المنشودة من دون التعاطي مع التناقضات الاجتماعية بشكل مجدٍ، خاصة مسألة التمييز الديني أو المذهبي أو القومي على كافة مستويات الحياة العامة، بما فيها قضايا الأحوال الشخصية.

     وانطلاقاً من أنّ الواقع يفرض ديمومة مظاهر التديّن، فإنّ مشروع هذه القراءة لأهمية العلمانية يقوم على الفصل المنهجي بين ميداني العقيدة الدينية (العقائد والعبادات) والمنجز الحضاري للحداثة السياسية، بما هو تراكمات (المعاملات)، حصلت في مجالي المجتمع والسياسة. ولكن، باعتبار أنّ فصل الدين عن الدولة، وتمايز المجتمع منها، واستقلاله النسبي عنها، فإنّ العلمانية في الدولة الحديثة تتجلى في أنّ مجال الدين هو المجتمع لا الدولة، أي جزءً من الحريات العامة للفرد في الحيّز العام، باعتبار أنّ الدين شأن خاص بالفرد. وبهدف ” تجنّب الوصول إلى تحوّل العلمانية إلى علمانوية، تواجه مجتمعاً متديناً، ومن أجل تحقيق حالة لا يلتقي فيها التحرر من الإكراه الديني إكراهاً علمانياً ” (1).

     وعليه، فإنّ هذه القراءة سوف تحاول الإحاطة بـ: ماهية العلمانية، وكيفية تعاطي الخبرة الإنسانية معها، ودحض تخوّفات بعض الإسلاميين، ودروس بعض التجارب الإسلامية ذات النزعة العلمانية.

    1 – ماهية العلمانية

     نظام عام عقلاني ينظّم العلاقات بين الأفراد والجماعات والمؤسسات، فيما بينها ومع الدولة، على أساس مبادئ وقوانين مستمدة من الواقع الاجتماعي والتجربة التاريخية، يتساوى أمامها جميع أعضاء المجتمع ومكوّناته، بصرف النظر عن الانتماءات الدينية والقومية والفكرية. ولمّا كان الأمر كذلك، فإنّ العلمانية تجد مرتعها الخصب في إطار من الديمقراطية، التي تمَارس عقلانياً وتنويرياً، وذلك على نحو تغدو فيه الديمقراطية والعقلانية والتنوير أحد أوجه العلمانية، وصيغة من صيغ التحفيز عليها.

     إنّ العلمانية ارتبطت بأكثر من معنى، فهي ليست فقط فصل الدين عن الدولة كما هو شائع في بلادنا، بل كان الارتباط الأوثق بين العلمانية والدولة الوطنية الحديثة، حين انبثقت من ثقافة ديمقراطية وصراع في سبيل التقدم وكرامة الإنسان، حيث جاءت بمثابة تأكيد على قدرته على تنظيم شؤونه تنظيماً عقلانياً مجدياً. لذا فإنّ المبدأ الأساسي في العلمنة يؤكد أنّ الدين أمر شخصي، وينبغي فصله عن الدولة والمدرسة والأحوال الشخصية.

     وعندما تطرح العلمانية، بمعنى عدم تدخّل الدولة في الشؤون الدينية والفكرية لمواطنيها، فإنها ” أقرب لأن تكون مفهوماً سياسياً، يشكل ضمانة أكيدة للمساواة والتلاحم في المجتمع، حين تكون العلاقة بالوطن والدولة علاقة سياسية وليست علاقة دينية، قد تحدُّ من المساواة السياسية بين أصحاب الديانات والقوميات المختلفة ” (2).

     إنّ العلمانية تقتضي ” نشوء منطق الدولة الذي يتغلب على الاعتبارات الدينية، حيث يصبح الحكم السياسي على الأمور نابعاً من مصالح الناس في الدنيا… وهذه المرحلة من علمنة الدولة والقانون ممكنة التطبيق، حتى قبل بلوغ المجتمع وأنماط الوعي فيه درجات عالية من العلمنة. وتحييد الدولة في الشأن الديني قانونياً ممكن حتى في مجتمع متدين، بل بالذات في المجتمع المتدين. وقد يحتاج إلى حماية الدولة لحرية ممارسة الدين، حيث تتعدد الديانات والطوائف، أو حيث أدى استخدام الدين للدولة، أو الدولة للدين، إلى تقييد العقيدة المخالفة وممارستها ” (3).

