الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

إطلالة على التجربة الثورية لجمال عبد الناصر وعلى فكره الاستراتيجي والتاريخي

الناصرية ومستقبليتها: الاقتناع والتجديد (4/4)

الدكتور جمال الأتاسي

دمشق – 1981

رابعاً – الناصرية ومستقبليتها

الاقتناع والتجديد (4/4)

ومن هنا فان مثل هذه الاتباعية تظل تدور في إطار مغلق لا خروج منه، وهي بالتالي لا تقدم شيئاً لتغيير هذا الواقع المتعثر. وهذا ما ينطبق لا على من يأخذون ذلك المنحى الإتباعي والجامد من الناصرية وفكر عبدالناصر فحسب، بل ينطبق أيضاً، وعلى نطاق أوسع وأشمل، على كل التيارات السياسية على اختلاف مناهلها الأيديولوجية، حين تأخذ بهذا المنحى السكوتي والاتباعي، أياً كان ما تحمل من شعارات الثورة والتغيير .

وبين هذه الاتباعية من جهة- التي تقلص مشروع عبدالناصر في الثورة، وتقلص بالتالي مشروع الثورة العربية عموماً وتحبسه في أطرها القاصرة ، لتتقلص هي بالتالي وتتشرذم، ولتصبح هامشية أو تابعة- وبين هذه العودة للسلفي والرجعي التي تستشري وتمتد من جهة ثانية وفوق هذا كله- ونتيجة لهذا كله- تصعد قوى الثورة المضادة وتبسط هيمنتها في مواقع عديدة على مراكز السلطة ومراكز النشر والتعليم والإعلام والهيمنة الثقافية والاقتصادية (هذا اذا ما تركنا جانباً زمر الأقلام الانتهازية التي تتلون بتلون النظم والطبقات البيروقراطية والطفيلية المتسلطة والمتنامية، وتبقى ساحة العمل الثوري، وتجديد نهوض الأمة ونضالية جماهيرها، خالية إلا من محاولات تشق طريقها في كثير من التعثر والعناء وتدفع ثمناً باهظاً لكل حركة من تحركاتها، من حريتها وكرامتها وحياتها. والنداء الذي تجده أمامها ويلح عليها هو نداء عبدالناصر: أيها الوطنيون العرب وحدوا أفكاركم ومضامين أهدافكم في توجه مستقبلي، ومن غير ضياع في المسالك الفرعية، ووحدوا منهاج عملكم واستراتيجية نضالكم دفعاً إلى طريق وحدة الثورة العربية وتوحيد أداتها…

ولكن في مقابل ذلك فإن المسائل المطروحة اليوم على فكر الثورة وحركة الثورة، والمشكلات التي تواجهها، لم تعد بتلك البساطة والتحديد الأولي الذي بدأت فيه الثورة الوطنية لينتقل بها عبدالناصر في مراحل وأطوار على طريق الثورة الكاملة .

فالثورة الوطنية تعرف اليوم، ويعرف أعداؤها أيضاً، جميع أبعادها، وأنها ثورة سياسية واجتماعية متكاملة، وأنها ثورة للوحدة العربية وتطالب أيضاً بثورة ثقافية لتعزيز لحمة هذه الثورة السياسية- الاجتماعية- الوحدوية .

فاليوم وقد وجدت قوى الثورة المضادة فرصتها في الانقضاض، وفي السيطرة على العديد من مراكز السلطة والحكم والهيمنة، كما تحركت كل القوى المعادية للأمة العربية ولوحدتها، لقطع طريق الثورة ومحاربة فكرها وتشتيت قواها… فإن معادلة الثورة الوطنية الديمقراطية لا تعود ثورة سياسية أولاً فثورة اجتماعية فوحدة عربية ثم تأتي الثورة الثقافية وتأتي ” الديمقراطية السليمة “… بل تصبح المعادلة: ثورة ثقافية وديمقراطية أولاً، تواكب مسار العمل السياسي ومسار النضال، وتصوغ وحدة توجهاته الفكرية ووحدة استراتيجيته ووحدة قواه، وتربط أواصر الثورة منذ البداية في جدلية حركتها التاريخية وتداخل مراحلها وأهدافها .

والمعادلة التي سارت بها ثورة عبد الناصر في أدوار نضجها المتلاحقة، وفي تقسيمها الأهداف والمهمات إلى مراحل، وفي صياغة القاعدة الشعبية التي تستند إليها ومفهوم الشعب، في كل دور ومرحلة، وصياغة تحالفاتها الطبقية أو صراعاتها، لا بد أن يؤخذ بها في طورها المتقدم أي في صيغتها الكاملة .

