الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

ليالي الفرس في فيينا

جمال زحالقة *

غطت أحداث التصعيد الخطير في أوكرانيا وروسيا على الأخبار الواردة من فيينا حول سير المفاوضات، التي يجريها الوفد الإيراني مع ممثلي بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين، ومع الطرف الأمريكي الأهم، الذي يشارك فيها بشكل غير مباشر. ليس واضحاً بعد كيف ستؤثر مجريات الأمور في أوكرانيا على ما يبدو أنه اتفاق وشيك، تتم خلاله العودة إلى اتفاقية عام 2015 حول المشروع النووي الإيراني.

ترجح الغالبية الساحقة من السياسيين والمحللين أنه سيجري الإعلان عن اتفاق في فيينا خلال أيام أو أسابيع على الأكثر، ومن الواضح أنه يجري الحديث عن اتفاق مطابق لما كان سنة 2015، من دون إدخال تعديلات أو بنود جديدة، وهذا انتصار كبير للنظام الإيراني، الذي حضر ممثلوه إلى فيينا وفاوضوا من منطلق قوة بعد أن فشلت العقوبات التي فرضها ترامب في تحقيق أي هدف من أهدافها المعلنة.

لقد انتهت المفاوضات عملياً، ولم يبق سوى بعض الهوامش، ويبدو أن الولايات المتحدة، اتخذت قراراً بالتوقيع، وكذلك بقية الدول المشاركة، والكل ينتظر قرار القيادة الإيرانية النهائي. ومهما يكن من أمر، فإن الإيرانيين أبلوا بلاءً حسنا في المفاوضات، وكانت تلك بجدارة «ليالي الفرس في فيينا» حيث انطلق المفاوض الإيراني، من فهم عميق لحاجة الولايات المتحدة والغرب عموماً للاتفاق، وهي حاجة لا تقل عن الرغبة في رفع العقوبات، التي سعى إليها الإيرانيون.

إسرائيل صفر تأثير:

حاولت إسرائيل منع التوصل إلى اتفاق ولم تنجح، وسعت إلى إدخال تعديلات جذرية ونالت فشلاً ذريعاً، واعترف مسؤول إسرائيلي «كبير» في حديث مع الصحافيين بأن النتيجة المُرة، بنظره، هي أن الاتفاق سيتم دون تغيير وأن تأثير إسرائيل فيه هو صفر. وهذا ما أعلنه أكثر من مسؤول إيراني، ومنهم مستشار الوفد المفاوض “محمد مرندي”، الذي قال: «لا دور لإسرائيل في سير مفاوضات فيينا، ولا تأثير لها في نتائجها». من الصعب على إسرائيل أن تتقبل فكرة أن هناك تطورات مهمة، تعتقد أنها تهمها ولا تأثير لها فيها. فبعد إقامة الحكومة الجديدة أعلن أقطابها بينيت ولبيد وغانتس بأنهم لن يتصرفوا مثل نتنياهو، الذي هاجم أوباما علناً ودخل في مواجهة معه، في أعقاب توقيعه على الاتفاق النووي مع إيران داعياً إلى إلغائه، وشرحوا وعادوا وشرحوا بأنهم يعملون بلا ضجيج من أجل التأثير في الموقف الأمريكي. وكانت النتيجة أنهم لم يمنعوا الاتفاق ولم يؤثروا فيه. وعلّقت إسرائيل آمالا على «تعنت إيراني» وراقبت عن كثب «ليالي الفرس في فيينا» ولم يحصل ما أرادت وكان موقف الوفد الإيراني عموماً متوازناً ومسؤولاً، وحبذا لو تفاوض إيران العرب بهذه الطريقة، وليس بأسلوبها المتعالي والمستهتر بالدول وبالشعوب العربية.