     وتحضر العلمانية، عند المفكر السوري الراحل ياسين الحافظ، بمثابتها ” منظومة متكاملة، تستدعي جميع حيّزات التجربة التاريخية للأمة: معرفياً، واجتماعياً، وسياسياً ” (4). وهنا نلاحظ أنّ التلازم الذي طرحه بين الدولة الوطنية الحديثة والعلمانية لم يتوقف عند حدود السطح السياسي، والترسيمات المحدودة عن ” فصل الدين عن السياسة ” بل استعاد المنظور المعرفي دوره، بوصفه أساساً جوهرياً لبناء الدولة الحديثة. وعندما سُئل المفكر السوري الراحل الطيب تيزيني عن تعريفه للعلمانية وعلاقتها بالديمقراطية والإسلام، قال ” هي منظومة من الأفكار تؤسس لوجود البشر، الذين يوجدون في مجتمعات قائمة على التعددية الدينية والإثنية والسياسية والطائفية، هي أكثر من أن تكون ناظماً لفكرة العلاقة بين الدولة والمجتمع، لأنها تدخل في خصوصيات كل هذه المسائل “. وردّاً على أولئك الذين يصفون العلمنة بـ ” الزندقة “، قال ” علينا أن نأخذ المصطلح كما يدل عليه في وجوده الغربي، الذي لا يعني الإلحاد ولا يعني الزندقة، وإنما يعني منظومة من المفاهيم والمصطلحات والأفكار التي تضبط علاقة البشر بمنظوماتهم الطائفية الإثنية المذهبية بالسلطوية السياسية، وبالتالي لا تسيء لأحد ضمن هذا المنظور العمومي. نحن هنا نحتاج الديمقراطية مُعلمنة والعلمانية ديمقراطية، وبهذا المعنى نكون قد أسسنا لما هو قابل للتبنّي أو الاستلهام، سواء كان علمانياً أو أي فكرة يجري تداولها في الفكر العالمي ” (5).

     كما اعتبر تيزيني أنّ شعار ” الدين لله والوطن للجميع ” التعبير المكثّف عن العلمانية، بمعنى ” الفصل بين الدين والدولة “، وحسب تعبيره فإنّ هذا الشعار ينطوي على معنى التحوّل إلى ” وجه مدني من الوطن المدني والدولة الوطنية “، أما الموقف العقيدي، أي الموقف من الله، فقد ” اعتُبر شخصياً بقدر ما اعتُبر محترماً ومصوناً “. وقد اتضح له أنّ ” الطائفية العقيدية الدينية يمكن تحويلها إلى نسق سياسي، من شأنه أن يسعِّر الصراع الديني والإثني بين الأقليات والأكثرية ” (6).

     وثمة وجه آخر للعلمانية، يمكن أن يكون مهماً للدولة الوطنية السورية الحديثة، التي تتفوق على المؤسسة الدينية وتحتكر العنف، من حيث أنها فاعل أساسي في جدلية التقدم والتخلف، على أنها ” جهاد في سبيل الدنيا كخيار بديل عن الجهاد في سبيل الآخرة “. إذ ينظر المفكر السوري الراحل جورج طرابيشي إلى العلمنة بوصفها مسألة جهادية دنيوية، أحدثت تحوّلات هائلة في المجتمعات الغربية، وقام نجاحها بعد أن أخذت مستويات متعددة (7): أولها، ” العلمنة الدينية ” التي كسرت احتكار الكنيسة للإيمان، وردّت الإيمان إلى الشخص البشري، وكسرت احتكار تأويل النصوص المقدسة. وثانيها، ” العلمنة الثقافية ” التي أعتقت الأدب من ربقة التصوّر الديني للعالم، وجعلته متمحوراً حول الإنسان ومصيره الدنيوي. وثالثها، ” العلمنة اللغوية ” التي تمثلت بالتمرد على لغة الكتاب المقدس، عبر تكريس اللغات العامية الدنيوية. ورابعها، ” العلمنة الإنسانية ” التي أعادت عملية إحياء الثقافة الوثنية للعصور القديمة. وخامسها، ” العلمنة العقلانية ” التي اقترنت بإعادة اكتشاف الفلسفة اليونانية التي كانت ترى إلى العقل كمعطى أول، مما جعل الفلسفة تعمل في أمرة العقل وتحت سيادته، بعد أن كانت سابقاً خادمة للاهوت. وسادسها، ” العلمنة العلمية ” التي أفادت من الثورة الكوبرنيكية، لتوجّه طعنة إلى النظرية التوراتية حول الكون ومركزية الأرض والقول بمركزية الشمس، والأهم من كل ذلك تكريس حق العلم، وبالتالي العقل البشري، في التحرر من الأساطير الغيبية، وفي التثوير الدائم واللامتناهي للمعرفة الدنيوية. وسابعها، ” العلمنة الطبقية ” المتمثلة بظهور وصعود الطبقة البورجوازية، التي حصرت جهادها بالأرض وليس بالسماء، وتمحورت فلسفتها حول المادة أكثر منها حول الروح. وثامنها، ” العلمنة القانونية ” التي أكدت على نقل مبدأ التشريع من الله وخلفائه على الأرض إلى الشعب، عبر ممثليه في البرلمانات. وتاسعها، ” العلمنة السياسية ” التي حصرت مبدأ السيادة بالأمة، والتي ساهمت في نشوء وتبلور الدولة/الأمة أو الدولة الوطنية. وعاشرها، ” العلمنة الجنسية ” حيث تفتقت هذه العلمنة عن تحرير مزدوج للحياة الجنسية البشرية من ربقة الجريمة وربقة الخطيئة معاً.

     ولا شك أنّ هذا التمييز بين العلمنة، كسيرورة تاريخية وحضارية، وبين العلمانية كآلية قانونية ضروري، لا لتفهّم واقعة الحداثة الأوروبية وحدها، بل كذلك لتفهّم واقعة تعلمن المجتمع، بالتوازي والتواقت مع تعلمن الدولة في البلدان الأوروبية، على خلاف ما حدث في روسيا البلشفية أو تركيا الكمالية، حيث أجبرت الدولة المجتمع على اعتناق العلمانية وفرضها عليه فرضاً، كأيديولوجيا أو حتى كدين بديل.