وقوى الثورة إذ تحدد طريقها، وتحدد أعداءها فإن صياغة قاعدتها الشعبية والاجتماعية، وتحالفاتها الطبقية والسياسية، الاستراتيجية منها والمرحلية، تصبح واضحة لها منذ البداية. ولكنها وفي هذا الاتجاه المستقبلي أيضاً، تجد في فكر عبدالناصر وتجاربه مقدمات لها .

فتحالف ” قوى الشعب العامل ” تلك المقولة الناصرية لبناء القاعدة الشعبية للثورة وتنظيمها وبلورة مقوماتها الطبقية والاجتماعية، يمكن أن تتجدد في صيغة ” الكتلة التاريخية “، كتحالف للعمال والطلاب والفلاحين والمثقفين الديمقراطيين، تزرع قوى الثورة أدواتها في قلبها، كطلائع لها تصوغ تنظيمها وتلاحمها النضالي…

أما مسألة الطليعة المنظمة التي تدير حركة الثورة وتقود النضال فإنها المسألة التي ظلت شعاراً ومجرد عنوان، ولم تُعطِ في تجربة عبدالناصر في النهاية إلا ثمرة صغيرة لم تقوَ على الثبات والاستمرار من بعده. فتجربة عبد الناصر من هذه الناحية ظلت تتردد في البداية بين الحزب واللا حزب، وبين الحزب الواحد وتعدد الأحزاب، وكان نقدها لما هو قاصر وعاجز ولما هو غير ملائم، أكثر من تحليلها لما يجب أن يكون، إلا في أحاديث قليلة، ظلت في أطر القيادات المحيطة به، ولم تعلن على الملأ. وهو قد نص في الميثاق على ضرورة خلق ” جهاز سياسي ” داخل الاتحاد الاشتراكي، وسماه أيضأ ” حزباً اشتراكياً ” و ” تنظيماً طليعياً “، كما نادى بعد الانفصال بضرورة قيام ” حركة عربية واحدة ” على المستوى القومي، ولكنها كلها تظل مسائل مطروحة وليس أمامها في تلك التجربة من حل واضح، كما أن الإجابات عليها من القوى والتنظيمات السياسية القائمة، والقائلة بالثورة وأهدافها الواحدة، ما زالت مختلفة وقاصرة .

ولكن من منطق الأمور، ونحن نتوجه إلى ضرورة الأخذ بالمنطلق الديمقراطي منذ البداية، وبعد كل ما عانته حركة التقدم من الصيغ الاستبدادية وصيغ الهيمنة المطلقة في السلطة والحكم، والتي أدت بها إلى هذا الوضع البائس، الأخذ بمبدأ التعدد وحرية التنظيم السياسي والحزبي، بل وبالنسبة للقوى والتيارات التي تأخذ بمبادئ الثورة الواحدة، فإن صيغة الحزب الطليعي الواحد بالمفهوم اللينييني، لا تطابق واقع توزيع القوى وواقع التوزيع الطبقي والأيديولوجي لحركات النضال العربي. فمبدأ التنوع وتعدد التيارات في إطار نوع من التلاحم الجبهوي الاستراتيجي يبقى إلى الآن المبدأ الأكثر ملاءمة. ولو أن هذه المقولة أيضاً- مقولة الجبهات الوطنية والقومية- أمامها صيغ متباينة، وأكثر ما قام باسمها لم يقدم ما يسد هذا الفراغ، وأكثرها محكوم بواقع النظم والعلاقات السلطوية، وهذا ما يطالب أيضاً بصيغ مبتكرة وجديدة .

وإذا وقفنا في النهاية عند المنطلقات الأيديولوجية والنظرية، التي توجه قوى النضال الوطني وأحزابها وفكرها السياسي والاجتماعي وإذا ما بقينا اليوم أيضاً أمام واقع التعدد والتنوع في إطار الأهداف النضالية والاستراتيجية الواحدة فإن النهج الذي سار فيه عبد الناصر بهذا الصدد يعطينا تجربة ثمينة في منحاها العام .

فعبد الناصر في توجهه الفكري وجد نفسه أمام ثلاثة تيارات أيديولوجية وطنية لها فعلها وتعبيراتها لدى القوى السياسية والثقافية وفي حياة الفئات الاجتماعية والشعبية، كما كان لها أثرها في ثقافته وتوجهاته وهي: التيار الوطني الديني، والتيار الوطني القومي العربي الوحدوي، والتيار الماركسي .