ما بعد الاتفاق:

يبدو من تصريحات القيادات الإسرائيلية، هذا الأسبوع، أنها سلمت بأنها لن تستطيع منع التوقيع على الاتفاق في فيينا، وأن هذا التوقيع أصبح وشيكاً. وبدأت تتضح معالم السياسة الإسرائيلية في مرحلة «ما بعد» التي سيكون لها تأثير في العالم العربي. وفي الحقيقة لم يعد أحد يستطيع تحليل الحالة السياسية العربية، من دون أن يأخذ بعين الاعتبار موقف ورأي إسرائيل، الذي يؤثر كثيراً في توجهات قيادات عربية مبهورة، حتى أنه لا مبالغة في القول بأن إسرائيل صارت تقود معسكراً عربياً.

في محاولة أخيرة للتخريب، أوفدت وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى فيينا، الخميس في 22.2.17 ، أحد كبار موظفيها وهو “يهوشاع زرقا”، المسؤول عن الشؤون الاستراتيجية والمزود بالمعلومات الإسرائيلية حول البرنامج النووي الإيراني، لكن هذا لم يؤثر كثيراً، وما تراهن عليه إسرائيل أكثر هو الندب والعويل حول أن الاتفاق النووي يهدد أمنها القومي، وسيضرب حلفاءها العرب، وسيؤدي إلى استفحال العنف في الشرق الأوسط. من المؤكد أن الاتفاق المزمع عقده لا يروق لإسرائيل، لكن المبالغة في الندب وفي نشر الذعر وفي التعبير عن السخط، تأتي لتخدم مآرب أخرى، في مقدمتها الحصول على المزيد من الدعم العسكري والأمني والتكنولوجي من الولايات المتحدة، لتعويض إسرائيل عن «الخسارة» ولضمان أمنها في مواجهة تعاظم قوة إيران. الادعاء المركزي هو أن رفع العقوبات، سيؤدي إلى تدفق عشرات المليارات من الدولارات للخزينة الإيرانية، تستغل للتسلح ولدعم حلفاء إيران، ما يشكل تهديداً لما يسمى «الأمن القومي الإسرائيلي». وتحدث مسؤولون إسرائيليون عن أنه «من المفضل أن نوضح للإدارة الأمريكية، إلى أي درجة نحن لسنا راضين عن الاتفاق». وترجمة ذلك عملياً «لسنا راضين وعلى الولايات المتحدة إرضاءنا بأسلحة جديدة» وكانت وزيرة المواصلات الإسرائيلية ورئيسة حزب العمل “ميراف ميخائيلي”، واضحة بهذا الشأن وقالت: «نحن نسعى لأن يكون هناك اتفاق مكمل بين الولايات المتحدة وإسرائيل» والهدف منه هو الحصول على مكاسب استراتيجية وعلى تجهيزات عسكرية متطورة.

واستباقاً للتوقيع على الاتفاق، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، ومعه وزير خارجيته يئير لبيد، ووزير الأمن الجنرال بيني غانتس، أن العودة للاتفاق النووي خطأ كبير، وأنه أسوأ من الاتفاق السابق، وأن سريان مفعوله سيكون لفترة أقصر، تتحرر بعدها إيران من قيوده، وأعلنوا أن إسرائيل غير ملزمة به، وهي تحفظ لنفسها حرية العمل، سواء حصل اتفاق أم لم يحصل. كما عبر مسؤولون إسرائيليون عن قلقهم من استغلال إيران لرفع العقوبات لتوسيع نفوذها في المنطقة. التهديدات بضرب إيران تحت ما يسمى «حرية الحركة» هي بلا رصيد، لأن إسرائيل لن تجرؤ على الاعتداء على أي موقع يشمله اتفاق وقعت عليه الولايات المتحدة، وهي تسعى للحصول من الإدارة الأمريكية على «إذن» باستهداف منشآت إنتاج صواريخ بعيدة المدى وما تسميه مرافق تطوير أسلحة نووية وحتى اغتيال علماء إيرانيين. تشعر إسرائيل بأن الاتفاق، حين يوقع، سيكبلها ويمنع عنها ما تدعيه من «حرية الحركة». لكنها تراهن على أن الاتفاق ليس نهاية المطاف، وقد صرح غانتس، يوم الأربعاء 22.2.23 بأن «الاتفاق ليس النهاية، بل بداية الطريق لما يجب القيام به، مثل مواصلة التحقيق في الملفات (الإيرانية) المفتوحة عند الوكالة الدولية للطاقة النووية.. العمل على وقف تطوير صواريخ إيرانية قادرة على حمل رؤوس نووية.. مناقشة مدة سريان مفعول الاتفاق وماذا سيكون بعدها». وأضاف: «إذا وُقع الاتفاق يجب تحضير خطط وقدرات هجومية ورزمة عقوبات جدية، في حال خرقت إيران الاتفاق. كما يجب التأكد من أن الأموال التي ستدخل إيران لن تستعمل للإرهاب، ونشر عدم الاستقرار في المنطقة».