     وهكذا، فإنّ العلمنة هي ” نموذج سوسيولوجي في فهم المراحل الحديثة وتفسيرها في عملية تمايز وتمفصل، بدأت منذ وعي الدين باعتباره ديناً “. وباعتبارها تطوراً تاريخياً متعيّناً، منذ فجر الحداثة والثورة العلمية ” تتجلى في انحسار الدين من مجال فكري واجتماعي بعد آخر، بما في ذلك تحييد الدولة في المجال الديني، وتحييد العلم دينياً ” (8). وهي كمفهوم ” اسم لأنموذج تفسيري لعملية تطور إنسانية عامة، على مستوى التاريخ الطويل، في ما يتعلق بمعرفة الظواهر، وفي ما يتعلق بعلاقة السلطة الدينية بالسلطة السياسية أو الدين بالدولة ” (9).

     لقد كان للعلمنة وجهان في الحداثة الغربية (10): أولهما، فرانكفوني (العلمانية الصلبة)، يعني علمنة المجتمع وانحسار التدين، وتآكل هيمنة الثقافة الدينية وممارساتها وتعبيراتها. وثانيهما، أنكلو ساكسوني (العلمانية الناعمة)، لم يبدأ بكنيسة تحتكر المجال الديني والثقافي وتشارك في السياسي، بل بدأت بتعدد كنائس يجري تحييد الدولة فيما بينها، وتعرض نموذجاً حيوياً جداً لبقاء الدين والتدين وتطورهما في المجتمع في حيّزهما الخاص والعام، ولا يتدخل الدين في الاختصاصات العلمية والمهنية والاقتصادية. وكان لذلك أثره أيضاً في فهم الدولة العلمانية وتحديدها، باعتبارها أيديولوجيا سياسية ودستورية في الحالتين.

     وهكذا، توصلنا النقاشات السياسية المعاصرة، في شأن الدين والسياسة، إلى نتيجة مفادها أنّ الطريق الفضلى لتحييد الدولة في الشأن الديني ” هي مسار تاريخي لا يؤدي إلى وصول أوساط إلى هذه القناعة ببرامج ثقافية وسياسية تدعو إلى هذا الفصل أو التحييد فحسب، ونسميهم علمانيين بالمعنى الأيديولوجي للكلمة، بل إلى وصول المتدينين أيضاً إلى قناعة مفادها ضرورة تحرير الدين من سيطرة الدولة. هذه الطريق تُبنى على ظرف نشوء العلمانية من خلال تأكيد الحرية الدينية وحماية تعدديتها ” (11).

     إنّ السياسة فعالية دنيوية ” هي فعالية بشرية أكثر مما هي تفويض إلهي، تهتم بالشؤون الدنيوية ” (12). وهذه النقطة حاسمة لأنها ” مرتكز مفهوم السيادة والحاكمية “.

     2 – كيفية تعاطي الخبرة الإنسانية مع العَلمانية

     أدرك الغرب أهمية الدين في حياة الشعوب، فلم يقوَ أي نظام سياسي، مهما كانت درجة انفتاحه، على إخراج الدين من الحياة العامة للأفراد والمجتمعات، وما حدث هو ضرورة النظر إلى الدين بوصفه ” أداة ” تستهدف مصلحة البشر، وليس وسيلة لخنقهم بطقوس قد تفضي، في النهاية، إلى عكس ما أُريد لها.

     فليس من الصدفة أن يكون أخطر سؤال طرحه مفكرو عصر الأنوار، وأبلغه أثراً في التطور التاريخي الذي عرفه القرنان الثامن عشر والتاسع عشر هو: من أين تستمد السلطة السياسية شرعيتها لتتحكم في رقاب الناس ومصالح المجتمع؟

     بالنسبة لـ هابرماس، الذي أصدر كتابه ” تغيير بنية المجال العمومي ” في العام 1962، لم يكتفِ بإهمال الدين، بل تجاوزه إلى ” وضع افتراضات معادية للدين أيضاً “. لكنه عاد، في العقد الأول من الألفية الثالثة (نظرية الفعل التواصلي)، للاهتمام بقضايا الدين. حيث اعتبر التنوير مشروعاً ” غير مكتمل “، ووضع ” العقلانية التواصلية في مواجهة العقلانية الأداتية “، بما يضمن ” الاستقلالية الشخصية والسياسية للفرد “. وفي كتاباته المتأخرة أكد هابرماس ” ضرورة تطوير موقف ما بعد علماني، يأخذ في الاعتبار حيوية الدين في المجتمعات المختلفة “. انطلاقاً من أنّ المجال العام هو ” مضمار للجدال العقلاني النقدي، والسماح بدخوله مسألة قدرة ورغبة في المشاركة في مجال مفتوح، أما الأفكار الدينية فمتاحة لأصحابها من تقليد محدد فقط، وبالتالي لا بدَّ من ترجمتها إلى لغة العقل العام ” (13).