وهو إذا ما تقارب في عدد من مراحل تجربته أو تصادم مع قوى وتنظيمات سياسية تحمل هذه الأيديولوجيات متفرقة، وهو إذا ما ندّدَ بمواقفها وقصوراتها وعصبياتها، وما حملته الواحدة أو الأخرى من سلفية وأسطورية، أو من تبعية واتباعية أو من قصور، فإنه قد فعل جاهداً للتأثير في هذه التيارات ليضعها في سياق الوطنية والتقدم والثورة، وفي تذليل أسباب التصادم والتناقض الكلي فيما بينها، لما له من انعكاسات على الوحدة الوطنية للقاعدة الشعبية للثورة. لقد كان لكل واحدة منها تعبيراتها في حياة قطاعات من جماهير الشعب وفي ثقافتها وفي توجيه مواقفها السياسية. ولقد حاول أن يستخلص من المعطيات الإيجابية لكل منها ما يفيد في صياغة المنظور الأيديولوجي لحركة فكره وحركة الثورة. وأخذه هذا واستخلاصه لم يكن انتقاء وتجميعاً لما يرضي الحاجة والدعاية، بل تركها تأخذ صياغتها الجدلية في حركة فكره ووعيه واستيعابه، لتأخذ صيغة إبداعية من التأليف والتركيب، ليصبح فكره هو هذه الأيديولوجيا كلها، ولكن ليس أية واحدة منها على حدة .

ومثل هذا التأليف الجدلي الذي نتلمس معالمه في فكر عبد الناصر، إنما نستطيع أن نتبينه من خلال تعابيره العامة، ومن خلال ممارساته، فهذا التأليف ظل عملية وعي ذاتي، فهو لم يشرحه ولم يُفصّله، ولم يقدم لنا الطريقة التي استُخلص بها من خلال التحليل والنقد، ثم من خلال التركيب والصياغة، وصولاً إلى المحصلة والتجاوز، أي إلى أن يصنع هو نفسه نهجه الأيديولوجي المنسجم. ولكن هذا كله أعطى دلالاته في خطب عبد الناصر وكلامه وفي نهجه وصياغة ” ميثاقه ” وبرامجه ونظامه. ولقد جهد لوضع هذه المحصلة في حياة الناس وقناعاتهم أفكاراً ومقولات عامة، وضعها في خدمة المشروع الثوري ولتُوجّه عمله. ولكن عبد الناصر لم يفرض هذا التأليف على الآخرين بل دل على مثل هذه الإمكانية .

فهو قد أخذ من التيار الوطني الديني جانب الإيمان وما يعطيه من متانة خُلقية وحوافز نضالية، من خلال التطلع للحق والعدل والمساواة بين بني البشر، ثم بما للدين من رصيد راسخ في وجدان جماهير الشعب وثقافتها وحياتها، وقال ” بجوهر الدين ” كحافز تغيير وثورة ضد الظلم وضد الفساد، وطالب بأن يُنزَع عن الدين ما لحق به من أسطورية وخرافة وجمود، وما سُخّر له من قِبَلْ قوى الاستغلال والاستبداد، وأراد له إسهامه الثقافي والأخلاقي والروحي وأن يوضع في سياق تاريخي يتطلع للتجدد والإصلاح، وقال بحرية المعتقد وبرفض مذهبة الدولة ورفض الطائفية السياسية والتعصب .

وأخذ من التيار القومي الضرورة التاريخية في بناء وحدة الأمة، وأخذ به في مفهوم علماني لبناء الدولة الوطنية والقومية العصرية، والقائم على اندماج جميع فئات الأمة في إطار الوطن الواحد واللغة الواحدة والتاريخ المشترك وإرادة التحرر والتقدم والحياة المشتركة. وأخذ به كنهج استراتيجي لبناء نهوض الأمة وقوتها ووحدتها وتقدمها وبناء نضالها المشترك في وجه أعدائها وأعداء تحررها ووحدتها وتقدمها، ووضع هذا التيار في توجه مستقبلي وأخرجه عن السلفية والتوجه للماضي، وحرره من العصبيات الإقليمية والعنصرية والطائفية، ومن النزعات والتطلعات الإمبراطورية .