يبدو أن الاتفاق أصبح جاهزاً للتوقيع في فيينا، لكن ليس من الواضح بعد كيف ستؤثر الأزمة في أوكرانيا فيه، وهل ستؤدي إلى تأجيل التوقيع، هذا احتمال وارد جداً، خاصة أن روسيا، المشاركة في مفاوضات فيينا، حاولت كثيراً ربط الملفين، وعبرت عن استعدادها للضغط على إيران لإبداء المرونة مقابل مرونة أمريكية بكل ما يخص تمدد الحلف الأطلسي نحو حدود روسيا، وربما يحدث العكس، وتستعجل دول الغرب التوقيع للتفرغ للأزمة الأوكرانية.

لقد بدأت إسرائيل تبني استراتيجية ما بعد الاتفاق، لكن ما هي الاستراتيجية العربية؟ يبدو أن دول التطبيع المعلن والسري لا تكلف نفسها عناء البحث عنها، وتكتفي بالانضمام إلى المعسكر الإسرائيلي، والانضواء تحت مخططاته واستراتيجياته. وحتى بعض الانتقادات العربية التي تتعرض لها الحكومة الإسرائيلية الحالية هي أنها ليست حازمة كما يلزم (في إشارة إلى الحنين إلى نتنياهو) وعبّر الصحافي الإسرائيلي المعروف براك رافيد، عن ذلك بالقول: «لقد بدا بينيت في عيون القيادة في البحرين معتدلاً أكثر من اللزوم» لكن، ومهما بلغت الانتقادات لإيران، وقسم كبير منها صحيح، لا مبرر في الدنيا للوقوف إلى جانب إسرائيل، التي تدوس على حقوق الفلسطينيين والعرب ليل نهار. لقد آن الأوان لأن تعترف القيادات العربية بالواقع، وإذا كانت تدعي البراغماتية، فعليها أن تتعامل مع التطورات الفعلية، فالولايات المتحدة في الطريق للاتفاق مع إيران، وهي أيضاً في طريقها للانسحاب من المنطقة، ولا يمكن للدول العربية أن تعتمد عليها. ربما على القيادات العربية أن تصغي جيداً للنصائح التي استمعت إليها من الصينيين وهي أنه ما من طرف خارجي سيحل مشاكل المنطقة، وعلى الدول أن تعتمد على نفسها وأن تتفاهم في ما بينها لحل المعضلات القائمة. قد يكون التوقيع المقبل على الاتفاق النووي فرصة لخلط الأوراق من جديد، ويمكن استغلال المواقف التركية والإيرانية المعلنة حول حسن الجوار للوصول إلى اتفاق تفاهم إقليمي شامل عربي- إيراني- تركي، لحل أزمات سوريا واليمن والعراق وليبيا ولبنان. لا يوجد حل آخر في الأفق، ومن أهم الشروط المسبقة لمثل هذا التفاهم هو تحرر عربي من عناق الدب الإسرائيلي، فإسرائيل كانت وستبقى هي صانعة المشاكل وحفارة القبور للحلول.

* كاتب فلسطيني، رئيس حزب التجمع الوطني في أراضي 48

المصدر: القدس العربي