     في المقابل، اعترض تشارز تيلور على مفهوم ” العقل العمومي “، إذ المهم ” الاعتراف المتبادل والانخراط في المشاغل المشتركة لحملة العقائد كلها، من دون التركيز على الدين بشكل خاص “. العلمانية التي يؤيدها تيلور هي المؤسسة على قيم الثورة الفرنسية، قبل أن يتولد التطرف اللائكي، التي تعني الحوار بين الدين والدولة، ويمكن اعتبارها خيارات عمومية: الحرية والإخاء والمساواة، التي تحمي خيارات الناس وتدفع إلى الإصغاء لهم جميعاً، حيث ” ينبغي ألا يمَارَس الإكراه في الدين والعقيدة، وتشمل حرية الدين أيضاً حرية عدم الإيمان. كما لا بدَّ من وجود مساواة بين الناس من مختلف العقائد أو القناعات الأساسية، ولا يمكن أن تتمتع وجهة نظر دينية، أو نظرة إلى العالم، بمكانة مميزة، فضلاً عن اعتمادها عقيدة رسمية للدولة. ولا بدَّ لكل التيارات الروحية في الدولة من أن تجد أذناً صاغية، وهذا الإصغاء يساهم في الزج بها في العملية التواصلية من أجل تقرير غاية المجتمع، أي هويته السياسية ” (14).

     جاء الجواب فيما طرحه جان جاك روسو من نظريات في ” العقد الاجتماعي “، حول ” الديانة المدنية “، التي ” لا تبقي من الديانة التقليدية إلا دين الإنسان، الذي لا يتعارض مع المسيحية وغيرها من الديانات التي يرفض أن تعتنقها الدولة. فدين الدولة هذا لا يأبه بالتفاصيل التي تُعنى بها المذاهب، واختلاف الديانات ليس مهماً بالنسبة إلى هذه الديانة التي يتبناها العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه الدولة المدنية” (15).

     كما أنّ إيمانويل كانْت لم يرَ أي تناقض بين الإيمان والعقل في فلسفته، وفي حياته، ولكنه قال عن مؤسسات الكهنوت الديني، وعن السلطة الاستبدادية: إنها مؤسسات تدوس بأرجلها حقوق البشر المقدسة. لقد كان منهج كانْت مثالاً على فصل العقل والمحاكمات العقلية عن الإيمان والفعل الإيماني. ويتمثل أساس فهم نظريته في الدين، أو للدقة في الأمل ” في توقعات الفرد الحديث لالتقاء السعادة وفعل الخير “، والسعادة في نظره دنيوية، ويقترب هنا من التعريفات الوظيفية للدين. أي ” قد يجد حتى المتدين سعادة دنيوية في القناعة الذاتية الإيمانية الراسخة بفعل الخير، والوقوف ضد الظلم. كما قد يجدها العلماني، المتدين وغير المتدين، في البعد الإيماني لفعل الخير، والوقوف ضد الظلم ” (16).

     كما انتقد هيغل، من بعد كانْت، التفنيد التنويري للدين كأنه مجرد خرافات ” إذ اعتبر الديني مرحلة من مراحل ظهور العقل في التاريخ بأسئلة شبيهة بأسئلة الفلسفة. وهو يموضع الدين في إطار وعي العقل لذاته، أي في إطار مرحلة تطور العقل المطلق، وقد مَوْضَعَهُ بين الفن والفلسفة”. وخلافاً للتنويريين الذين سبقوه، أكد أنه ” لابدَّ من مصالحة الفلسفة مع التقاليد الدينية المتراكمة عبر التاريخ، كي يكون التفكير نابعاً من العقل الكلي لا من الفهم وحده “. وبذلك أراد كانْت أن يبين أمورًا أساسية (17): أولها، أنّ إعمال العقل خارج ما يصل إليه يعني الوصول إلى نتائج لا عقلانية، ويفضِّل منع العقل منها، وتركها لنشاط إنساني ذهني آخر هو الإيمان. وثانيها، أنّ لا مجال لإخضاع الإيمان، ولا الأفكار التي يقوم عليها للعقل. وثالثها، أنّ الدين ممارسة اجتماعية أخلاقية، ويجب أن يخضع لمتطلبات العقل العملي/الوظيفي.

     أما ماكس فيبر فقد درس دور الدين في الحداثة (علم اجتماع الدين)، وأوصلته دراساته ونظرياته المهمة بهذا الشأن، التي ” لم ترَ الدين مجرد عائق في طريق الحداثة، بل دفعته إلى درس أنماط التدين التي ساهمت في صنع الحداثة الرأسمالية في هولندا وفرنسا وإنكلترا ” (18).

     ومن المؤكد أنّ العقل الوظيفي، الذي تحدث عنه كانْت وهيغل وفيبر، ينطوي على حاجة الدولة الحديثة إلى العقد الاجتماعي، الذي لا يقوم على عدالة إلهية، ولا على إحسان إنساني مدفوع بالشعور الديني، بل على المصلحة. وكان مارسيل دوبادو في كتابه ” المدافع عن السلام ” في العام 1324 قد أعطى شروط التصور الحديث في السياسة، حيث ” أنضج نظرية للمجتمع المدني “، و” تصوّر دنيوي للسلطة السياسية ” (19).

     لقد قلّل كل من التمايز والتوحيد المجتمعي من معقولية أي نظام ديني واحد شامل ” حافظ الدين على معقولية ذاتية بالنسبة إلى بعضهم، لكنّ خسرانه لهدفه بات أمراً مسلّماً به، إنه الآن اختيار وليس ضرورة ” (20). فقد أدى التنوّع الاجتماعي والثقافي إلى ميلاد الدولة العلمانية، من خلال التأقلم مع التنوّع الديني المتزايد، وحيادية الدولة.