وأخذ من التيار الماركسي نهجه النقدي وجدليته التاريخية، وأخذ بالمنهج الاشتراكي العلمي وطالبه بالخروج من علاقات التبعية، وأن ينطلق في الولاء أولاً للوطن والأمة، ففي إطارهما تجري الصراعات الاجتماعية والسياسية والأيديولوجية، ومن خلالهما يأتي التطلع إلى صياغة العلاقات والروابط العالمية والفلسفات الكونية .

وهذا ما يمكن تأكيده من خلال استعراض كلمات عبدالناصر، ومن خلال استطلاع محصلته في مقولات ” ميثاقه الوطني ” وشروحاته، وكان الحري بنا أن لا نقول أخذ عبدالناصر من هذا التيار أو ذلك، يل أن نقول إنه يلتقي مع هذا التيار من حيث وضعه في هذا المنحى… فعبدالناصر كما ذكرنا وكررنا، لم يكن في حركة نضجه الفكري والاستراتيجي انتقائياً يجمع ما يناسب حاجته من هنا وهناك ومن هذا وذاك، ولم يكن اتباعياً، بل كان جدلياً، وعملية النقد والتأليف الجدلي هي التي تصنع من هذا كله منحىً فكرياً متكاملاً يوجه مساره الثوري .

فالنظام، أو الدولة التي أقامها عبد الناصر، أرادها نموذجاً للدولة القومية العصرية، تمثل إرادة كل فئات الشعب وطوائفه، وتساوي بين كل المواطنين على اختلاف انتماءاتهم. وهو لم يُردها دولة لطائفة أو مذهب أو فئة، ولكن علمنة الدولة هذه لم يضعها في تعارض مع القيم الروحية والحريات الدينية ومع ” جوهر الدين ” في تحقيق تطلعاته الأخلاقية، كما أنه أراد أن يعطيها مقومها الحديث، في الجمع بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية، وأن يرسي مقوماتها على أساس من التخطيط العلمي والنهج الاشتراكي .

قلنا إن عبد الناصر لم يقدم لنا عن هذه العملية في التأليف نظرية أو منظوراً أيديولوجياً، كما أنه لم يُقم على أساسها حزباً أو أحزاباً أو جبهة تمثل كل هذه التيارات أو تمثل تلاقياً بينها، ولكن بهذا الجهد الذي بذله وهذا النهج الذي اتبعه، قد ذلل الكثير من العقبات التي تعوق التلاقي الوطني لهذه التيارات في إطار مشروع ثوري مشترك، وهو قد وضع قاسماً مشتركاً بينها يتحدد بتطلعاتها المشتركة للتحرر الوطني والتقدم والاشتراكية والوحدة، ووضع أمامها قاعدة اجتماعية وشعبية واحدة، أو تحالفاً طبقياً هو قاعدتها كلها وتتوجه إليه كلها. فهو قد سحب من ساحة علاقاتها الوطنية ورقة التصادم الايديولوجي والتصادم الطبقي فيما بينها، وحوّلهُ إلى تصادمات بينها مجتمعة وبين المصالح والقوى الطبقية والايديولوجية التي تشد إلى الوراء وتشد إلى الرجعية وتشد إلى التبعية وإلى المصالح الاستغلالية والفئوية وإلى الفساد وتحلل القيم الأخلاقية والروحية .

تلك في الواقع معطيات تقدمها لنا تجربة عبد الناصر وفكره. ومحاولتنا هذه ترمى إلى أن نستخلص منها تمهيدات لفتح باب الحوار، من أجل تهيئة المناخ المواتي لصياغة روابط قوى الثورة العربية وعلاقاتها، وللوصول إلى ” وحدة الفكر ” أو لما هو ضروري من الوحدة في الفكر لصياغة استراتيجية مشتركة، ونضال مشترك لتجديد مسار الثورة نحو أهدافها، وفي مواجهة القوى المضادة للثورة والمعادية للأمة… فالبقاء عند المواقع القديمة والتقليدية في التفكير السياسي والعمل الحزبي والتعصب الايديولوجي، وفي صياغة العلاقات والتحالفات، يعني بالتالي عدم الاستفادة من التجربة، والارتداد إلى مواقع متأخرة عن مرحلة عبد الناصر… فينقطع سياق التقدم، وتأخذ القوى المضادة للثورة مداها، وتبقى قضية الأمة معلقة تطالب بمن يحمل رايتها من جديد .

                                                                     دمشق – 1981

_____________

انتهى الكتاب

التعليقات مغلقة.