     وهكذا، فإنّ العلمانية في سياقنا التاريخي تبدو مصطلحاً إشكالياً، يثير تداعيات عديدة، ولكنّ عملية التثاقف التي عرفتها البشرية طوال تاريخها، تعكس الديناميكية المعروفة في تاريخ الأفكار، ولعلنا في سورية أحوج ما نكون إلى التعاطي مع الإشكالات التي طرحتها حركة التنوير الأوروبية (21): تأسيس الاجتماع السياسي المدني على قيم العقلانية والتسامح والعدالة بمفهومها القانوني المعبّر عن الإرادة المشتركة والفصل بين السلطات، وترجمة المضامين الأخلاقية والقيمية للدين في لغة العقل العمومي، وبناء الفاعلية الاقتصادية على أساس قيم الإنتاجية والإبداع والعمل الحر، وبناء منظومة قانونية وأخلاقية للسلم الأهلي والعيش المشترك.

     3 – دحض تخوّفات بعض الإسلاميين

     إنّ الكثيرين لا يدركون ماهية العلمانية ومدى أهميتها من أجل بناء دولة سورية ديمقراطية حديثة على مستوى تحديات العصر، ولربما السبب في رفضهم العلمانية هو انهم يخشون أن تكون مرادفاً لمعاداة الدين، على أنّ هذا الخلط لا أساس له، بل أنّ العلمانية ” من شانها أن تحرر الدين من استغلال السلطة له. وبالتالي فإنّ العلمانية من شأنها أن تقوّي بُعد القناعة الفردية الحرة من العقيدة الدينية، وذلك من خلال فك الارتباط بين الدين والسلطة. بل أنّ العلمانية هي، في جوهرها، ليست سوى التأويل الحقيقي والفهم الصحيح للدين، على الأقل في جانب المعاملات والقيم العامة التي يحملها ” (22).

     لقد تصدى جورج طرابيشي للذين ينكرون على العلمانية ضرورتها في المجتمعات الإسلامية، أو الذين يحصرون مطلبها بالأقليات غير الإسلامية، فيحسم بأنّ العلمانية إشكالية إسلامية – إسلامية أولاً وقبل كل شيء ” يتفق خصوم العلمانية في الساحة الثقافية المعاصرة، سواء أكانوا من دعاة الحداثة أم من دعاة القدامة، على اعتبارها نموذجاً لإشكالية مستوردة. فالعلمانية في رأيهم رأت النور في الغرب، وتحديداً الغرب المسيحي… جرى ازدراع تلك الإشكالية الغربية في جسم الثقافة العربية الحديثة بدون أن تكون بها إليها حاجة حقيقية، وبدون أن تلبّي طلباً فعلياً – أو متوَهماً أنه كذلك – إلاّ للجماعة الأقلوية التي تطوعت لاستيرادها: نصارى الشرق ” (23).

     وإذا كانت العلمانية في وجه من وجوهها ” فلسفة وآلية لتسوية العلاقات، لا بين الأديان المختلفة فحسب، بل كذلك بين الطوائف المختلفة في الدين الواحد، فهذا ما يجعلها أكثر من ضرورة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية القائمة على تعدديات طائفية ومذهبية، مما يجعل منها قضية إسلامية – إسلامية قبل أن تكون قضية مسيحية – إسلامية. لعلَّ الصراعات المذهبية والطائفية المندلعة اليوم حروباً أهلية بين الطوائف الإسلامية خير حافز لاعتبار العلمانية أحد الطرق المؤدية إلى الحد من هذه الحروب ” (24).

     وفي استعادة للمسار الذي سلكته العلمانية في المسيحية يشير طرابيشي إلى أنه ” لن يكون أصعب بكثير على الإسلام من المسيحية دخول العلمنة. ففي المسيحية ليست بذور العلمانية هي التي تطورت إلى شجرة وغابة، بل العكس: عندما اكتملت القطيعة المعرفية التي حققها الغرب مع نفسه وتعلمن، عادت المسيحية إلى تاريخها، لتكتشف هذا التعلّمن وتبرره. وأعتقد أنّ الإسلام سيدخل هذه المرحلة، وسيعود إلى ماضيه فيما بعد، ليكتشف تلك البذور ويمنحها تسمية جديدة. وهذا الأمر ضروري للإسلام نفسه، وسيساعده على أن يتحول من إسلام سياسي إلى إسلام روحي، تماماً كما حصل في المسيحية. والإسلام هو أحوج الأديان اليوم إلى الفصل فيه بين الزمني والروحي… ولئن كان الإسلام ” المسيّس ” و” المؤدلج ” يشنُّ حرباً شعواء على العلمانية، فما ذلك إلاّ لأنه يرفض مبدأ فصل الدين عن الدولة، بل كذلك لأنّ العلمانية، بما يترتب عليها من فصل بين الروحي والزمني، حتى على الصعيد الديني المحض، من شأنها أن تساعد الإسلام على فكِّ نفسه من أسر ” التسيس ” و” الأدلجة ” وعلى استرداد وضعيته الطبيعية كوجدان جمعي شبه فطري ” (25).

     وإذا ما انتقلنا إلى التاريخ الإسلامي الفعلي، سوف نجد ” أنّ المناظرات الثرية والسجالية التي كانت تجري في بلاط السلاطين المسلمين، حيث كانوا يحثّون السلطان على الاقتناع بأنّ الدين وازع أخلاقي اجتماعي، حيث تغيب القدرة على السيطرة والقسر “. حتى أنّ القاضي والفقيه الماوردي، صاحب ” الأحكام السلطانية “، ميّز العلاقة بين الدين، باعتباره وازعاً وأخلاقاً عامة، والسلطة السياسية. بل أنه ” أدرك الفرق بين التعليل العقلي والإيمان الديني المؤسس للأخلاق “، وهو ” فهم قريب مما توصل إليه كانْت من فرق بين تديّن النخبة في حدود العقل وتديّن العامة ” (26).

     إنّ الفصل والتمايز باعتبارهما عملية علمنة، إنما هما تبسيط يسقط على الماضي نموذجاً فكرياً منطلقاً من موقف علماني في الحاضر، بينما ” الصيرورة هي تمايز ناشئ تاريخياً، وقد ينتهي هذا التمايز إلى وعي بالانفصال بين الدين والسياسة، أو بين الدولة والمؤسسات الدينية. وهذا قد يقود إلى نوع من الرابط التعاقدي، أو التواطؤ بفوائد متبادلة. وغالباً ما تسبق هذه المرحلة، من إخضاع الدين للدولة، مرحلة تحييد الدولة في الشأن الديني تاريخياً ” (27).

     وهكذا، تفترض العلمنة أنّ ثمة صيرورة تاريخية تؤدي إلى انحسار الدين تدريجياً عن قطاعات مجتمعية واسعة، يتمثل أهمها بالنسبة إلى مصطلح العلمانية في ” نشوء منطق الدولة الذي يتغلب على الاعتبارات الدينية، حيث يصبح الحكم السياسي على الأمور نابعاً من مصالح الناس في الدنيا. وما يمكن تشريعه من قوانين، قبل علمنة الوعي وفرضه من الدولة، هو منع الدولة، أو أي قوة سياسية من فرض الدين بواسطة الدولة، أو منع فرض رأي سياسي لحركة دينية بواسطة الدولة، أو فرضه كأنه رأي مقدس تستدعي مخالفته تكفير المخالف ” (28).

    4 – دروس بعض التجارب الإسلامية ذات النزعة العلمانية

     شغلت إشكالية الدولة والمواطنة علماء السياسة، وعكفت النخب الفكرية والسياسية، منذ سنوات، على دراسة الأطروحات ذات المرجعية الإسلامية، خاصة التجارب ذات النزعات العلمانية (حزب العدالة والتنمية في تركيا، حركة النهضة التونسية، حزب العدالة والتنمية المغربي). ولا شك في أنّ نشوء تيار إسلامي مدني، يؤمن بفصل الدين عن الدولة، وبدعم الدولة الوطنية الحديثة التي ترعى كل الأديان وتصون مقدساتها، وتضمن حقوق مواطنيها من دون استثناء، هو أمر بالغ الأهمية في زماننا الصعب، حيث نلاحظ ارتكاسة واضحة عن القيم الحداثية التي دعا إليها النهضويون العرب في القرن التاسع عشر.

     وفي الواقع يمكن القول في السياق الإسلامي ” إنّ التمايز بين الدين والدولة، بمعنى إدراك متطلبات الدولة العملية التي لا تقتصر على كون الدولة أداة بيد الدين، قد بدأ مع الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب. لكنّ الخليفة الثالث عثمان بن عفان هو الذي وعى هذه الحقيقة، حقيقة تشكّل الدولة، بما في ذلك استنادها إلى عصبيات أخرى غير العصبية الدينية “. وفي الدولة الأموية ” انتصر منطق السياسة والسلطة على حماسة الخلافة الدينية “، وأنّ خضوع الدين للسياسة ” بدأ عملياً مع تحوّل الدولة إلى مُلك عضوض يورّث من الأب إلى ابنه ” (29).

     وحول إمكانية انسجام الإسلام مع مصطلحات مثل العلمانية والديمقراطية، أكد المفكر السوري الراحل صادق جلال العظم ” إنّ الإسلام التاريخي العملي والحياتي قادر على الانسجام معها، لأنه انسجم في وقت سابق مع مجتمعات البداوة والإمبراطورية، كما انسجم فيما بعد مع الدولة الصناعية الحديثة، لكن إذا أخذت الإسلام بمعنى نظام مثالي مغلق، يعني فقط مبادئ معينة، فهذا لا ينسجم إلا مع نفسه” (30).

     فمع حزب ” العدالة والتنمية ” التركي نكاد لا نميّز فيه شيئاً مخالفاً لصفة الحزب العلماني، فبرنامجه برنامج انتخابي سياسي صرف لا وجود لمسحة دينية فيه، وهو يعلن التزامه بالتوجهات العلمانية للدولة التركية، ويفصل الدين عن السياسة، وذلك لا يعني فصل الدين عن المجتمع، حيث نرى مشروعاً تركياً يحاول فيه نظام علماني أن يستوعب المكوّن الديني في المجتمع ويدخله في معادلة النظام السياسي. وفيما يتعلق بالأنموذج التركي يرى العظم ” إنه لا يمكن تطبيقه في العالم الإسلامي كما هو، لكن يمكن الاستفادة والتعلّم منه، لأنّ النموذج التركي له خصوصيته، وتركيا هي البلد الوحيد الذي استطاع أن يجمع بين أمرين: تاريخ طويل من العلمانية المتشددة، وفي الوقت نفسه أنتجت هذه العلمانية حزباً إسلامياً ديمقراطياً حقيقياً قادراً على استلام السلطة عبر انتخابات حرة نزيهة لا غبار عليها “. وأبدى اعتقاده بأنّ هذا النوع من الإسلام لن يفرّط للحظة أو يتلاعب بمكتسبات هائلة ومنجزات عصرية ونوعية مثل (31): المجتمع المدني التركي المتطور والنامي بسرعة كبيرة بمنظماته وتياراته وقواعد تعامله وقوانينه الضابطة، المستوى المتقدم الذي بلغه في ممارسة ديمقراطية المواطن وتطبيق إجراءاتها بحدود 60 إلى 70% لا أكثر، بدلًا من ديمقراطية المذاهب والطوائف والعشائر وما إليه كما هو معروف جيدًا بالنسبة لنا “. إلى أن يستنتج أنّ لحظة وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة ديمقراطيًا وسلميًا ” شكلت لحظة النضج للتجربة التركية مع الجمهورية الكمالية والدولة العلمانية مع الآليات الديمقراطية، أي لحظة نضج للشعب التركي نفسه ولقواه وأحزابه العلمانية من ناحية، ولإسلامه السياسي من الناحية الثانية.. أي تثبيت الجمهورية ومؤسساتها وقيمها، تثبيت فصل السلطات، تثبيت استقلال القضاء، تثبيت فكرة المواطنة وتوطيد قيمها، تثبيت حقوق المواطن والحريات العامة المعروفة، تثبيت فكرة التداول السلمي للسلطة على أوسع نطاق ” (32).

     أما حركة النهضة التونسية، التي أصبحت شريكاً أساسياً في عملية الانتقال الديمقراطي، لا تردد مفاهيم الشورى والإمارة الإسلامية والطاعة في خطاباتها السياسية والإعلامية، وإنما رسالتها تقوم على أنها ” حركة مدنية ديمقراطية حداثية لا تؤمن بحكم الفرد ولا بعصمته، وإنما مشروعها في الحكم مشروع جماعي لا ترى نفسها إلا طرفاً فيه كغيرها من الأطراف. كما أنها لا تشجع على الاستقطاب الأيديولوجي، وهي تعمل سياسياً بمنطق وفاقي، وتبحث عن أوسع ائتلاف ممكن لدعم الانتقال الديمقراطي في تونس ” (33).

     وعشية المؤتمر العاشر للحركة، في 20 أيار/مايو 2016، صرّح زعيم الحركة الشيخ راشد الغنوشي لصحيفة ” لوموند ” الفرنسية بقوله ” لا نعرّف أنفسنا بأننا جزء من الإسلام السياسي، بل نحن حزب سياسي ديمقراطي ومدني، له مرجعية قيم حضارية مسلمة وحداثية “. وأكد على ” أن يكون النشاط الديني مستقلاً تماماً عن النشاط السياسي “. وتكمن أهمية هذا التحوّل في اختيار الحركة التموضع داخل المشهد السياسي، والإسهام فيه بصفتها الحزبية وبمقترحاتها البرنامجية، لا بصفتها الدينية، أو أعمالها الدعوية.

     وفي قراءة للدور الإيجابي الذي لعبته حركة النهضة في مسارات الثورة التونسية، يمكن القول إنّ إصدار وثيقة دستورية حداثية، في 17 كانون الثاني/يناير 2014، يمثل مظهرًا من مظاهر هذا الدور، حيث ورد في الفصل السادس (حرية المعتقد) ” الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، حامية المقدسات، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي. يحجّر التكفير والتحريض على العنف “.

      وفي البرنامج الانتخابي لحزب ” العدالة والتنمية ” المغربي، للانتخابات التشريعية في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2016، فقد ورد في الفصل الأول ” مرجعيتنا المشتركة ومنهجنا في الإصلاح ” ما يلي ” إنّ مضمون ومفهوم كون حزب العدالة والتنمية حزباً سياسياً بمرجعية إسلامية وليس حزباً دينياً يحتكر الدين. يعني أولاً تمييزه بين المجال الدعوي والمجال السياسي.. وأنه يشتغل في المجال السياسي بأدوات الفعل السياسي “. كما أكد ” إنّ تبنّي الحزب للمرجعية الإسلامية لا يعني الانغلاق عليها والقطيعة مع المرجعيات الإنسانية “.

      وهكذا، يبقى التحدي الأساسي المطروح على الجماعات الإسلامية هو القدرة على إدارة الحقل الديني في اتجاهات ثلاثة: أولها، حيادية الدولة إزاء تعددية تأويلات النص المرجعي المقدس، بدلاً من فرض سقف تأويلي له. وثانيها، الحفاظ على التنوّع الديني في البلدان التي تضم مكوّنات غير مسلمة، ما يقتضي تكريس فكرة المواطنة المتساوية. وثالثها، النأي بالمسألة الدينية عن صراعات الشرعية السياسية والتجاذبات الأيديولوجية، وتحويلها إلى سياج معياري ضامن للقيم المدنية المشتركة (الديانة المدنية بلغة جان جاك روسو).

     خاتمة:

     تتواصل عملية التمفصل بين الدين والدولة لمصلحة الدولة، ولمصلحة السياسة، بحيث تبدأ العلمنة بتحوّل الدولة إلى العنصر الأقوى في مركّب دين/دولة. خاصة بعد أن انتقلت الوظيفة المتعلقة بالخير العام إلى الدولة، التي تقيم سلطان الله على الأرض.

     وفي الواقع لا يكفي التمييز بين المجالين الديني والدنيوي لفهم فعل الدينامية الناجمة عن تمايزهما في المجتمعات، بل سوف يكون ضرورياً أن نميّز بين أنماط التدين والفئات الاجتماعية، وأنواع الدولة، ودرجة تطور المجتمعات.

ــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1 – د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الجزء 2 من المجلد 1، بيروت ط1، كانون الثاني/يناير 2015، ص 94.

2 – د. عبدالله تركماني، العلمانية المؤمنة ضمانة للتقدم العربي، صحيفة ” الوقت ” البحرينية – 6 آب/أغسطس2009.

3  – د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء 2 من المجلد 1، المرجع السابق، ص ص 62 – 63.

4 –  ياسين الحافظ، التجربة التاريخية الفيتنامية/تقييم نقدي مقارن مع التجربة التاريخية العربية، دار الحصاد، دمشق ط3 1997، ص ص 23- 24.

5 – حوار محمد ديبو مع الطيّب تيزيني، الموقع الإلكتروني ” الأوان “، 2 نيسان/أبريل 2009.

6          – د. الطيّب تيزيني، على طريق الوضوح المنهجي (كتابات في الفلسفة والفكر العربي)، دار الفارابي، بيروت 1989، ص ص 53 – 54.

7 – جورج طرابيشي، هرطقات 2/عن العلمانية كإشكالية إسلامية – إسلامية، دار الساقي – بيروت ط1 2008، ص ص 99 – 104.

8 – د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الجزء 1 من المجلد 1، بيروت ط1، كانون الثاني/يناير 2013، ص 239.

9 – د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء 2 من المجلد 1، المرجع السابق، ص 41.

10- د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء 1 من المجلد 1، المرجع السابق، ص 240.

11- د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الجزء 2 من المجلد 2، بيروت ط2، تشرين الأول/أكتوبر 2015، ص 282.

12 – فرانسوا شاتليه، ترجمة د. أنطون حمصي، تاريخ الأيديولوجيات، منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق 1997، ج2 ص 304.

13 – د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء 2 من المجلد 1، المرجع السابق، ص ص 811 – 823.

14 – د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء 2 من المجلد 1، المرجع السابق، ص ص  823 – 824.

15 – د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء 2 من المجلد 2، المرجع السابق، ص 193.

16 – د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء 1 من المجلد 1، المرجع السابق، ص 259.

17 – د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء 1 من المجلد 1، المرجع السابق، ص ص 251 – 260.

   18 – د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء 1 من المجلد 1، المرجع السابق، ص 291.

19 – فرانسوا شاتليه، المرجع السابق، ص ص 305 – 306.

20 – ستيف بروس، ترجمة مصطفى منادي الإدريسي، العلمنة، مؤسسة ” مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث “، 2015 ص ص 10 – 11.

21 – د. السيد ولد أباه، العودة لمشروع التنوير العربي، صحيفة ” الاتحاد “، أبو ظبي 4 آب/ أغسطس 2019

22 – د. عبدالله تركماني، العلمانية المؤمنة ضمانة للتقدم العربي، المرجع السابق.

 23 – جورج طرابيشي، هرطقات 2/عن العلمانية كإشكالية إسلامية – إسلامية، المرجع السابق، ص 9.

24 – د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء 2 من المجلد 1، المرجع السابق، ص 41.

25 – جورج طرابيشي، هرطقات 2/عن العلمانية كإشكالية إسلامية – إسلامية، المرجع السابق، ص 10.

26 – د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء 1 من المجلد 1، المرجع السابق، ص ص 263 – 264.

27- د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء 1 من المجلد 1، المرجع السابق، ص 424.

28 – د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء 2 من المجلد 1، المرجع السابق، ص 62.

29 – د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء 1 من المجلد 1، المرجع السابق، ص  432 و426.

30 – حوار جورج طرابيشي مع موقع ” الحوار اليوم “، 8 أيار/مايو 2012.

رابط الحوار: http://www.alhiwartoday.net/node/4288

31 – حوار حسن سلمان مع د. صادق جلال العظم، ميدل ايست اونلاين – 25 أيلول/سبتمبر2007.

32 – حوار حسن سلمان مع د. صادق جلال العظم، المرجع السابق.

33 – وحدة دراسة السياسات، الموقع الإلكتروني لـ ” مركز حرمون للدراسات المعاصرة “، هل يمكن للإ

سلام السياسي أن يتجه نحو بناء الدولة الوطنية؟ حركة النهضة التونسية نموذجًا، 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2017.

 

 

 

د- عبد الله تركماني:

كاتب أكاديمي وباحث سوري في الفكر السياسي

التعليقات مغلقة.